بيان الكتب: طبيب وسياسي ومجاهد واديب بانورامي يختزن تاريخ مرحلة من ارشيف الوطن انه الاديب الطبيب عبدالسلام العجيلي، ولد في مدينة الرقة السورية على ضفاف الفرات الخالد عام 1918 تابع دراسته الثانوية في حلب بعد حصوله على السرتفيكا عام 1929. وفي حلب وخلال اربع سنوات بدأت رحلته مع الكتاب حيث بقي خلالها يقرأ كل ما يقع تحت يده من تراث الادب والترجمات وبعدها حصل على البكالوريا عام 1938 وانتسب الى جامعة دمشق لدراسة الطب، وتخرج عام 1945 وعاد للرقة ليمارس المهنة. 1947 انتخب نائباً في البرلمان السوري بعد الاستقلال مباشرة ليكون اصغر النواب سناً، وساهم في جيش الانقاذ بمعارك فلسطين، شاهد المأساة العربية بالكامل وسجل معظم مشاهداته في بعض اعماله الادبية. تولى الوزارة عام 1962 فكان وزيراً للثقافة والصحة والخارجية، فكان خير من مثلها آنذاك، بعد عام 1963 عاد للرقة وترك السياسة نهائياً ليمارس الطب ومازال، وليبدع القصة والرواية والمقالة وادب الرحلات. كتب الشعر والقصة وعمره 14 عاماً ونشرهما في مجلة الرسالة المصرية وذلك عام 1936. منذ عام 1948 وحتى عام 2000م اعطى المكتبة العربية 39 عملاً ابداعياً من قصة ورواية وشعر.. الخ، وبنت الساحرة عام 1948 اول اعماله القصصية واخرها مجهولة على الطريق عام 1997. 1958 كانت الرواية الاولى «باسمة بين الدموع» واخرها عام 1998 بعنوان «ارض السيّاد» ديوانه الشعري الوحيد «الليالي والنجوم» عام 1951. عام 2000 كان كتابه «ذكريات ايام السياسة». في بيته ومكتبه بالرقة تمت محاورته حول علاقته بالكتاب. ـ يتنوع عملك الادبي بين اكثر من حقل.. شعر، قصص، روايات، مقال، ادب ورحلات، وذكريات، كيف تستطيع الجمع بين هذه الاجناس كلها، وقد ابدعت فيها على نفس المستوى؟ هناك شعراء وروائيون وهناك نقاد وكتاب مقالات افتتاحية او مقالات في العلم والفلسفة، كل من هؤلاء مختص بجانب من الابداع الادبي، او ان هذا الجانب يطغى على ابداعه فيعرف به. اما انا فتستطيع ان تقول عني اني «كاتب» بمعنى اني املك موهبة الكتابة الجيدة في كل ما اريد التعبير عنه، وما اريد التعبير عنه ينتسب الى عوالم كثيرة او يمتد في افاق واسعة يحتاج كل منها الى شكل خاص من الاداء، اؤديه مرة بالشعر واخرى بالقصة واخرى بالمقال او المحاضرة، بل اني اؤديه مرات بالكلام الشفهي او بالسلوك العملي. ـ تعتبر من اهم الرموز الثقافية على مساحة الوطن العربي وربما تجاوزت حدوده الجغرافية، هل كان لعملك السياسي في سن مبكرة دور مباشر في انتشار ابداعك على هذه المساحة الثقافية ؟ لا علاقة بالسياسة بمدى انتشار ابداعي، انتاجي الادبي الاول وانا نائب عن منطقتي التي لم تكن تعرف الادب او تهتم به، كان ادبي نقطة ضعف في مكانتي السياسية، عندما صدرت مجموعتي القصصية الاولى «بنت الساحرة» عام 1948، جاء وفد من ابناء عشائر ريف الرقة يشتكون الى والدي ان ابنه الذي انتخبوه ليدافع عن قضاياهم في عاصمة البلاد يتلهى عن واجبه تجاههم ويقضي وقته في كتابة حكايات عن عشقه بالغجريات! وهم بذلك يشيرون الى القصة الرئيسية في تلك المجموعة.. ـ هذه البدايات ما علاقتك بالكتاب، اهو جزء منك ام انك جزء من كتاب لم ينشر بعد؟ الكتاب وعاء معرفة وينبوع متعة. شغفت به منذ الطفولة ولا ازال كذلك به الى اليوم، ولم تقو مبتكرات المسموعات والمرئيات على تعددها واغراءاتها على اضعاف تعلقي به، اذا لم تزد هذا التعلق. وحدث اني وصفت اجزاء من نفسي في كتب كتبتها، لا لاني اريد ان اخلد في كتاب، بل هي مناسبات للتعبير عن بعض ما مرّ في هذه النفس او مرت هي به، ولا اظن ان كتاباً، مهما بلغ من الضخامة، قادر على ان يحتوي كل ما يمكن ان تقوله نفس انسانية واحدة عن كل ما تحس به او تفكر فيه او تعيشه. ـ عاصرت اجيالاً من المبدعين العرب في كل الاجناس الادبية. هل بقيت اسماء في الذاكرة لهم، وبمن تأثرت في الادب والسياسة؟ الاسماء لا تعد ولا تحصى، ولا يسهل الوقوف عندها الا في المناسبات التي تعيد الى الخاطر ذكريات اصحابها وحكاياتهم المروية عنهم او الشخصية لي معهم، اكثر ما احمل لاصحاب هذه الاسماء هو الاعجاب والتقدير والعرفان والجميل. اما عن التأثر في الادب والسياسة فأقول انه قل ان عاد الى شخص بعينه، الذين اثروا بي في الادب هم المبدعون الذين سجلوا ابداعهم لي ولغيري في كتبهم او ما روي عنهم منذ عصور الجاهلية حتى اليوم، وفي السياسة تأثري لم يكن بالاشخاص ولم يكن حتى بالذين حملت لهم اعجاباً وتقديراً كبيرين، وانما تأثرت بحال امتي في الحاضر والماضي اضافة الى اثر طباعي الموروثة والبيئة التي عشت فيها، فجاءت عقليتي السياسية وتصرفاتي في الميدان السياسي حصيلة لمجموع هذه العوامل التي عددتها. ـ اخر ابداعاتك كتابك الاخير ذكريات ايام السياسة وكنت الاكثر صراحة بين الذين كتبوا عن تلك الفترة من تاريخ سوريا.. هل سجلت كل ارشيف الذاكرة، ام ان هناك اشياء لم تذكرها ولو مرت سنوات طوال عليها ؟ ـ لم اخف شيئاً مما اسعفتني به الذكريات خشية المحرمات في القول، اذا كنت اغفلت ذكر بعض ما مر بي، او كنت شاهداً عليه فالسبب اما السهو او النسيان، وما قلته على صراحته، لم ارد به الاساءة الى احد او التشهير به. ـ ماذا يقول العجيلي عن مكتبته؟ ـ عندي مكتبة، ومكتبة كبيرة جداً برفوفها وخزائنها ومحتوياتها. لست من محبي الاقتناء، ولذلك كنت في اول حياتي اجري كل عام جرداً لما اقتنيه من كتب ومجلات فاحتفظ بكتب المراجع، واهدي الباقي الى المعارف والاصحاب، وحين اصبحت ذا اسم معروف على ساحة الادب، كثرت الكتب التي تهدى الى مذيلة بتواقيع اصحابها، فلم يعد من اللائق التخلص منها بالاهداء والتوزيع، خفت ان يحدث لي ما حدث لاحد اصدقاء جورج برناردشو، ذات يوم. كان برناردشو يقلب كتباً قديمة في احدى المكتبات فوقعت في يده نسخة من احد مؤلفاته كان اهداها موقعة منه الى احد اصدقائه، وهي معروضة للبيع في المكتبة، اشترى برنارد شو تلك النسخة وكتب عليها كلمة اهداء جديدة بتوقيعه ووضعها في البريد مرسلة الى صديقه ذاك. وهكذا باحتفاظي بالكتب المهداة رحت احتفظ بكل ما يصلني من كل اقطار العالم، واصبحت مكتبتي ضخمة جداً، موزعة في منزلي بالرقة طابق خاص لها، وفي منزلي بحلب ـ مجلدات وموسوعات ومؤلفات ومجلات علمية، وحتى عيادتي مملوءة بالكتب.. تقع عيني على محتويات هذه المكتبة الموزعة فلا املك الا ان استغرب من اني قرأت كل هذه الاكوام من الورق ذلك اني كنت، في كل اطوار حياتي، بعيداً عن صفات صاحب تلك المكتبة الذي قيل فيه: وفي طاقته كتب كبار مجلوة، ولكن ما قرأها! وحالياً لا اعلم عدد محتويات مكتبتي، كما انني اعير منها لمن يبحث عن دراسة او بحث.