بيان الكتب:أ همية هذا الكتاب تأتي من أثره البالغ على مسار حركة الشعر العربي الحديث، وبخاصة في موجاتها التي بدأت منذ سبعينيات القرن العشرين، ولا تزال ماثلة حتى الآن. والمؤكد أن مؤلف كتاب (ثورة الشعر الحديث) ، الناقد الدكتور عبد الغفار مكاوي ، قد استشعر بعض الخطر من الأفكار والمفاهيم الواردة في كتابة والدعوة التي يحملها على مسار الشعر العربي، خصوصا إذا تعامل الشعراء الشباب مع تلك الدعوة تعامل المقلد لأساليب الشعر الغربي ونماذجه. وقد أثبت المؤلف تخوفه هذا، وحذر من إستعارة النماذج الغربية في الشعر، وأكد أن مثل هذه النماذج وتلك الأساليب في بناء القصائد إنما هي ثمرة لحضارة مختلفة ونتاج لسياق ثقافي اجتماعي مغاير للسياق التاريخي العربي. ولكن هل سبق السيف العذل كما يقولون وأثمرت دعوة الكتاب دون أن يلتفت أحد إلى تحذيرات المؤلف؟ لا نريد أن نسارع بالإجابة قبل طرح القضية بشكل أقرب إلى الموضوعية، نقول إن كتاب (ثورة الشعر الحديث) الذي صدرت طبعته الأولى في أوائل السبعينيات، ثم صدرت مؤخرا طبعة جديدة منه ، هذا الكتاب لايمكن قراءته الآن إلا في ضوء المسيرة الشعرية العربية في العقود الأخيرة، ومالحقها من متغيرات حادة يعتبرها البعض تجديدا، فيما يعتبرها البعض الآخر تدميرا لديوان العرب وإنتكاس به إلى حد كبير. على أننا لسنا من الوهم، بحيث نعتقد أن كتابا مهما تكن قيمته هو السبب الوحيد فيما لحق بالشعر من متغيرات، والأرجح أن الكتاب ساهم في التمهيد لعناصر عديدة اجتماعية وثقافية وسياسية أن تسير بالشعر إلى الوجهة التي وصل إليها الآن. والمتابع للمشهد الشعري الراهن قد يتفق مع كثيرين من النقاد على أن الشعر العربي الآن في أجياله ونماذجه الجديدة يعيش أزمة متفاقمة وتتمثل الأزمة في أن التيار السائد في المشهد الشعري، قد تخلص دون معنى ودون ضرورة ماسة من البنية الإيقاعية العروضية التي ظلت سمة الشعر العربي منذ ولادته وشكلت بموسيقاها جزءا مهما من هوية الوجدان العربي، وقد استبدل المشهد الشعري الراهن بدلا من هذه البنية الإيقاعية ما سمى (بقصيدة النثر) والتي وصلت في بعض أطوارها إلى تخليص الشعر من الوجدان، أو بالأحرى تخليصه من الشعر ولا نقصد بالوجدان تلك الحالة الرومانسية التي بدأت بها جماعة الديوان في ثلاثينيات القرن، وإنما نقصد أن التيار الأغلب في قصيدة النثر قد فرغ الشعر من روحه وحرارته وأصبحت القصائد النثرية الجديدة أشبه ما تكون بصورة كربونية من أردأ النماذج المترجمة. وتبدو الأزمة بصورة أخرى في تعمد الغموض الذي يصل إلى درجة الإبهام والألغاز في القصائد المعاصرة، فضلا عن عدم اكتراثها بقضايا بالألعاب البهلوانية باللغة ، لكل هذا تراجع جمهور الشعر تراجعا مخيفا . فهل لهذا الذي حدث علاقة بكتابنا الوطن وهمومه ، قدر أكتراثها وهل للكتاب علاقة بالمفاهيم النظرية التي تم تكريسها منذ السبعينيات عن القطيعة مع التراث الشعري ، والقطيعة مع الجمهور، والأغراب، والشذوذ والغموض في الصور والأساليب الشعرية التي نفرت الناس من الشعر. أهم الشعراء يتضمن الكتاب الذي يقع في 630 صفحة عرضا وتحليلا لأهم نماذج الشعر الأوروبي في الفترة ما بين منتصف القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين. ويغوص المؤلف بقلم ناقد مقتدر، وأستاذ للفلسفة وللأدب الألماني، في النماذج الأوروبية، ويكشف النقاب عن طرائقها وأساليبها وأدواتها والبنية العقلية والفلسفة التي تكمن وراءها ويخص أهم الشعراء الأوروبيين الذين رسخوا مفاهيم الحداثة الشعرية الأوروبية مثل بودلير ورامبو ومالارمية بفصول منفردة تكشف عن فلسفتهم الشعرية والجمالية، على أنه ـ أي المؤلف ـ وحتى لا يتسع البحث وتضيع الفكرة الأساسية منه، اكتفى بترجمة نماذج من الشعر الفرنسي والإنجليزي والأسباني والإيطالي والألماني. واختار أسماء مثل بول فيرلين، وبول فاليري، وماكس جاكوب، وجيوم أبولينير وجول سوبر فيبي، وبول ايلوار، وأندريه بريتون، ولوي آرجون، ورينيه شار، فضلا عن بودلير، مالارميه من فرنسا. واختار من ألمانيا قصائد لهرمان هسه، وراينر ماريا ريلكه، وهانز كاروسا وغيرهم ومن إنجلترا قصائد من شعر إليوت، ومن إيطاليا امبرتو سابا، وجوسيبي إنجارتي، ومن أسبانيا بابلو نيرودا، وخوان رامون خيمنيت، ورفائيل البرتي، ولوركا وغيرهم. على أنه اكتفى في الجانب النظري من الكتاب بدراسة نماذج الشعر الفرنسي مؤكدا أن ثورة الشعر الحديث في أوروبا بدأت فعلا من هذه النماذج. بشكل عام يرصد المؤلف السمات الأساسية لبناء الشعر الحديث في أوروبا منطلقا من فرنسا فيقول: (وبناء الشعر الحديث عند أعلامه الثلاثة الكبار ـ بودلير ورامبو ومالارميه ـ ومن جاء بعدهم حتى اليوم بناء غريب وشاذ. ولابد من فهم هاتين الكلمتين بمعناها الاستطيقي لا الاخلاقي. أما عناصر هذا البناء فهي وضعه الخيال في مكان الواقع، وتأكيده لحطام العالم لا لوحدته، ومزجه لعناصر متنافرة وناشزة، وتعمد التحريف والتشويه، وتأثيره السحري عن طريق الغموض والألغاز وسحر اللغة، وإغرابه لكل مألوف أو معتاد، وإيثاره للتفكير الرزين المحسوب الشبيه بالتفكير الرياضي، واستبعاده للعاطفة الساذجة، وغياب ما يسمى بشعر الإلهام أو الشعر المباشر، وطغيان المخيلة الخلاقة التي يسيرها العقل والوعي، وتدمير نظام الواقع والأنظمة المنطقية والإنفعالية المألوفة واستغلال الطاقات الموسيقية في اللغة إلى أقصى حد ممكن، والاعتماد على الإيحاء بدلا من الفهم، وإعلان القطيعة مع التراث الإنساني والمسيحي، وإحساس الشاعر بانتمائه إلى عصر حضاري متأخر، وشعوره بالتوحد والتميز، تلك هي بعض عناصر البناء التي أرسى بودلير دعائمها في نظريته في الشعر وقد تجلت في قصائده وكتب رامبو ومالارميه وإتباعهما شعرهم على أساسها. ويعلن المؤلف أن كتاب (ثورة الشعر الحديث) يقوم منهجه على دراسة النص وتحليله واستقراء الظواهر الفنية والفكرية منه ويعني بالوقوف عند الجزئيات المتعلقة ببناء العبارة جميعا على الخلفية العقلية والفلسفية للشاعر والعصر. بودلير ويرى الدكتور مكاوي أن ما من شاعر استحق تسمية شاعر العصر الحديث مثل بودلير (1867 ـ1821)، فلم يقتصر أثره على الشعر الحديث من بعده إلى يومنا الراهن فحسب، بل إمتد كذلك إلى نظريات فن الشعر التي تتحدث عن طبيعة بنائه وظواهره وقضاياه، وكان بودلير أول من فصل فصلا حاسما بين الشعر والشاعر، أو بين الكلمة والقلب، كان يريد أن يكون موضوع الشعر هو العاطفة المتأججة على أن تكون عاطفة لا صلة لها بالعاطفة الذاتية، أو الشخصية، ولا بما سماه بنشوة القلب. ولذلك ينصح الشاعر بالبعد عن كل نزعة عاطفية ذاتية والإنصراف إلى (المخيلة الناصعة) التي تستطيع ـ في رأيه أن تنهض بواجبات لا تقوى عليها العاطفة. ويريد بودلير للذات (أي جماع العواطف والإنفاعلات الشخصية) أن تكون في حالة حياد، وهو بذلك يضع يده على ملمح من ملامح الشعر الحديث، وأعنى به ـ الكلام للدكتور مكاوي ـ نزعة التجرد من الذاتية وكثيرا ما تكلم بودلير في دراساته النظرية عن الجمال، غير أن الجمال في شعره ظل مقصورا على البناء والشكل والتنازل الموسيقي للغة، لم تعد الأشياء عنده تحتمل الفكرة القديمة عن الجمال، ولذلك فهو يلجأ إلى الإضافات التي تدل على الغرابة والمفارقة، ليخلع على الجمال طابعة العدواني المثير. فقد رحب بالقبح واعتبره معادلا للسر الجديد الذي أراد أن يغزو أرضه ونقطة الإنطلاق التي بدأ منها الصعود إلى المثالية أن الشعر كما يقول يوقظ في القبح سحرا جديدا، فالقبح يولد المفاجأة، وهذه تولد الهجوم غير المنتظر بهذا يعلن الشذوذ عن نفسه كمبدأ أساسي من مبادئ الأدب والشعر الحديث. أما رامبو (1854ـ 1891) الذي لم تتجاوز حياته السابعة والثلاثين عاما فإن العنف في حياته يتفق تمام الإتفاق مع أدبه. ويستخلص المؤلف من إحدى رسائل رامبو رؤيته للشاعر وللشعر بشكل عام فالشاعر (ينبغي أن يجعل من نفسه رائيا أو بصيرا، ولكن كيف يصبح الشاعر كذلك؟ كيف يتسنى له أن يستحضر الرؤى. يجيب رامبو إجابته المشهورة: باحداث بلبلة متصلة حادة في حواسه. بالإنغماس في كل تجربة حسية ووجدانية ممكنة وما غايته من بلبلة الحواس وتعمد تشويهها؟ للغاية هي معرفة الحقيقة الجوهرية الكامنة وراء الظواهر الخارجية والتعبير عنها. إن الرائي يستنفد كل سم وكل شراب لكي يحافظ على الجوهر واللباب، إنه يصبح بين الناس المريض الأكبر والمجرم الأكبر والملعون الأكبر والعارف والروائي الأعظم ذلك لأنه يصل إلى المجهول وعندما يصيبه مس الجنون ويبوء بالعجز عن فهم رؤاه تكون هذه الرؤى قد أصبحت ملكا لديه. ويحلل المؤلف خصائص شعر مالارميه (1842ـ 1898) ويستنتج أن أهم ما يميز هذا الشعر أنه هامس حي لا يفرض على قارئه بل يبدو كأنما يرف في فراغ وأن للقصيدة الواحدة طبقات عديدة من المعاني والدلالات تسمو بعضها فوق بعض، بحيث تنتهي آخر هذه الطبقات وأعلاها إلى معنى لايكاد يفهم، ومالارميه يتمم الرأي الذي نعرفه منذ عهد بودلير من أن المخيلة الفنية لا تنسخ الواقع ولا تصوره تصويرا مثاليا، بل تغيره أو بالأحرى تشوهه، وهو يتمم هذا الرأي حين يرسيه على أساس وجودي (انتولوجي) كما يبرر غموضه وصعوبة فهمه تبريرا وجوديا. بقى أن نسجل تحذير المؤلف من خطورة نقل النماذج والأساليب الشعرية الغربية نقلا حرفيا وزرعها في سياق ثقافي اجتماعي عربي مغاير لسياقها الذي نشأت وتطورت فيه. يقول المؤلف بعد عرض مستفيض لصورة الشعر الغربي (وأحب أن أؤكد منذ البداية أنني لم أرسم هذه الصورة حبا في الغرابة، أو ولعا بالشذوذ، ولست أريد أن أدعو إليها أو أحبذ تقليدها. وأنا لا أنفي هذا لسبب ذاتي فحسب، فالواقع أنني لا أميل إلى كثير من النماذج التي يقدمها هذا الكتاب، وقد استريح لقصيدة من السياب، أو البياتي، أو عبد الصبور، أو خليل حاوي، أو أدونيس، وقد أجد نفسي في أبيات لرامبو، أو ايلوار أو كرولوف، أو إنجارتي. ومع ذلك فإن الذوق الفردي لا ينبغي أن يحول بيننا وبين الشعر الحديث. وواجبنا في كل الأحوال أن نعرف هذا الشعر ونفهمه وندرسه ونتتبع أصوله ونضعه في سياقه التاريخي، أما أن نتأثر به أو لا نتأثر فشئ آخر. ذلك لأن لكل لغة طبيعتها وتاريخها وحياتها الخالدة ولكل حضارة طابعها المميز الذي يتجلى في شعرها وفي كل ظواهرها. فتحي عامر