بيان الكتب: عمل جوناثان باور لمدة سبعة عشر عاماً محرراً للشئون الخارجية في صحيفة «هيرالد تريبيون انترناشيونال»، ويساهم الان بكتاباته في اكثر من عشرين صحيفة في العالم. كتب في «نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست» و«لوس انجلوس تايمز» و«بروسبيكت» وغيرها. نال عام 1972 الجائزة الفضية في مهرجان البندقية للافلام الوثائقية. سبق له ونشر عدداً من الكتب كما اعد منذ فترة قريبة التاريخ الرسمي للامم المتحدة وذلك بمناسبة الذكرى الخمسين لتأسيس المنظمة الدولية. تأسست منظمة العفو الدولية قبل اربعين عاماً، وهي المنظمة الاكثر شهرة في العالم بميدان الدفاع عن حقوق الانسان، وكانت قد حازت عام 1977 جائزة نوبل للسلام على مجمل الاعمال والنشاطات التي قامت بها. لكنها منظمة اثارت في الوقت نفسه الكثير من الجدل والنقاشات بين مؤيد ومعارض للمواقف التي اتخذتها. لكن بكل الحالات يقدم مؤلف هذا الكتاب عدداً من الوقائع والاحصائيات التي تدل على رصيد هذه المنظمة التي يزيد عدد المنتسبين لها على مليون نسمة. وفاق عدد الحالات التي انبرت للدفاع عنها الـ (45000) حالة تخص عقوبات الموت، خاصة في الولايات المتحدة الامريكية والتعذيب والخطف والاعتقال.. الخ. كما اعدت المنظمة عدداً من التقارير حيال بعض الحالات المتعلقة بخرق حقوق الانسان ودفعت الى واجهة الاهتمام الاعلامي والسياسي الدولي قضايا اشخاص اصبحوا بمثابة رموز عالميين من امثال الاديب والكاتب المسرحي التشيكي فاكلاف هامل الذي يشغل حالياً منصب رئيس جمهورية تشيكيا وقد كان اول رئيس دولة يعلن انضمامه الى منظمة العفو الدولية عام 1991، وكانت المنظمة هي في طليعة المدافعين عن الطلبة الصينيين الذين رفعوا اصواتهم للاحتجاج فيما عرف بـ «ربيع بكين». تجدر الاشارة في هذا السياق الى ان المناضل الافريقي، الذي اصبح رئيساً لجمهورية جنوب افريقيا بعد ان كان اقدم سجناء فترته، لم يحظ بدفاع المنظمة عنه بشكل قوي لانه دافع عن العنف كوسيلة ضغط سياسي. في الواقع، رفضت المنظمة منذ تأسيسها عام 1991 العنف كمبدأ في النضال. مع هذا تم اعتماد مانديلا عام 1962 كـ «احد سجناء الرأي لنضالاته ضد نظام جنوب افريقيا العنصري آنذاك». لكن المجموعة البريطانية التي كانت قد تبنته اعتبرت في عام 1964 انه قد جنح نحو العنف في معارضته. ويؤكد مؤلف هذا الكتاب ان العديد من اعضاء منظمة العفو الدولية لم يكونوا راضين عن تخلي منظمتهم عن مانديلا. وفي النهاية ثم التوصل الى نوع من المصالحة بحيث انه لم يتم اعتباره كـ «سجين رأي» ولكن المنظمة اعلنت عن عزمها على التدخل لدى سلطات جنوب افريقيا اذا تعرض هذا السجين للتعذيب او اذا كانت شروط سجنه قاسية. ذهنية المصالحة هذه اثارت فيما بعد الكثير من النقاشات، بل الاحتجاجات بشأن حالة اخرى تخص سجناء مجموعة «بادر ـ ماينهوف». وكان الميثاق المؤسس لمنظمة العفو الدولية قد تم نشره بتاريخ 28 مايو من عام 1961 على صفحات مجلة «ذا اوبزرفر» الاسبوعية تحت عنوان منبر حر، بقلم المحامي الانجليزي بيتر بينينسون، كان ذلك بمناسبة اعتقال طالبين برتغاليين كانا قد رفعا نخب الحرية. وقد قدم ذلك المحامي اللندني رؤية شاملة بانورامية لعدد من الامثلة الخاصة بمعارضي الرأي. كان عنوان تلك المقالة هو السجناء المنسيون، وعلى اساسه وافقت منظمة الامم المتحدة لمدة ثلاث سنوات على منح منظمة العفو الدولية حقه استشارية. كان لمنظمة العفو الدولية عند تأسيسها بعض الاعداء ومجموعات من الاصدقاء. ان عمرها الان اربعين عاماً وهي نتاج مخيلة رجل واحد هو بيتر بينينسون، المولود في بريطانيا من ام انجليزية واب روسي، كما يقول المؤلف. وكان هذا المحامي قد دافع عن عدد من الجرائم السياسية، قبل ان يولي اهتمامه للابعاد القانونية لحقوق الانسان في الميثاق العام للامم المتحدة. وقد تم تكليف الفنانة الانجليزية ديانا ردهاوس «برسم شعار منظمة العفو الدولية. وعندما رأى المحامي الشعار المعروف ردد المثل القديم القائل من الافضل ان تشعل شمعة عندما يشتد الظلام، وبدأت المنظمة منذ ايامها الاولى حملاتها المعهودة التي لم تزل سارية المفعول حتى الان والكامنة في تنظيم حملات من الرسائل والبرقيات الى هذه السلطة او تلك للدفاع عن هذا السجين سجين الرأي، او ذاك، كذلك قامت المنظمة منذ بدايتها الاولى ايضاً بارسال وفود الى البلدان التي تقوم بخروق واضحة لحقوق الانسان، ولكن بعد القيام بعدة تحقيقات واستقصاءات والتأكد من صحتها. ان المؤلف يقوم على مدى فصل كامل يحمل عنوان: «منظمة العفو الدولية في عامها الاربعين» بعرض العديد من الحالات العيانية لمختلف اشكال النشاطات التي قامت المنظمة بها لدى حكومات العالم. ويقوم المؤلف ايضاً باستعراض عدد من الحالات الصارخة، لخرق حقوق الانسان في بلد مثل تشيلي عام 1973 عندما ساعدت حكومة الولايات المتحدة الامريكية الجنرال اوجستو بينوشيه واعوانه للقضاء على نظام الرئيس التشيلي المنتخب آنذاك «سلفادور اللندي». ويتم التأكيد في هذا السياق من معالجة الدور الذي قامت به منظمة العفو الدولية على الحرب الفيتنامية التي ولدت لدى الرأي العام الامريكي عقدة المهزوم الظالم، والتي لم تكن بعيدة عن تبني الرئيس الامريكي الاسبق جيمي كارتر لمسألة حقوق الانسان كنقطة ارتكاز اساسية في عمل ادارته. وكانت منظمة العفو الدولية قد شهدت منذ تأسيسها تنامياً متسارع الايقاع في عدد المنتسبين لها وبشكل لم تعرفه ظواهر اخرى. وكانت قد حددت مهمتها الاولى في جمع المعلومات عن السجناء الذين تم القبض عليهم بسبب ارائهم السياسية. لكنها تحولت بسرعة نحو تنظيم حملات الدفاع عن حالات او اوضاع معينة بواسطة «جيش» من المتطوعين في حقوقها. ولم تكن وجهة هذه الحملات جمع رؤساء الدول والحكومات فقط وانما ايضاً وسائل الاعلام التي تعكس في احيان كثيرة اصداء نشاطات هذه المنظمة الدولية، التي شكلت بصيغة ما نوعاً من مجموعة الضغط، وانما لصالح حماية الحريات العامة. ولا يتردد مؤلف هذا الكتاب في التأكيد ان اغلبية التحديات المفاجئة قد جاءت من الولايات المتحدة. ذلك ان جميع الحكومات الامريكية اعتباراً من ادارة الرئيس جيمي كارتر كانت قد اعتبرت حقوق الانسان من اولوياتها، بل اصبحت تعتمد على تقارير منظمة العفو الدولية لمجابهة خصومها والقيام بحملات انتقامية ضدهم. ولكن في اغلب الامر كانت الخلفية البعيدة للتعاون مع الدول، بما فيها تلك التي لا تولي حقوق الانسان اهمية، تقوم على اساس مصلحة الدولة التي كانت باستمرار العنصر الاساسي في تحديد السياسة الخارجية للبلدان المعنية بها، وخاصة في فترة الحرب الباردة. وعلى اساس مصلحة الدولة هذه قام الرئيس الامريكي جورج بوش (الاب) بالاستشهاد اكثر من مرة بتقارير منظمة العفو الدولية الخاصة بالعراق من اجل حث دول العالم للدخول في التحالف العسكري الذي كان بصدد تحضيره. هذا ما يشير اليه مؤلف هذا الكتاب عند مناقشته لوزن المنظمة في السياسة الخارجية للدول، لكنه يركز في الوقت نفسه على القول ان الولايات المتحدة الامريكية نفسها وفي نفس الفترة لم تكن تعطي آذناً صاغية لتقارير منظمة العفو الدولية الخاصة بممارسات السلطات الامريكية ودور جهاز استخباراتها في عمليات التعذيب بجواتيمالا وغيرها من بلدان امريكا اللاتينية. وتم في هذا الاطار مناقشة علاقة منظمة العفو الدولية مع الحكومة الامريكية في ظل مختلف الادارات وتبعاً لمتغيرات السياسة الدولية. ان مؤلف هذا الكتاب يناقش باسهاب آليات عمل منظمة العفو الدولية منذ مطلع عقد التسعينيات الاخير وحيث ان المسألة لم تكن معرفة عما اذا كانت المنظمة تستطيع البقاء والاستمرار وانما اذا كانت تستطيع التأقلم مع معطيات عالم جديد متغير، وفي مقدمة هذه المعطيات زوال دكتاتوريات عديدة في اوروبا الوسطى والشرقية وامريكا اللاتينية وافريقيا وبالتالي نهاية الحرب الباردة. ومن المعطيات المهمة الجديدة استخدام مقولة الدفاع عن حقوق الانسان كأحد محركات النظام الدولي الجديد، وذلك باسم الامم المتحدة في اغلب الاحيان والقيام بعمليات تدخل عسكري تحت رايتها. بنفس الوقت اصبحت وسائل الاعلام المختلفة تولي اهمية اكبر لتقارير منظمة العفو الدولية. وللمرة الاولى اصبح بالامكان تأسيس فروع للمنظمة في العديد من بلدان الجنوب وبلدان المعسكر الشيوعي السابق. لكن البلاغة الخطابية الخاصة بحقوق الانسان من قبل العديد من الحكومات لم تلغ واقع استمرار ممارساتها المنافية لأبسط هذه الحقوق. ومن الحالات الظواهر المتنامية التي وجدت منظمة العفو الدولية نفسها مدعوة لاتخاذ مواقف حيالها هناك الارهاب، بما في ذلك ارهاب الدول وحيث وجه الكثيرون النقد للمنظمة بأنها لم تعط هذه المسألة اهتمامها الذي تستحقه في الماضي، اضف الى هذا واقع تفشي الفساد السياسي والاقتصادي في الديمقراطيات التي برزت على انقاض الانظمة الشمولية التي كانت سائدة في بلدانها تحت ظل الاستقطاب الثنائي الدولي. وهكذا لم تتأصل مبادئ حقوق الانسان، في هذه البلدان المعنية بسبب هشاشة تجربة المجتمعات المدنية بشكل خاص. هذا كتاب عن تاريخية منظمة العفو الدولي بنجاحاتها، وانكفاءاتها منذ بداياتها وحتى «سن الاربعين» مع تداخلات مسيرتها، كما يرسمها صحفي عمل لسنوات عديدة مراسلاً خارجياً عايش العديد من النزاعات في افريقيا وامريكا اللاتينية. وتتداخل التجربة الخاصة للمؤلف مع الموضوع الذي يكتب عنه. تجدر الاشارة هنا الى ان احد فصول الكتاب مكرس لدراسة سيرة حياة موجزة للرؤساء التاريخيين لمنظمة العفو الدولية، الى جانب تحليل الدور الذي لعبته شخصيات امريكية رسمية او شعبية في مجال التأكيد على البعد الحضاري لحقوق الانسان مع ابراهام لنكولن حتى مارتن لوثر كنج. مثل الماء على الحجر، او حقوق الانسان في مواجهة مصالح الدول.