بيان الكتب: ميشيل كامو، مؤلف هذا الكتاب عن ادونيس، هو شاعر وفيلسوف فرنسي. يرأس تحرير مجلة ذاكرة القرن الحادي والعشرين. صدر له العديد من الدواوين والدراسات منها: «الممر نحو الطريق المسدود، ومأثورات الصمت والاندهاش، والليل المشمس» .. الخ. في هذا الكتاب «ادونيس، الرائي» يكتب ميشيل كامو، الشاعر عن ادونيس الشاعر.. بعيداً عن كل الانتماءات والتعيينات الاخرى. ان ميشيل كامو لا يرى في الرائي ـ الشاعر ـ ادونيس خصوصية اللحظة والمكان وانما بالاحرى كونية اللحظة والمكان. انه يبحث في شعر ادونيس عما هو كوني، يونيفرسال ويجده، لا شك بان ميشيل كامو يبحث في شعر ادونيس عما يتجاوز أية محلية في الاعمال الشعرية المترجمة بالطبع الى اللغة الفرنسية والتي كان اولها اغاني مهيار الدمشقي، عام 1983 حيث تتالت بعدها الترجمات ليصبح ادونيس احد اكثر الشعراء العرب شهرة لدى جمهور المهتمين بالشعر من الفرنسيين، هذا اذا لم يكن اكثرهم شهرة وحضوراً. يصف ميشيل كامو مسيرة ادونيس الشعرية بأنها معجزة، اذ استطاع ذلك الفتى الفلاح الشاب من قرية قصايين المطلة على البحر الابيض المتوسط ان يصبح شاعراً ذا بعد كوني، كانت قريتة تفتقر للمدرسة والكهرباء، لذلك نهل من التعليم التقليدي، الذي تلقاه على يد والده المزارع ذي الثقافة الصوفية العالية. هكذا تآلف ذلك الطفل الذي كان مع اللغة القرآنية ومع الشعر ومع فلسفات الرواة، من المتصوفين مثل الحلاج وابن عربي. ومن الحوادث التي يؤكد عليها ميشيل كامو في بداية حديثه عن ادونيس تلك التي تعود الى فترة سن الثالثة عشرة، عندما عرف الفتى بأن رئيس الجمهورية السورية آنذاك شكري القوتلي سيزور المدينة القريبة من قريته ان ينظم قصيدة بالمناسبة بغية القائها بحضور الرئيس.. وتسلسلت الاحداث ليرى نفسه بلباسه التقليدي الذي كان يحمل اثار يوم ممطر في طرق موحلة وهو مدعو لقراءة قصيدته. اعجبت القصيدة الرئيس فسأل الفتى عن احب امنية يريد ان يحققها، فلم يتلكأ الفتى بالاجابة حيث قال الذهاب الى المدرسة. وهكذا كان. وبعد المدرسة الثانوية الفرنسية في طرطوس ثم في اللاذقية تابع دراسة الفلسفة في جامعة دمشق حيث حصل على شهادة جامعية منها، كانت بمثابة خطوة لاستكمال دراسة الدكتوراه في جامعة بيروت. حاول الشاعر الشاب ان ينشر قصائده في البداية لدى احدى الصحف المحلية باسمه الحقيقي علي احمد سعيد، لكنها قوبلت بالرفض. اختار اسماً مستعاراً هو ادونيس فنالت الترحيب والنشر فوراً. ان ميشيل كامو يرى بان اشعار ـ ادونيس ـ في سن السادسة عشرة انطوت على مؤشرات سحرية حول قدره. وكانت البذور الاولى لهذا القدر في التعاليم التي لقنها له والده. وفي مقدمتها ضرورة العمل على جبهتين: الخارج والداخل الذات. هذا التوجه الثنائي وجد ترجمته في الابداع الشعري في الوحدة. من جهة، وفي الالتزام الاجتماعي عبر تأسيس مجلة شعر خلال سنوات 1957 ـ 1964 بالاشتراك مع يوسف الخال وآفاق عام 1964 ثم مواقف عام 1968، هذا بالاضافة الى ندوات ومحاضرات وحلقات تدريسية في اوروبا والولايات المتحدة الامريكية وكندا واليابان. ويرى ميشيل كامو بأن ادونيس مسكون برغبة قوية في الانبعاث المستمر عبر التحرر من جميع الاطر الضيقة. هكذا اكد ادونيس ضرورة الانفتاح على الاخر. الامر الذي وجد ترجمته في الواقع عبر اهتمامه بالادب والشعر العالمي ووجد العديد من الشعراء الغربيين مكاناً لقصائدهم على صفحات مجلة شعر، من امثال بول كلوديل وسان جون بيرس ورونيه شار وهنري ميشو واكتافيوباز وغيرهم. وكان قد التقى باغلبية هؤلاء اثناء اقاماته المتكررة في باريس منذ بداية عقد الستينيات. ويؤكد ميشيل كامو ضمن هذا السياق بأن اولى الترجمات التي عرفتها اعمال ادونيس كانت الى اللغة الفرنسية قبل ان تتم ترجمتها فيما بعد الى اللغات الانجليزية والاسبانية والالمانية والنرويجية والسويدية واليونانية والتركية. وكان ادونيس قد القى سلسلة من الدروس في الكوليج دوفرانس، عام 1984.. حول الشعر العربي وتجدر الاشارة الى ان هذه المؤسسة الكبيرة هي الاهم في فرنسا من حيث مكانتها العملية. وقد اقام ادونيس في باريس منذ عام 1986 بعد ان امضى قرابة عشر سنوات في بيروت التي كانت تعيش جحيم الحرب الاهلية. لكنه عرف دائماً كيف يحتفظ بحساسيته الشعرية. ويرى ميشيل كامو بان كتابات ادونيس النقدية حول الثقافة العربية تشكل المدخل الاكثر حميمية، لعمله الشعري.. انه يبدو في حالة بحث دائم عن حقيقة الاشياء بواسطة القلب والحدس والاشعاع والرؤية.. ذلك ان هذه كلها تشكل السبيل الوحيد لولوج، عالم غير مرئي، عالم يشكل الابداع المستمر فيه، بدوره سبيلاً الى تأكيد الهوية بعيداً عن اي نفي للآخر واعتماداً على ما هو كوني، في انسانية الانسان وحيث تخضع العلاقة بين الـ «انا» والـ «اخر» لـ «الحب». ثم ان هذا الاخر هو سبيلنا للتعرف على حقيقتنا. واذا كان ادونيس يذهب بعيداً في البحث عن الذات وفي الماضي فإنه ينظر الى الحاضر بل ويرى بانه ينبغي على الشعر العربي، مثل اي شعر اخر في العالم، ان يعيد تقييم ذاته باستمرار على ضوء الحاضر. واذا كان ميشيل كامو، مؤلف هذا الكتاب، يؤكد على سمة التجديد على قاعدة الاستمرارية في شعر ادونيس فإنه يرى في الوقت نفسه بأن الديوان الثالث الذي شرع بكتابته عام 1960 ـ 1961 عندما كان في باريس اي اغاني مهيار الدمشقي، قد شكل منعطفاً ميتافيزيقياً في بحثه عن الحقيقة وثورة في الشعر العربي التقليدي. ادونيس، الرائي» بحث وتأكيد في الابعاد الكونية لشعر ادونيس.. بقلم شاعر وفيلسوف فرنسي.