بيان الكتب: ناومي كلين من مواليد عام 1970 في مدينة مونتريال بكندا. بدأت عملها كصحفية في جريدة «تورنتو ستار» حيث نشرت العديد من المقالات حول عالم العمل والتسوق، استقالت من عملها في الصحيفة بعد خمس سنوات كي تعمل مستقلة حيث اولت اهتمامها الرئيسي لدراسة الوجه المخاتل لعالم الاعلانات في المجتمعات الغربية الحديثة. فعيش المؤلفة اليوم في مدينة تورنتو الكندية وتعمل صحفية في مجلة جلوب اند مايل. اصبح العالم اليوم بمثابة قرية كونية، كما يقال ويردد في ظل العولمة والنظام الدولي الجديد. لكنه عالم محكوم الى درجة كبيرة بالسلطة الاستبدادية ل«الماركات»، وحيث ان السبات المحموم نحو تحقيق اكبر المكاسب والارباح الطائلة اصبح لا يولي اية اهمية حقيقية للبعد الانساني او لما يتكرر اليوم كثيراً عن حقوق الانسان، ذلك ان العبودية الحديثة موجودة في المناطق الصناعية الحرة او في بعض دول العالم الثالث التي تشكل فردوساً مالياً ضرائبياً بالنسبة للشركات الرأسمالية. تجدر الاشارة منذ البداية الى ان هذا الكتاب ليس مجرد اضافة جديدة للكم الكبير من الكتب والدراسات التي شهدتها مؤخراً رفوف المكتبات العالمية عامة والغربية خاصة حول تمركز ادوات السلطة الحقيقية بين مجموعة من الشركات الكبرى التي تشكل بمجموعها مع بعضها البعض نوعاً من الحكومة العالمية الفعلية التي تسيّر امور العالم. إنه بالاحرى كتاب تقوم مؤلفته بتحليل وتوصيف القوى التي تعارض السلطة المطلقة للشركات الكبرى المعنية، كما تقدم بنفس الوقت مجموعة الشروط والظروف الثقافية والاقتصادية التي جعلت بروز مثل هذه المعارضة امراً حتمياً لا مفر منه. وتتمثل احدى الافكار الاساسية في هذا الكتاب بالقول ان المساحات المخصصة للاعلانات والدعاية، من لوحات الاعلان والتلفزيون السينما والصحافة المكتوبة كانت باستمرار موضع اهتمام الشركات الراغبة في الترويج لمنتوجاتها او للسلع والخدمات التي تتعامل بها في الاسواق. لكن السياق الراهن للعولمة وللتقدم الكبير النوعي الذي حققته التكنولجيا في مختلف فروعها وخاصة في مجال الاتصالات والاعلام، جعل المساحات الاعلانية التقليدية اصغر من ان تستطيع الاستجابة لنزعة توسعية متعاظمة في مجال الاعلان تستهدف الوصول الى شرائح ومناطق كانت، حتى الان، بعيدة عن اي عمل اعلاني ودعائي تجاري، اذ وبدلاً من الاهتمام بمادة استهلاكية حلت صورة قادرة على ان تعطي للمادة الاستهلاكية المعنية بعداً اسطورياً لا يمت بكثير من الصلات الى الواقع. وبذلك لم تكتف الشركات متعددة الجنسيات بخلق حالة من التشوش والاضطراب في العقليات وفي عالم العمل، وانما ايضاً ساهمت في تبدل اقتصاد عدد من البلدان، كما تقول المؤلفة. لكن بنفس الوقت هناك ظاهرة يشهدها الغرب المتقدم وهي اغلاق العديد من المصانع لابوابها او الهجرة الى مناطق اخرى تؤمن لها شروط عمل اكثر سهولة ومردودية بنفس الوقت، من توفير اليد العاملة الرخيصة والتسهيلات الكبيرة على مستوى الضرائب. وبالموازاة مع هذا وذاك قامت علاقات جديدة على صعيد آليات عمل المصانع والشركات نفسها في مجال التوظيف والاستخدام اذ وبدلاً من العقود غير المحددة زمنياً او الطويلة الامد يتنامى ايقاع اللجوء الى العقود المؤقتة او عقود العمل الجزئية. كذلك تقلصت الى حد كبير الحقوق الاجتماعية، للعاملين، او اختفت في احيان كثيرة، هذا مع العلم ان هذه المسألة اي الحقوق الاجتماعية تشكل احد مواضيع النقاش الدائرة في الغرب اليوم بخصوص التوجهات المستقبلية. في مواجهة هذه الميول الجامحة، نحو زيادة المكاسب وتقليص البعد الاجتماعي للعمل، تلاحظ المؤلفة بروز ظاهرة جديدة تتمثل في تزايد عدد اولئك الذين يرفعون صوتهم للمطالبة بضرورة التعبئة الحذرة، وشجب التجاوزات التي تقوم بها الشركات الكبرى، وتحلل ناومي كلين، ضمن هذا السياق، الآليات التي تجتمع على اساسها هذه الاصوات الاحتجاجية، على شبكات الانترنت في محاولة لاستعادة بعض المواقع التي تم حرمانهم منها باسم مستلزمات الاقتصاد الجديد، انهم يطالبون بايجاد فرص جديدة للعمل وتأمين شروط افضل في محيط عملهم تؤمن لهم قدراً اكبر من الاحترام واقتسام اكثر عدلاً للارباح الهائلة التي تحققها الشركات متعددة الجنسيات. ويرفضون في نفس الوقت التوجه لشراء منتوجات قام اخرون على بعد آلاف الكيلومترات ببذل عرقهم واحياناً اكثر من اجل الوصول اليها. وبهذا المعنى يشكل هذا الكتاب نوعاً من السباحة ضد تيار العولمة، بالمعنى الشائع والقول بوجود نزعة نضالية جديدة، تعكس التعددية الاجتماعية والاثنية لعدد كبير من البلدان، وحيث ان المعركة التي تقودها تتم تحت شعار التأكيد بانه لايزال هناك متسع من الوقت لقول لا امام استبداد الماركات. بالمقابل لابد من ملاحظة سيادة نوع من اللغة الخطابية، لمفهوم التسويق في القرية الكونية، التي اصبح سكان بعض المناطق الاستوائية يستخدمون فيها الحاسوب الصغير المحمول بينما تتعاطى جدات في صقلية تجارة الادوات الالكترونية. باختصار تقول المؤلفة بوجود «ثقافة نمطية عالمية، يتبناها مراهقون عالميون حسب القاموس السائد لدى شركات كبرى متعددة الجنسيات مثل كوكا كولا وليفيس وماكدونالد وموتورولا وغيرها. وعلى اساس هذه الرؤية العالمية، وما بعد الوطنية، رسمت كل شركة من هذه الشركات الكبرى استراتيجياتها التسويقية. وترى المؤلفة ضمن هذا السياق بان الحملة الدعائية الطويلة التي قامت بها شركة «اي. بي. ام» تحت شعار ايجاد الحلول من اجل عالم صغير، وحيث عبرت تلك الحملة بأكبر قدر من البلاغة عن الوعد بتحقيق المساواة في كرة ارضية مرتبطة ببعضها البعض عبر شبكة واسعة من اللوجو». لكن موجة الحماس الذي اثارته تعريفات محددة للعولمة خبا بسرعة كبيرة وتكشف عن بعض الشروخ وراء الواجهة اللماعة. اذ وخلال السنوات الخمس الاخيرة لمحنا، نحن الغربيين، نوعاً اخر من القرية الكونية التي تتسع فيها الهوة الاقتصادية بينما تتقلص الخيارات الثقافية، كما عبرت المؤلفة التي اضافت بان ملامح القرية الكونية السائدة لا تتطابق مع وعود زيادة فرص الاستخدام والتكنولوجيا لفائدة الجميع، وانما هي على العكس تقدم على اساس، استغلال البلدان الاكثر فقراً في العالم من اجل جني ارباح تفوق الخيال. انها القرية التي يحقق فيها بيل جيتس ثروة تصل الى 66 مليار دولار امريكي بينما ثلث العاملين في مؤسساته هم من العمال المؤقتين..، وتضيف المؤلفة: انها القرية التي نربط فيما بيننا بداخلها عبر شبكة من الماركات التي تقوم تحتها الأحياء القصديرية التي شاهدتها في جاكارتا». واذا كانت شركة «اي. بي. ام» قد حققت في الواقع عالمية انتشارها، فإنها اقامت ثروتها في الواقع على اساس استخدام يد عاملة اجنبية رخيصة الكلفة. لكن دون ان تتم اية عملية اندماج حقيقي لهذه اليد العاملة الاجنبية في النسيج الفعلي للتكنولوجيا المتقدمة. هذا ما يدل عليه لقاء المؤلفة في احد ضواحي مدينة مانيللا بفتاة شابة عمرها حوالي 17 عاماً تقوم بتجميع مكونات السيدي روم، وتعبيرها لها عن اعجابها بفتاة في سنها تقوم بمثل هذا العمل الدقيق ذي الطبيعة التكنولوجية الراقية، ففاجأتها تلك الفتاة بالقول: اننا نقوم بتصنيع الحواسب، لكننا لا نعرف كيف نقوم بتشغيلها. ان مثل هذا الوضع القائم والذي يتميز بوجود هوة عميقة تفصل بين البلدان الصناعية المتقدمة وبلدان العالم الثالث انما يمثل الى حد كبير نوعاً من الاستمرارية التاريخية التي شهدتها بدايات التوسع الاستعماري. اذ ان العالم الثالث قام باستمرار بدور من يؤمن الرفاهية للعالم الاول، المتقدم. مع ذلك شهدت السنوات الاخيرة ايضاً تطوراً جديداً، مارس فيه صحفي والتحقيقات دور الرواد. وذلك عبر تحرياتهم التي قاموا فيها بمحاولة الوصول الى المنابع الاساسية المجهولة لعدد من السلع التي تحمل اسم ماركات شهيرة هكذا ثم تتبع مصدر احذية رياضية من ماركة نايك، وصولاً الى فيتنام.. وكذلك الامر ببعض مكونات دمية باربي الشهيرة التي يتم تصنيعها في سوماطرة، وقهوة ستاربوك الشهيرة من شمس جواتيمالا، وبترول شركة شل الذي يعود الى القرى النيجيرية الفقيرة التي تعرف درجة كبيرة من التلوث. ولعل عنوان هذا الكتاب دون لوجو، نو لوجو، له دلالته العميقة بالمعنى الذي استخدمته فيه المؤلفة على مضمون عملها. لكنه في الوقت نفسه قد يحتوي على قدر من الغموض والتشويش اذ انه قد يعني نهاية عصر اللوجو او الاعلان عن حقبة جديدة، حقبة ما بعد اللوجو، انما المعنى المستخدم فيه فانه يدل قبل اي شيء عن جهود المؤلفة من اجل ابراز موقف مناهض للنزعات التجارية، القائمةعلى مفهوم الربح فقط. ويبدو الهيكل الاساسي لهذا الكتاب وكأنه يقوم على اساس فرضية بسيطة صاغتها المؤلفة بالجملة التالية: «عندما يكتشف عدد اكبر من البشر اسرار الماركات التي تشكل النسيج العالمي مشبكة اللوجو، فإن حنقهم لابد وان يغذي الحركة السياسية الكبرى القادمة، وذلك عبر معارضة واسعة ومصممة للشركات العالمية، خاصة تلك التي تتمتع بماركات معروفة، ان مثل هذا الرأي لا يقوم في الواقع على اساس نبوءات مستقبلية وانما بالاحرى بالاعتماد على قراءة بعض المؤشرات والملاحظات في الواقع الراهن، وكذلك عبر تحليل منظومة الاعلام وحركة الاحتجاج التي تتبلور شيئاً فشيئاً ويشارك فيها بشر ينتمون الى بلدان وقوميات وثقافات تنوعة وكانت نقطة الانطلاق لقاء المؤلفة بعدد من الطلبة الجامعيين عندما تكون بجولة بقصد اجراء تحقيق حول حياتهم الدراسية والمشاكل التي يعانون منها، وحيث واجهها بعضهم باعلان ضيقه الشديد من تسلل دعايات الشركات الخاصة الى المدارس العامة ووصولاً الى المقاصف الجامعية والقاعات المشتركة وحتى الى المراحيض حيث ان جامعتهم كانت قد وقعت عقوداً تسمح فيها لشركات محددة لبيع مختلف انواع المشروبات الغازية والحواسيب. هكذا اصبحت الدراسات الجامعية تتشابه الى حد بعيد، وبايقاع متعاظم، مع عملية البحث في مجال التسوق. مصدر القلق من تنامي الحضور الاعلاني، في المؤسسات التعليمية يكمن في كون ان هذه المؤسسات غدت تعطي الاولوية للمناهج التي تؤهل اكثر لبلوغ الشراكة مع القطاع الخاص، وذلك على حساب المناهج التربوية الاساسية نفسها. كما تشير المؤلفة الى مصادر قلق الطلبة بسبب نقص التوجه الاخلاقي في سلوكيات بعض المؤسسات حيال بلدان اجنبية هي بأمس الحاجة للمساعدة من اجل ولوج سبيل التنمية الحقيقية مثل بيرمانيا واندونيسيا، ونيجيريا. ومن الملفت للانتباه ان اهتمام هؤلاء الطلبة كان منصباً منذ سنوات قليلة خلت على مسائل التمييز العنصري والهوية والمساواة بين المرأة والرجل. اما اليوم فهناك نوع من الانزلاق نحو الاهتمام بقضايا ذات طبيعة اخرى في مقدمتها البحث في مسائل السلطة التجارية وحقوق العاملين والاقتصاد العالمي، لكن لابد من الاشارة في هذا السياق بان هؤلاء الطلبة لا يشكلون الاغلبية. في محيطهم الديموغرافي، اي بين جماهير الطلبة، لكنهم اقلية تأخذ حجماً اكثر فأكثر حضوراً ويمكن ان يكون تأثيرهم كبيراً في افق قادم. وهذا يذكر بشكل ما بما كانت فرنسا قد شهدته في شهر مايو من عام 1968 اثناء ما عرف آنذاك بثورة الطلبة. ومن تعبيرات الاحتجاج التي تظهر على السطح هناك الحركات التي تتبنى مطالب ذات طبيعة لها علاقة بالبيئة، ايكولوجية، بل واحياناً ذات مطالب سياسية مثل حركة الاحتجاج على عملية شنق الكاتب النيجيري كين سارو ـ ويوا، والتي وصفتها المؤلفة بانها فضيحة حيث ان جريمته الاساسية كانت نشاطاته المناهضة لشركة شل لكن بكل الحالات تجد المؤلفة ان هناك قاسماً مشتركاً بين جميع الحركات الاحتجاجية وهو ان الهدف في جميع الحالات كان شركة تمتلك لوجو خاصاً بها مثل نايك وشل ومكدونالد وميكروسوفت وديزني وغيرها. بقي القول بأن هذا الكتاب يتألف من اربعة اقسام رئيسة يحمل الاول عنوان «خيار المجال صفر» وتشرح فيه المؤلفة آليات استسلام الثقافة والتربية للتسويق. ويهتم الثاني بالخيار صفر حيث تبين المؤلفة كيف ان الوعود بخيارات ثقافية متعددة قد اندحرت كلا امام قوى اخرى ليس اقلها الرقابة التجارية. ويعني القسم الثالث خيار الاستخدام صفر بتحليل الاتجاهات التي تميل الى تقليص العلاقة بين العاملين وعملهم في اطار سوق العمل وذلك عبر تبني آليات ترجح اللجوء الى زمن العمل الجزئي والعمل المؤقت. اما القسم الرابع والاخير خيار اللوجو صفر. فانه يبحث في الحالة الجنينية لحركة نشيطة تضع البذور الاولى لحل بديل حقيقي لسطوة الشركات الكبرى. ولعل افضل واجمل ما تعبر عنه الافكار التي تطورها المؤلفة في هذا الكتاب الجملة التي اختارتها كتصدير له وهي للكاتب الاندونيسي «بي. بي. مانجو نويجايا» وتقول: «ربما انك لا ترى شيئاً على السطح، لكن في السر هناك نار مشتعلة».