بيان الكتب: بعد تلك الهجومات المروعة التي زلزلت امريكا، وهزت العالم.. ثمة امور كثيرة ما عادت كما كانت، واسئلة قديمة صارت ضرورة ملحة اعادة صياغتها من جديد، وثمة امور كتبها التاريخ الامريكي كما شاء، فهل ستعاد كتابتها من جديد؟ في ظهر الخامس من ابريل 1999، تم تسليم عبدالباسط المقراحي والامين فحيمة الى السلطات الدولية لتتم محاكمتهما في هولندا، وبعد وصولهما الى قاعدة فالكينبورج استمع قاضي تحقيق الى شهادتهما وقد اكدا له خيارهما في تسريع اجراءات التسليم، ثم استقلا طائرة هليوكوبتر ورافقتها طائرتا حراسة الى قاعدة كامب زايست حيث هبطت الطائرات في التاسعة مساء ليصبحا بذلك في يد القضاء الاسكوتلندي حيث طلب القاضي لكل منهما ان يعرف نفسه ويقول مايشاء عن ظروف الاحتجاز والمعاملة، لكنهما اختارا عدم الكلام واستغرقت قراءة لائحة الاتهام بضع ساعات وتضمنت قراءة اسماء الضحايا الـ 270 في تفجير طائرة الـ «بان آم» الامريكية فوق بلدة لوكربي الاسكوتلندية بمن فيهم 259 راكبا و 11 من سكان البلدة، وامهل القاضي الادعاء تسعة ايام لتوجيه الاتهام رسميا الى المقراحي وفحيمه، وامر باحتجازهما على ذمة التحقيق في قضية لوكيربي. في الثامن من ابريل 1999 اصدر رئيس مجلس الامن بيانا اكد فيه انه تلقى رسالة يوم 5 ابريل من الامين العام بوصول المشتبه فيهما الى هولندا، فضلا عن رضا السلطات الفرنسية عن وفاء ليبيا بمتطلبات قرار مجلس الامن رقم «1192» في 27 اغسطس 1998، وهو التعاون مع فرنسا بشأن الطائرة الفرنسية VTA فوق النيجر، وشكر رئيس المجلس في بيانه كل من ساعد على الوصول الى هذه النتيحة، خاصة جنوب افريقيا والمملكة العربية السعودية، ودور كل من المنظمات الاقليمية الثلاث في القضية، فضلا عن حركة عدم الانحياز، وتضمن البيان كذلك تعليق العقوبات المفروضة على ليبيا بموجب قراري المجلس 747، 883 تنفيذا للقرار 1192 عام 1998، بعد وفاء ليبيا بمتطلباته، ابتداء من تاريخ تسليم مذكرة الامين العام بهذا الشأن يوم 5 ابريل 1999 الى مجلس الامن، وقد اعقب ذلك اعلان عدد من الدول تعليق العقوبات كما اعلنت الولايات المتحدة الامريكية استمرار الحظر الامريكي المفروض على ليبيا منذ عام 1986 واصدر الاتحاد الاوروبي بيانا باستمرار، حظر المعدات العسكرية. واوضح الدبلوماسيون ان الولايات المتحدة وبريطانيا عارضتا اقتراحا قدمته الجابون، العضو غير الدائم في مجلس الامن، ودعمته دول عدم الانحياز ويهدف الى اعتماد مشروع قانون ينص بشكل رسمي على تعليق العقوبات المفروضة على ليبيا، واعتبر الدبلوماسيون الامريكيون والبريطانيون انه لايتوجب على مجلس الامن الدولي القيام باي عمل اضافي على الصعيد القانوني، وقال دبلوماسيو عدم الانحياز ان وضع وثيقة خطية كرسالة من رئيس لجنة العقوبات ضروري لاعلام الحكومات بتعليق العقوبات، واكد ايكهارد ان رئيس لجنة العقوبات سينشر هذه الرسالة خلال يومين. لماذا ليبيا؟ يرى الصحفي رمضان عرابي مؤلف هذا الكتاب ان قضية لوكربي قضية قانونية البست ثوبا سياسيا ظاهرها المنطق وباطنها العداء والغطرسة وتأديب القوي للضعيف، فالقضية ليست قضية طائرة انفجرت، وتشير اصابع الاتهام الى المقراحي وفحيمة، فقد برأت المحكمة احدهما بالاجماع مما يسقط الاتهام الامريكي ويثبت ان القضية هي المواقف العنيدة للجماهيرية الليبية الرافضة لسياسات الغطرسة الامريكية في المنطقة العربية، فمنذ قيام ثورة الفاتح من سبتمبر اصبحت ليبيا احدى العقبات امام هيمنة الولايات المتحدة على المنطقة، ووقفت بالمرصاد لسياساتها رافضة التطويع او التطبيع على حساب الثوابت العربية، ولاترى في السياسة الامريكية الا مرآة عاكسة لسياسات اسرائيل العدو الاول للامة العربية، فتدهورت علاقات البلدين بشكل دراماتيكي من خلال مسلسل تصعيد سياسي وعسكري يمكن ايجازه في النقاط التالية: مع قيام ثورة الفاتح الليبية في الاول من سبتمبر عام 1969 بقيادة معمر القذافي واعلان تأييدها لتحرير الشعوب من الاستعمار ودعمها الكامل لكل حركات التحرر الوطني ودعوتها الى اخلاء القواعد العسكرية في دول العالم الثالث بصفة عامة ومنطقة الشرق الاوسط بصفة خاصة، اضافة الى ادانتها للموقف الامريكي المؤيد ودوما لاسرائيل واغتصاب الاراضي العربية والمقدسات الاسلامية، بدأ التحرش الامريكي بصورة خاصة والغربي بصورة عامة ضد الثورة الليبية وشخص قائدها معمر القذافي، فمع بداية الحياة الفعلية للثورة رفضت وجود القواعد الامريكية والبريطانية، ولم تجد امريكا اي مساحة داخل اطار الثورة تستطيع من خلالها ارجاء اجلاء قواتها او ابقائها تحت اي مسميات اخرى. في الثالث من ابريل 1973 اسقط سلاح الجو الليبي طائرة امريكية وفي شهر اكتوبر اعلنت ليبيا توسيع مياهها الاقليمية لتغطي خليج بسرت، وتوقفت عن ضخ النفط لامريكا بسبب تأييدها لاسرائيل في حرب اكتوبر. وتصاعد التوتر بعد قيام ليبيا بتأميم شركات النفط الاجنبية، وردت امريكا بايقافها تسليم ثماني طائرات نقل كانت ليبيا قد سددت ثمنها.. وظلت السياسة الليبية تناهض سياسات الولايات المتحدة بالمنطقة حتى جاءت معاهدة السلام المصرية الاسرائيلية، دعت ليبيا الى مواجهة مخططات وسياسات امريكا بالمنطقة، وساهمت في تكوين جبهة الصمود والتصدي، وخرجت المظاهرات في طرابلس احتجاجا على اتفاقية كامب ديفيد، وتم احراق الاعلام الامريكية والاسرائيلية، وتطور الامر الى احراق السفارة الامريكية، فردت امريكا بطرد الدبلوماسيين الليبيين من واشنطن واتهامها بدعم ومساندة الارهاب الدولي، ومع تصاعد الحملات الاعلامية بين البلدين قررت الجماهيرية في مايو 1981 اغلاق سفارتها في واشنطن وقطع العلاقات بين البلدين. تأزم الموقف بين البلدين بعد اسقاط امريكا لطائرتين ليبيتين حاولتا منع الاسطول الامريكي من التوغل في المياه الاقليمية الليبية، وطلب الرئيس ريجان في ديسمبر 1981 من الامريكيين المقيمين في ليبيا مغادرتها خشية اية عمليات ضدهم، واعلان حظر استيراد النفط الليبي في مارس 1982 وتجميد 5.2 مليارات دولار من السندات الليبية في ديسمبر 1985 وادعاء امريكا ان الجماهيرية الليبية اصبحت مركزا للارهاب متناسية دعمها الكامل للدولة الاسرائيلية التي تمارس يوميا المجازر ضدالشعب الفلسطيني، ضاربة عرض الحائط بكل القرارات الدولية. وفي عام 1986 اعلنت الولايات المتحدة فرض عقوبات اقتصادية وعسكرية على ليبيا، وكانت الحجة هي مسئولية ليبيا عن انفجار ملهى «لابيلون» في منتصف ليل الخامس من ابريل بمدينة برلين في المانيا كان يرتاده الجنود الامريكيون وبعد هذا الحادث بتسعة ايام فقط، قامت الطائرات العسكرية الامريكية بقصف مدينتي طرابلس وبنغازي، واستهدف القصف ثكنة باب العزيزية المقر الرئيسي للعقيد معمر القذافي، مما ادى الى قتل 41 شخصا، واصابت 226 اخرين. ومنذ 14 نوفمبر 1991 وجدت الولايات المتحدة الامريكية ان ملف لوكربي مفصل على مقاس الجماهيرية الليبية لترتدي به العقوبات لسبع سنوات، فقامت بالصاق الاتهام بالجماهيرية الليبية لتصبح قضية لوكربي قضية قانونية تلبس ثوبا سياسيا. محمود ابو حامد