بيان الكتب: برز فلاديمير فيدوروفسكي اثناء فترة حكم ميخائيل جورباتشوف في الاتحاد السوفييتي السابق حيث كان يعمل كدبوماسي ثم اصبح الناطق الرسمي باسم حركة الاصلاحات الديمقراطية، عام 1991، وذلك في فترة المقاومة ضد الانقلاب الذي تمت محاولة القيام به ضد جورباتشوف في شهر اغسطس من عام 1991. وفلاديمير فيدوروفسكي، هو ايضاً روائي وباحث ويحمل شهادة الدكتوراه في التاريخ. له العديد من المؤلفات من بينها التاريخ السري لانقلاب وتاريخ الدبلوماسية الفرنسية، وكان المؤلف دبلوماسياً في فرنسا لعدة سنوات، والمثلث الروسي، وزوجات القياصرة.. الخ. في هذا الكتاب الجديد من راسبوتين الى بوتين، رجال الظل ينبش المؤلف في تاريخ روسيا منذ زمن نيقولا الثاني قيصر روسيا وحتى الفترة الراهنة. انه يعيد للعديد من رجال الظل اعتبارهم وفي طليعتهم راسبوتين. كما يكشف الدور الذي لعبه رجال كانوا مفاتيح للسلطة الحقيقية في لحظات حاسمة من تاريخ روسيا القيصرية ثم البلشفية (الشيوعية) وما بعد الشيوعية. ومن بين هؤلاء شخصية بارفوس الذي كان مصدر تمويل لينين ويروي القصة الحقيقية للعربة المصفحة التي حملت لينين الى روسيا باحدى القطارات كي يبدأ الثورة البلشفية. ويتعرض الى الحقبة الستالينية من خلال شبكات التجسس التي عرفتها وايضاً من خلال الدور الذي لعبه بيريا، احد اهم شخصيات الظل في التاريخ الروسي، قديمه وحديثه. ومن بين شخصيات الظل الهامة التي يبرز المؤلف دورها الى واجهة الاهتمام هناك ياكوفليف، الذي ينسق اثناء فترة وجود جورباتشوف في الحكم اعادة توحيد المانيا وتنظيم السقوط النهائي للشيوعية السوفييتية. وفي نهاية المطاف يروي قصة اشهر رجال الظل الروسي، اي فلاديمير بوتين الرئيس الروسي الحالي. ما يؤكده مؤلف هذا الكتاب هو ان رجال الظل في التاريخ الروسي لم تشهدهم دهاليز المكاتب المظلمة في قصور القياصرة والرؤساء، ولكنهم احتلوا مناصب عليا في هرم السلطة ووصلوا احياناً الى قمة هذا الهرم. ولعل وجود مؤلف هذا العمل في اوساط السلطة الدبلوماسية العليا لسنوات عديدة سمح له بان يتوصل الى بعض الاسرار وان يجمع شهادات فريدة غير معروفة حتى الان، هذا فضلاً عن اطلاعه على وثائق ارشيفية تحمل عبارة سري للغاية. هذه المعطيات كلها وفرت مادة استثنائية لروائي وباحث ومؤرخ قدّمها باسلوب فيه الكثير من الاثارة، مما جعل العمل كرؤية بوليسية.. بفارق جوهري، هو ان ابطالها حقيقيون من لحم ودم.. انهم رجال ظل.. كانوا في اغلب الاحيان اقوى من اولئك الذين كانوا يتربعون على رأس هرم السلطة. يعود المؤلف في بداية حديثه الى يوم 22 اغسطس 1992، في تلك الليلة التي ماتت فيها الشيوعية بروسيا، بعد فشل المحاولة الانقلابية ضد جورباتشوف والتي قام بها الشيوعيون المتزمتون. كان في تلك الليلة برفقة الكسندر ياكوفليف، منظر البيرسترويكا، كما يصفه ثم يضيف انه بالنسبة للروس هو حافر قبر النظام التوتاليتاري. وفي ذلك اليوم ايضاً قال ياكوفليف عن رجال الظل في المسيرة السوفييتية ما يلي: «لقد عرفوا كلهم مسيرة حياة زاخرة بالانفعالات ومأساوية بنفس الوقت. انهم مثل شخصيات دوستويفسكي، غامضون وبارعون في المناورة، وقد كانوا في اغلب الاحيان اكثر نفوذاً من قياصرتنا، ثم اضاف: «ان هؤلاء المخلوقات يتمتعون بثلاث طرق للتعبير، انهم يفكرون بشيء ما ويعبرون عن غيره، ثم يتصرفون بشكل مغاير عما فكروا به وعبروا عنه». ان هذين القولين يجسدان الى حد كبير ما حاول مؤلف هذا الكتاب ان يرسم معالمه وتفاصيله عبر حياة العديد من رجال الظل الروسي والسوفييتي وما تلاهم. ولعل تفرد مسيرة رجال الظل الروسيين في مختلف المراحل القيصرية او الشيوعية، يأتي من حقيقة ان السلطة في روسيا كانت دائماً سلطة مطلقة، وبعيدة عن اي بديل وديمقراطي، الامرالذي سمح لرجال الظل امكانية لعب دور حاسم. هذه القاعدة تجد البرهان عليها في تحليلات هذا الكتاب بالنسبة للعديد من الشخصيات التي تركت بصماتها على التاريخ الروسي الحديث من خلال الدور الذي لعبته علانية وصراحة على المسرح السياسي للبلاد او عبر ممارسة لعبة السلطة من وراء الكواليس. ويمكن تضيف «رجال الظل» كما يقدمهم مؤلف هذا الكتاب الى ثلاث فئات اساسية. فئة عرفت مسيرة حياتها قدراً كبيراً من التزييف التاريخي بحيث انه تم تقديم صورة مغلوطة الى حد كبير عنها، ومن الامثلة المقدمة على هذه الفئة كل من راسبوتين وبيريا اللذين اصبحا كأسطورتين في القرنين التاسع عشر للأول والعشرين للثاني. وفئة ثانية مارست هي الاخرى نفوذاً كبيراً لكنها ظلت معروفة لقلة من الناس القريبين من مواقع القرار السياسي في البلاد من امثال الكسندر ياكوفليف. اما الفئة الثالثة والاخيرة فهي فئة مجهولة، الى حد كبير من قبل الجمهور العريض من امثال بارفوس، ممول لينين، مع عدد من رجالات الثورة الروسية الاخرين. ومن خلال التعرض للسيرة المهنية لرجال الظل يقدم المؤلف في واقع الامر نوعاً من التأريخ لروسيا، وخاصة من زاوية الازمات التي واجهتها في علاقاتها الدولية وخاصة مع الغرب، اي مع المعسكر الرأسمالي اثناء الحقبة السوفييتية. هكذا نعرف بان آخر قياصرة روسيا قد وضع بعض عملائه على رأس الاحزاب الثورية الرئيسية الروسية، مما رجح في اخر المطاف كفة البلشفيين الذين استطاعوا ان يوظفوا خبرة هؤلاء لحسابهم واستخدام مختلف الاساليب لغايات سياسية. وتبدو المعركة بين اجهزة القيصر والحزب الاشتراكي الثوري وكأنها كانت احياناً بمثابة حرب اجهزة سرية لعب فيها المخبرون السياسيون دوراً مركزياً.. وينقل المؤلف عن سيفوي زوباتوف، رئيس شرطة القيصر نيقولا الثاني قوله لضباط الشرطة الشباب: ايها السادة عليكم ان تعتبروا اي مخبر سياسي بمثابة عشيقة ترونها سراً. واية خطوة خاطئة او اية حماقة يمكن ان تمس بالبشر. ويؤكد المؤلف بأن اعداد المخبرين السريين الذين كانوا يعملون لحساب اجهزة الشرطة القيصرية كانت كبيرة في اتحاد عمال موسكو الذي كان يمثل النقابة المركزية في البلاد، بل وكان احدهم يدعى جابون قد ترأسها، وهو الذي وصفه ليون تروتسكي نفسه بالقول: «كان يمكن ان يقال عنه بان الانفعالات الثورية القوية قد استيقظت بصدر الراهب الشاب، ذلك لان جابون كان كاهناً ارثوذكسياً. وقد جرّ هذا الراهب العمال الى تنظيم مظاهرة في سان بطرسبورج توجهت نحو قصر الشتاء من اجل مطالبة القيصر بتلبية مطالبهم المتمثلة في زيادة الرواتب وثماني ساعات عمل في اليوم. لكن كان جهاز الشرطة السرية هو في الحقيقة وراء المظاهرة وكان يرمي الى السيطرة على الحركة العمالية. وكان من ضحايا تلك المظاهرة 96 قتيلاً و 333 جريحاً حسب الاحصائيات الرسمية وعدة مئات من الضحايا حسب تقديرات المصادر الثورية. هذه مجرد عينة من مجموعة من العمليات التي قامت بها اجهزة الشرطة والتي يقول المؤلف عن نشاط فروعها الخارجية ما يلي: لقد امكن بفضل المعلومات المقدّمة من باريس خلال سنة واحدة (من 1 يناير الى 31 ديسمبر 1907) اعتقال 6500 شخص في روسيا واصدار اكثر من 1800 حكم من بينها 66 حكماً بالموت. ومصادرة 45 مطبعة سرية و 14 مختبراً لصنع المتفجرات في اراضي الامبراطورية الروسية. وكانت شرطة القيصر قد تلقت منذ عام 1905 امراً بمتابعة نشاطات جيورجي راسبوتين، ذلك الرجل الغامض القريب من القيصر وزوجته. ويقدم المؤلف راسبوتين على انه رجل ظل من نوع مختلف، وقد اصبح له مدرسة في روسيا عرفت باسم الراسبوتينية، ما يؤكده فلاديمير فيدوروفسكي هو ان شخصية راسبوتين قد عرفت الكثير من الاستغلال التاريخي منذ وصوله الى سان بطرسبورج، وذلك من قبل الذين كتبوا سيرة حياته وهم كثيرون. وكان راسبوتين قد ترك سيبيريا ليقيم في عاصمة القيصر. لقد تميز راسبوتين حسب الصورة المرسومة له في هذا الكتاب، بأن سلطته تفعل فعلها منذ ان يدخل اي انسان باتصال مباشر معه. وكان مصدر سلطته الرئيسي يكمن في نظرته التي وصفها السفير الفرنسي لدى القيصر بالقول: كانت نظرة ثاقبة ومطمئنة في الوقت نفسه، ساذجة وماكرة، ثابتة وبعيدة. وكان هناك سحراً مغناطيسياً ينطلق من صداقاته عندما يسترسل بحماس في خطابه، لقد اقترب راسبوتين من القيصر نيقولا الثاني وزوجته، وهكذا اقترب من مركز القرار السياسي في البلاد. وكان ذلك وراء اغتياله فيما بعد من قبل الامير فيلكس يوسوبون، كما دلت ابحاث تاريخية حديثة العهد. واذا كان راسبوتين قد كان ذا نفوذ كبير في عهد القيصر نيقولا الثاني وزوجته فإن مالينوفسكي، الذي كان يرافق لينين كل تحركاته في باريس قبل الثورة، انما كان عميلاً يتقاضى اجوره من الشرطة القيصرية، وقد كان يسافر بشكل مستمر مع لينين ويعرف كل شيء عنه، بما في ذلك دقائق حياته الخاصة، واذا كان يدعم رئيس الحزب ضد جميع خصومه فإنه لم يقصر ابداً في اعلام الاجهزة القيصرية بكل تحركاته. ولم يكن مالينوفسكي هو العميل المزدوج الوحيد في الاوساط المقربة من لينين، ولكن هناك ايضاً المدعو الكسندر لازاريفيتش بارفوس، صديق تروتسكي، وعميل الاجهزة السرية الالمانية، والذي يضم المؤلف بالقول «كان بنفس الوقت جذاباً وثورياً عنيداً، محتالاً». وشخصيات اخرى.. زخر بها عالم الاسرار الروسي وكانت من رجال الظل المبارزين فيه.. وليس اقلهم بيريا الاسطورة».. ورجل الظل المنتصر: فلاديمير بوتين. كتاب يرفع النقاب عن كثير من الخبايا والاسرار