بيان الكتب: يعمل مؤلف هذا الكتاب، ستيفان مارشان، رئيساً للتحرير في القسم الاقتصادي من صحيفة «لوفيجارو» الفرنسية. سبق له ونشر عدة كتب كرس معظمها لمناقشة المسائل المتعلقة باقتصاد المنتوجات الراقية، وتجارتها من بينها تجارة الاوهام، و«المصري» و«مؤامرة نوفمبر».. الخ. الكماليات ليست نقيضاً للفقر وانما نقيضاً للابتذال، هذا شعار رفعته مؤسسة شانيل العريقة في عالم الازياء والمنتوجات الكمالية الراقية التي هي بمثابة مرادف للفخامة والترف. ولكن الكماليات تعني في السياق الاقتصادي الثروة التي اصبحت موضع منافسة اكثر عنفاً في ظل لعبة الاقتصاد الجديد الذي انتجته العولمة، والنظام الدولي الجديد. هذه المنافسة العنيفة هي التي يطلق عليها مؤلف هذا الكتاب تعبير حروب الكماليات. وهو يعود في تحليلاته الى عام 1989 وعام انهيار جدار برلين، الذي شهد بدايات الحرب المعلنة، بين مجموعات اقتصادية كبرى مثل تلك التي يرأسها «برنار ارنو»، اي مجموعة مويت هينسي، لويس فويتور المالكة لمؤسسات ديور وجفنشي وسيلين، وكريستيان لاكروا ثم اضاف لهذه المملكة كل من مؤسستي كنزو وجيرلان خلال عقد التسعينيات.. وهكذا بدا وكأنه يتربع على عرش بيوت الازياء الفرنسية الراقية دون منازع. لكن في عام 1999 ظهر على المسرح رجل اعمال ايطالي، هو صاحب مجموعة فوكسي، قام بشراء دار ازياء «ايف سان لوران» الشهيرة وبدا انه يتوجه بوضوح نحو تشكيل مجموعة منافسة. اغضب هذا العمل ملك الفخامة برنار ارنو لتنطلق الحرب من جديد في افق رهان كبير ذي ابعاد عالمية شاملة ويتعلق بمعرفة من ستكون له الغلبة ويتربع على عرش مملكة المنتوجات الراقية التي ستبلغ قيمتها مئة مليار دولار عام 2010؟ عالم الازياء الراقية والفخامة والكماليات الذي يرسمه مؤلف هذا الكتاب له طقوسه ومعاييره الدقيقة تبعاً للنفوذ والشهرة والثروة، ان مجرد تصفح اسماء المدعوين الى عروض الازياء الكبرى يعطي دلالة واضحة على الشريحة المختارة للمعنيين بها والذين لهم الحق برؤية العارضات الجميلات وهن يقدمن اخر صيحات الموضة. لبيوت الازياء الشهيرة مثل كريستيان ديور وشانيل وايف سان لوران، الاكثر شهرة في العالم كما يقدمه مؤلف هذا الكتاب وغيرهم. لكن هذه الاسماء الماركات اصبحت المملوكة لغير اصحابها حيث انها قد اصبحت خاضعة لقواعد اقتصاد السوق، والمنافسة، هكذا يقدم المؤلف شخصاً مثل مصمم الازياء توم فورد بالقول: توم فورد ليس فناناً وليس مثقفاً وليس مؤرخاً وانما هو الخبير الامريكي في ميدان التسويق الذي كان قد انقذ شركة جوكيس من الافلاس قبل خمس سنوات، ان هذه الشركة الايطالية اصبحت خلال السنوات الاخيرة احد الاكثر ديناميكية في العالم كما تدل عملية شرائها لمؤسسة ايف سان لوران بمبلغ 6 مليار فرنك فرنسي، لقد اشترت جوكس بثمن مرتفع جداً ماضياً مجيداً، كما يقول المؤلف. هذا الثمن المرتفع يتطلب بالمقابل مردوده الاستثماري. ان حروب الكماليات التي يتحدث عنها ستيفان مارشان هي حروب محلية فرنسية فرنسية، ولكن ايضاً حروب عالمية، ذلك لان المجموعات المهيمنة على قطاع صناعات الكماليات الراقية، هي في الواقع الفعلي شركات متعددة الجنسيات. على الصعيد الفرنسي توجد منافسة كبيرة، حروب بين برنار ارنو، رئيس مجموعة مويت هينسي، لويس فويتون، وفرانسوا بينو، مالك مجموعة بينو، برانتان، رودوت. وبالاضافة الى هذين المتنافسين الفرنسيين ارنو وبينو، هناك شخصية ثالثة تلعب دوراً معقداً، مثلا هو الشخصية هي دومينيكو دو سالي، الايطالي الذي اصبح يحمل الجنسية الامريكية، ورئيس مجموعة جوكس. هؤلاء الثلاثة يهزون اركان عالم الصناعة الراقية، الازياء وملحقاتها، منذ الايام الاولى لعام 1999، ما يؤكده مؤلف هذا الكتاب هو ان المعركة تزداد شراسة منذ ذلك التاريخ. ضمن هذا السياق يناقش المؤلف موقع الايطاليين في عالم الازياء والمنتوجات الراقية. ويرى بانهم، اي الايطاليين، لهم تاريخهم القديم، في هذا العالم الراقي مثل الفرنسيين، لكنهم وعلى الرغم من انتمائهم الاوروبي يتقاسمون مع الامريكيين قدراً اكبر من القيم مما هو مع الفرنسيين، اي بمعنى انهم يولون أهمية «أقل» لـ «النوعية» وانهم أقل ارستقراطية من الفرنسيين، لكنهم بالمقابل اكثر خبرة في مجال التسويق والترويج الاعلامي، اضف الى هذه الصفات الشخصية والمؤهلات التي جعلت من دومينيكو دوسالي الايطالي الاصل والامريكي الجنسية والحاصل على اعلى الشهادات من جامعة هرفارد، احد اهم ركائز صناعة الكماليات العالمية في مطلع هذا القرن الجديد وبالاعتماد على مصمم الازياء الامريكي توم فورد الذي يتبنى فلسفة اخضاع الابداع لمتطلبات التسويق والبيع، مما ادى الى جمع ثروة طائلة، وربما على حساب الفن، في عالم الازياء. ان مجمل سمات توم فورد جعلت المؤلف يطلق عليه صفة الدكتاتور الفني، كما جاء في عنوان الفصل المكرس لدراسة موجزة لسيرة حياته، وحيث كان هو نفسه قد قال: لقد ولدت عجوزاً وطموحاً ومستبداً. وكانت حروب الكماليات، قد بدأت بمحاولة مجموعة برنار ارنو الفرنسية الحصول على حصة من اسهم شركة جوكس نفسها عبر البورصة بحيث يصبح لها تمثيلاً في مجلس ادارتها. وذلك في وقت كانت فيه الشركة الايطالية الامريكية تعاني من حالة وهن وازمة تحدثت عنها الصحافة كثيراً. لقد اشترى برنار ارنو حصصاً صغيرة من مجموعة مساهمين بحيث اصبح يمتلك نسبة 30% من رأسمال مجموعة جوكس، اي ما كان يعني بالنسبة له الحق في ان يكون لمجموعته سلطة ما فيها، بالمقابل اراد دومينيكو دو سالي ان يدافع عن استقلال مجموعته، لكن الثأر هو طبق طعام يؤكل بارداً حيث يمكن التلذذ به سريعاً. وقد كان ثأر دوسالي رهيباً، اذ حضره بصمت على طريقة امراء فلورنسا القدماء. لقد تبنى تكتيكاً دفاعياً اذا لم يستطع وقف الهجوم فانه يسمح على الاقل بكسب الوقت. واصدر اسهماً جديدة تم اشتراط توزيعها حصراً للعاملين في المؤسسة. بدأ ذلك بمثابة كرم كبير لولا ان المستفيدين كانوا قد تخلوا حسب آلية مالية معقدة، عن 99.5% من حقوق الاسهم للمجموعة نفسها مقابل حصولهم على حقوق كبيرة في مجال الاقتراع لمجلس الادارة. هذه العملية ادت الى انحلال حصة مجموعة برنار ارنو في رأس المال وانخفاض نسبة مشاركتها فيه، وكانت الخطوة التالية هي التقارب مع فرانسوا بينو، المنافس الفرنسي لبرنار ارنو، وعرض بيعه حصة من اسهم جوكسي، وذلك بنفس الوقت الذي كانت تتم فيه مراسلات متبادلة مع مجموعة برنار ارنو من اجل تحويل انتباهها عن المفاوضات الجارية مع المجموعة المنافسة. لقد تحالفت مجموعتا جوكس وبينو ودخلت هذه المجموعة الاخيرة الى عالم الصناعة الراقية، مما اثار حنق برنار ارنو الذي اعتبر ما جرى بمثابة اكبر اخفاق له طيلة مسيرته المهنية الظافرة. لكن في مطلع عام 2001 اصبحت مجموعته تمتلك حوالي 40 ماركة شهيرة وبلغت قيمة رأسمالها في البورصة خلال مطلع عام 2000، 33 مليار دولار بينما لم تكن هذه القيمة تتجاوز 12 مليار دولار قبل اربع سنوات. وكانت قيمة العمليات التجارية التي قامت بها عام 1999 قد وصلت الى 8.5 مليار، اي ثلاثة اضعاف ما حققته مجموعة رشمونت التي تحتل المرتبة العالمية الثانية، وما يقارب ستة اضعاف قيمة الاعمال التجارية لشركة جوكس منافستها الكبيرة في السباق الى الحصول على اكبر عدد من الماركات. تجدر الاشارة هنا الى ان مؤلف هذا الكتاب لا يعني بالصناعة الراقية، «الكماليات» مجرد الماركات الشهيرة مثل هيرميس او فرع الازياء لدى ايفا سان لوران او مؤسسة عز الدين علايا، وانما ايضاً يعني كل ما يراه الجمهور كمنتوج كمالي، راقي، مثل عقد ثمنه ثلاثة ملايين فرنك فرنسي او زجاجة عطر ثمنها ثلاثمئة فرنك. المهم في هذا السياق هو تحديد الجمهور المقصود، ونظرياً هناك لدى اي فرد منتوج ما يراه بمثابة كماليات، ولكن عملياً قد لا يمكن للفرد المعني الحصول عليه مهما كان ثمنه قليلاً. ومعضلة البيوت الكبرى ان لا تستطيع ان تخفض اثمان منتوجاتها كثيراً لانها ستدخل بمنافسة مع الشركات التي تنتج سلعاً موجهة للجمهور العريض. بالمقابل فرضت حروب الكماليات على جميع المجموعات والمؤسسات المعنية ان تختار بين تنويع منتوجاتها او «الموت»، الامثلة التي يقدمها المؤف على هذا الوضع كثيرة مثل حالة مؤسسة ديور كريستيان ديور، التي كان عليها من اجل توقيف انحدارها الناتج عن المبيعات المخيبة للآمال في قطاع الالبسة الجاهزة، اللجوء الى صناعة ادوات الزينة الرخيصة التي حققت فيها نجاحاً كبيراً بسبب الفارق الضخم بين ثمن البيع وكلفة التصنيع. وتبقى صناعة العطور تمثل احد الفروع الاكثر نجاحاً بين صناعات الكماليات، اذ تبلغ قيمة المبادلات التجارية في هذا القطاع عدة عشرات من المليارات من الفرنكات في فرنسا كل سنة. لكن هذا القطاع كان قد عرف ثورة في شهر سبتمبر من عام 1999 حيث فرضت المحكمة التجارية ما اسمته بحقوق المؤلف. هنا ينطرح سؤال جوهري. من هو المؤلف الحقيقي لهذا العطر او ذاك؟ حروب الكماليات كتاب يبين مؤلفه بان الصناعات الراقية، لم تعد قطاعاً صناعياً يختلف عن القطاعات الاخرى، وبأن الرهانات المالية التي يمثلها اصبحت تمنع، وبشكل نهائي، العودة الى تلك الحقبة التي كانت فيها هذه الصناعات نوعاً من المهن العائلية، وذلك ان التسويق والاعلام والدعاية قد استأثرت به ولن تترك ابداً هذه الدجاجة التي تبيض ذهباً، ان العالم القديم لبيوت الازياء ومشتقاتها، قد انهارت أركانه ولم يعد البحث الدؤوب عن الكمال، كما قال لويس امبرواز دوبونالد منذ اواسط القرن التاسع عشر، هو الهم الاساسي للصناعة الراقية، اصبح الهدف هو البحث عن هامش ربح اكبر. وعلى هذه الارضية تقوم حروب الكماليات.