بيان الكتب: اورهان باموك من اشهر الكتاب الروائيين الاتراك في العصر الحديث، ولد في اسطنبول عام 1952، وامتهن الكتابة منذ عام 1974، ومن اشهر اعماله الروائية (جودت بيك وأولاده)، التي قدمتها وزارة الثقافة في سوريا مترجمة في جزأين، وروايته الاخرى (الكتاب الاسود) المنشورة عام 1990، اما روايته المعنونة (الحياة الجديدة) المنشورة عام 1994، التي تحكي عن شباب جامعيين يتأثرون بقراءتهم لكتاب غامض، فقد اصبحت واحدة من اكثر الروايات التركية قراءة. نالت رواياته جوائز ادبية عديدة، وترجمت الى تسع عشرة لغة، ويتواصل اصدارها في العديد من البلدان، من كوريا حتى اسبانيا، ومن النرويج حتى ايطاليا. اما روايته الجديدة (اسمي الاحمر) فقد صدرت في اواخر عام 1999، وترجمت حديثاً الى العربية. تشتغل هذه الرواية الضخمة على مقولة وجهة النظر، لكنها ترسي عبر ذلك لظاهرة فنية تنسجم الى حد بعيد مع نظرية القراءة المعاصرة، نظرية التعدد، التي يعد القارئ قطبها الاهم، وربما الاوحد، في هذا الاطار تتعدد الاصوات وتتداخل الرؤى لتكشف عن وجهات متعددة للنظر، تقوم الرواية بتوصيلها دون اقحام، ومن خلال معالم جديدة غير مسبوقة في الخطاب الروائي. تجري احداث الرواية في مدينة اسطنبول في القرن السادس عشر الميلادي، حيث يقتل اثنان من امهر رسامي ونقاشي السلطنة العثمانية. وفي رحلة اكتشاف القاتل، نجول في عوالم اللون والصورة، والذاكرة والعمى، والاسلوب والعوقيع، والنقش والزمن، والمنظور والفراغ، والمسطح والخطى، وجميع هذه المفاهيم يتم تناولها من خلال صدمة اللقاء بالغرب، فضلاً عن بث مفاهيم جديدة، مبدعة ومدهشة، عن الشيطان والمال والمرأة والحب. اما ابطال الرواية فهم فنانو العالم الاسلامي، واشهر المبدعين من الخطاطين والنقاشين والمذهبين، من بغداد واستنبول، من بخارى وحيرات، من تبريز وشيراز، هؤلاء يصوغون صورة العالم ويطمحون الى ان تكون على نحو ما كما يراها الله، ويصطدمون بالتالي بكل ما يفد اليهم من مفاهيم جديدة من الغرب، حيث الاسلوب مغاير، وحيث المنظور يدخل في حيز التصور عن العالم الجديد، كما يراه الانسان من وجهة مادية صرف، فيقلب الامور والتصورات ، ويكون هذا الصراع الناشب بين الفنانين، صراعاً يفضي الى القتل، ويكون ذلك ايذاناً بالتحول من عهد الاشراق، والافكار التقليدية التي اوجدت الدولة العثمانية الى عهد تركية المعاصرة العلمانية، لكن ذلك يقدم بطبيعة الحال عبر الرموز والدلالات الموحية، والتي ترسم عالماً يصطرع ويتحول، او ترسم ذلك المخاض الذي عبرت من خلاله الحداثة في العالم الاسلامي، وما نتج عن هذا المخاض، واطر الصراع وانعكاسه واثره في الاجيال اللاحقة. الرواية تطمح بجدارة لأن تعيد فتح ملف السواكن في المجتمع الاسلامي العثماني التقليدي، وتهز هذا البنيان عنيفاً، من اصوله الراسخة، ثم تعود الى تشكيله من جديد، واضعة اياه في قلب الحقائق والمنطق والعلم، بعيداً عن الاوهام والترهات وما علق بتلك الامبراطورية على مر السنين. يقوم البناء الروائي على تفتيت الزمن السردي الى لحظات نفسية مرصودة في دواخل البطل، والتي تلقي باضاءاتها على الازمنة المنصرمة، وعلى علاقات الحاضر (زمن السرد) وتتشكل وجهة النظر عبر هذا التشظي الهائل في الاصوات واشكاله، فثمة اصوات لكائنات انسانية وغير انسانية، وبالتالي لا يضعنا المؤلف امام صوت احادي يطلق منظومته على نحو تقريري، بل ان ما يتداعى في الدواخل سيحمل عدداً كبيراً من الرؤى والانطباعات، ويصوغ بالتالي وجهة النظر الاخيرة والكلية والتي كانت في الاساس قد تشكلت من الوجهات المتعددة، وكأنها انكتبت باستقراء الضمير الجمعي للحالة الاجتماعية. في الرواية تتحول النقشخانة من مجرد مكان يضم خيرة ارباب الفن الى عالم غني يرمز الى المجتمع الاسلامي الذي كان ينضوي تحت الراية العثمانية، وتصبح في ذلك المثل التي للنقشخانة هي ذاتها مثل الدولة العثمانية، ومن هذه الزاوية تطرح الرواية مسألة الاقتحام الغربي لهذه المثل، او ما يمكن تسميته باختراق المنظومة القائمة والمتجذرة، في الواقع وفي المفاهيم، والتي ظلت على حالة من الثبات والركود طيلة عهود.. ويمثل الارضرومي وجماعته الكبح الاجتماعي، وسلوك العنف المقاوم والملاحق لكل بوادر التغيير ومناحي النهضة الناشئة في حياة الدولة والافراد، وقد نصبوا من انفسهم ملاحقين عتاة لكل المظاهر التي يرونها تمثل الفسق والفجور الاجتماعي، فهم يلاحقون النقشخانية ويحاسبونهم على افعالهم البادية على شكل نيات مخبوءة في رسوماتهم، باعتبارها عوارض الحاد يرفضها الدين القويم. فالرواية تصور هذا الارتطام الهائل بين العلمانية والدين في العصر الحديث، وهي اذ تفعل لاتدير ظهرها الى ما في الدين من اشراقات ومثل وتقاليد اوجدت عصراً زاهياً من الصنعة التي تجسد صنيع الله، بل تشير بطرف خفي الى جملة الشرور والمفاسد التي دستها الحضارة الغربية في جسد المجتمع الاسلامي وازهقت روحه، او شوهتها من الداخل، يقول الزيتون القاتل: «ان محاكاة فناني الفرنجة، قبل التمكن من مهارتهم تزيد من عبودية النقاش، اود الهرب من هذا الوضع..» ويبرر قتله لكل من ظريف والصهر بقوله: «اني قتلتهما كي يستمر كل شيء في النقشخانة كما كان عليه في السابق..» وكان قد قيم تذهيبات ظريف افندي واطاراته على انها اعمال توحي لنا بأننا ننظر، لا الى صفحة في كتاب، بل الى العالم بأسره من خلال نافذة في مركز ذلك العالم. وبالتالي نستطيع ان نقرأ في مقتل ظريف افندي والصهر، مقتل الامبراطورية العثمانية بعد صراعها العنيف مع المحيط الغربي من اجل البقاء. واضافة الى الاصوات الروائية وتقاطعها عبر الاحداث وتناميها، تتزيا الافكار والحقائق والمفاهيم على شكل شخصيات شاعرة، تخوض التجربة وتبني علاقاتها الخاصة بمن حولها وما حولها، ثم تتحدث.. فالمال يتحدث والموت يتحدث وكذلك الاحمر، الذي هو عنوان الرواية، بما هو قتل وادهاش، وبما هو زهر ولون للنقش واصل لألوان الزينة، كما نجد اصواتاً اخرى لكل من الشيطان والكلب والشجرة الحصان.. وبهذه اللعبة الفنية تتوزع عناوين الفصول من مثل: انا المال، اسمي الموت، سينادونني بالقاتل، انا والحصان، انا صهركم، اسمي استير، انا شكورة.. في الرواية تتداخل الخرافات والاساطير والحكايات والقصص الفارسية والرومية والهندية والعربية، كما نجد سعياً واضحاً لنسيج سردي يتماهى بالاساطير الشهيرة في التاريخ، ويتناص معها، كما هو الحال بالنسبة للالياذة والاوديسة والشاهنامة، وقصة شيرين وخسرو او قصة اوديسيوس وبينيلوب في اوديسة هوميروس الشهيرة. وهذا التناص انما يتم في الرواية من خلال زخم الاسلوب الملحمي باخباره المدهشة، وبصورة اساسية من خلال زوج شكورة الغائب وطلابها الاخرين الذين يطمعون بالاقتران بها. وتغتني الرواية بالثقافة الاسلامية ايما اغتناء، اذ تستعرض عدداً من التصورات والمفاهيم حول اليوم الاخر والحساب والعقاب والجنة والنار، كما في فصل (اسمي الموت) و(انا الشيطان)، وترتسم من وراء ذلك صورة مدهشة للعوالم الغريبة التي تحيل الرواية اليها، لتكون في ذلك كتاباً ثراً في علم الجمال، جمال اللون والشكل والزينة والمنظور والنقش والتذهيب، اضافة الى سجل غني هو الاخر، لأدوات الفنانين المهرة تلك التي حوتها النقشخانات. ان مجمل ما قدمته الرواية من خبرة عالية في عالم التشكيل، في النقوش ومواضعها من الكتب والصفحات واللوحات، في الرسومات والخطوط وما تحكيه من تاريخ الامبراطورية العثمانية المثقلة الى ذلك الحين بأوزارها، وكيف بسطت نفوذها على المحيط، واهم المفاصل في حياتها، منذ عهد السلطان الاول سليمان القانوني، ورجوعا في المؤثرات الفاعلة من خلال تناول التاريخ الابعد والمغرق في القدم الحضاري، وانتقالاً الى صدمة الحداثة.. لهو مثال ساطع على مايعد به هذا الروائي التركي الشاب، الذي سيظل يعد بالأجمل. محمد عبدالواسع