لن تجد في أي مكان على اليابسة مخلوقا غريبا للغاية لدرجة انه يتألف بالكامل تقريبا من فم واسع. ومع ذلك، فان مثل هذا النوع من المخلوقات يوجد على عمق ميل او اكثر تحت سطح المحيط، حيث تعتبر اشعة الشمس امرا غير وارد والمياه بدرجة التجمد والضغط يزيد على طن على كل بوصة مربعة. ويسمى أحد هذه المخلوقات بالانقليس المزدرد ذي الفم الذي يشبه المظلة. وفي ظل ندرة الغذاء في الاعماق المظلمة للمحيط، طور الانقليس هذا فمه الواسع لكي يستوعب أي فريسة تصادفه. وهو عنصر أساسي في بقائه. ان هذا الانقليس ليس وحيدا في ملامحه المخيفة. فأعماق البحار مأهولة بتنوع هائل من المخلوقات التي تأقلمت بشكل غريب مع البيئة المحيطة. والاسماء الشائعة لها تعطي فكرة جيدة عن غرابتها، فهناك المخلوقات التي تسمى «المبتلعين السود» و«الاسنان الناتئة» و«سمكة مصيدة الفئران» و«تنينات البحر ذات الذنب المتوهج»، وغيرها الكثير من الاسماء. ولم يدرك علماء الاحياء البحرية الا مؤخرا مدى تنوع المخلوقات التي تعيش في اعماق البحار. وقبل انطلاق الحملة الكبرى الاولى لاستكشاف اعماق المحيط ـ رحلة بريطانية على متن السفينة تشالنجر في أواخر القرن التاسع عشر ـ كان علماء المحيطات ينفون فكرة وجود حياة في الأعماق. لكن العلماء الذين كانوا على متن السفينة التاريخية، التي أبحرت حول العالم بين عامي 1873 و1876 قاطعة 68.000 ميل بحري، قاموا بجمع 13.000 نبتة وحيوان، لم يكن معظمها قد شوهد من قبل. وكانت تلك بداية حملات استكشافية لاضخم موطن بيئي على الارض وأكثرها تنوعا، والذي لم تكشف اسراره الا الآن بفضل التقنية الحديثة. ان تصور حجم البيئة الخاصة باعماق المحيط يتطلب تحولا في وجهة نظر الانسان تجاهها، وبصفتنا من المخلوقات التي تقطن اليابسة، فاننا نوجد بالاساس ببعدين باستثناء متسلقي قمة ايفرست، وركاب الطائرات. وعندما نواجه المحيط، فاننا نراه في العادة سطحا شاسعاً ومضطربا يتحرك جيئة وذهابا بفعل الرياح. وعلى الرغم من اننا نعرف انه عميق، الا انه من الصعب تصور كمية المياه التي تحتويها تلك الاعماق. يقول بول تيلر وهو عالم أحياء بحرية في مركز ساوثمبتون لعلم المحيطات: «اذا أخذت كمية المياه في المحيط وقسمتها بين جميع الاشخاص على الارض، فسيحصل كل شخص منهم على 260 مليون متر مكعب من الماء. وهو يعتبر بلا منازع اكبر بيئة على الارض. فكوكب الارض مغطى بمياه يزيد عمقها على 3000 متر». قد يكون البحر اكبر بيئة على الارض، ولكنها ايضا تعتبر الاقسى، وعلى اليابسة، نندهش مرارا من بعض التضاريس الصحراوية القاسية التي نعثر فيها على نباتات وحيوانات كما هو الحال، على سبيل المثال، في الصحراء الافريقية الكبرى أو القارة المتجمدة الجنوبية. ولكن مقارنة مع مخلوقات أعماق البحار، فان حياة الكائنات الحية على اليابسة تعتبر سهلة. فمن ناحية، تتمتع هذه المخلوقات بأشعة الشمس التي كانت تعتبر في يوم من الأيام متطلبا أساسيا للحياة. لكن حياة المحيطات تواجه حقيقة ان الماء يعتبر موصلا ضعيفا للضوء، ومن بين ألوان قوس قزح التي تشكل الضوء الابيض، فان الطول الموجي الاطول هو للضوء الاحمر يتم امتصاصه حتى عمق 20 مترا. اما الطول الموجي الاقصر ـ الضوء الازرق، فهو اخر ما يتم امتصاصه عند عمق 200 متر تقريبا (وهو ما يفسر اللون الازرق للمحيطات. والنباتات، التي تحتاج الضوء من أجل عملية التمثيل الضوئي يمكن ان توجد بالتالي في المنطقة التي يصلها ضوء الشمس والمحصورة بين السطح وعمق 200 متر. اما تحت عمق 200 متر، فلا وجود الا للحيوانات. وفي اكثر مياه المحيطات صفاء، فان بقايا الضوء الازرق يمكن ان تصل الى عمق 1000 متر، وهكذا تعتبر المنطقة الواقعة بين عمق 200 متر وعمق 1000 متر بمنطقة الشفق. وفي هذا العالم الذي يسوده ضوء الشفق، تمكنت الحيوانات من تطوير أساليب عبقرية للتمويه، وهو تأقلم مهم في المياه العميقة حيث لا يوجد مكان للاختباء، بعض المخلوقات مثل قنديل البحر تختفي في الضوء الازرق المعتم من خلال كونها شفافة. وهناك مخلوقات اخرى مثل المحار والاخطبوط تستخدم اسلوب الاضاءة المضادة، حيث تجعلها الخلايا المنتجة للضوء الموجودة على طول بطونها تمتزج بالكميات الضئيلة من الضوء الذي يخترق صفحة الماء في الأعلى. وبالنسبة لحيوان مفترس يترصد في الاسفل، تكون الصورة الظلية للمخلوق مطفأة مما يجعله غير مرئي. وتحت عمق 1000 متر، تدخل الى المنطقة المظلمة. وفي كتابه «في اعماق الاطلسي: الحياة والموت واستكشاف الاعماق»، يصف ريتشارد اليس هذا العالم بأنه «بيئة غريبة على فهمنا تماما مثل كون آخر». والامر لا يقتصر على عدم وجود الضوء بل يتعداه الى الضغط الهائل ودرجات الحرارة الباردة التي تقترب من التجمد. وهذا يدفع الى التساؤل كيف تستطيع الحيوانات ان تعيش في هذه العتمة العميقة الباردة. وكما يوضح ميلر، فان هناك ميزة ايجابية للعيش في هذه الاعماق. ويقول: «انها بيئة هادئة تماما. فالكثير من حيوانات الاعماق لا يمكنها العيش في المياه الضحلة بسبب وجود الكثير من النشاط الموجي او لأن التيارات المائية قوية جدا».