بيان الكتب: فرانسيسكو سيونيل جوزيه هو روائي فلبيني يتمتع بشهرة عالمية كبيرة ـ غير معروف عملياً في العالم العربي إلا بشكل محدود جداً ـ وهو أحد الذين تتردد أسماؤهم لنيل جائزة نوبل للآداب. يبلغ من العمر الآن حوالي ثمانين عاماً وقد ترجمت أعماله الى العديد من اللغات العالمية. هذا العمل الروائي الجديد «بو ـ ون» يقترب الى حد كبير من البحث التوثيقي. اذ ان المؤلف يعود الى أواخر القرن التاسع عشر حيث تدور الأحداث وحيث شهدت الفلبين آنذاك انتفاضة وطنية كبرى ضد الاستعمار الاسباني. إن المؤلف يحدد ومنذ الصفحات الأولى الإطار الزمني والمكاني لعمله حيث نقرأ: «نحن أمة منقسمة على نفسها. قادتنا طموحون ويركزون تفكيرهم على أنفسهم. أما جيوشنا فهي تقاتل من موقع المتراجع. لكن الخسارة ليست نهائية وكاملة». نحن في الفلبين عام 1880. والبلاد ترزح تحت نير الاستعمار الاسباني منذ عدة قرون. وكان الرحّالة ماجلان قد «اكتشف هذه البلاد عام 1521» أي بعد حوالي ثلاثة قرون من اكتشاف كريستوف كولومبس لأمريكا «العالم الجديد». واحتلها الاسبان منذ ذلك الحين عملياً وأخذت تسمية «الفلبين» نسبة إلى «فيليب» الذي أصبح فيما بعد «فيليب الثاني»، أحد أشهر ملوك اسبانيا في القرن السادس عشر. وكان ارخبيل الفلبين \كما يقدمه الكاتب، منطقة ذات خصوصية استثنائية في علاقتها التاريخية باسبانيا ذلك انه كان تابعاً، على المستوى الإداري، لنائب الملك (الاسباني) في المكسيك.. وبالوقت نفسه عرفت الفلبين حركة موازية للاستعمار هي محاولة نشر المعتقدات المسيحية في البلاد. وإذا كانت الفلبين مستعمرة اسبانية لمدة قرون عديدة فإنها مع ذلك لم تستكن وشهد تاريخها العديد من الانتفاضات والتمردات ضد السلطة الاستعمارية التي كانت قد جعلت من هذه البلاد «محطة تجارية» لتوزيع وبيع المنتوجات باتجاه المكسيك. وأدّت هذه الانتفاضات والتمردات المتكررة ضد السلطة الاستعمارية إلى تبلور حركة تحرر وطني على أساس قومي «فلبيني» في أواخر القرن التاسع عشر بقيادة الزعيم الوطني «اجينالدو» وتمشياً مع الأفكار التي طرحها منظّرون من أمثال «مابيني» و«جوزيه ريزال» الذي تم اعتباره فيما بعد بمثابة «البطل الوطني» الفلبيني حيث انه حاول عبر كتاباته ونشاطه السياسي تحقيق بعض الاصلاحات الجوهرية. هذه الشخصيات التاريخية تجد صداها في شخصيات العمل الروائي «بو ـ ون» للكاتب فرانسيسكو سيونيل جوزيه. وكان الزعيم السياسي الفلبيني «اجينالدو» قد حاول التقارب مع الولايات المتحدة الأمريكية التي كانت آنذاك في حالة حرب ضد اسبانيا فيما عُرف بـ «الحرب الأمريكية ـ الاسبانية» من أجل مد مناطق النفوذ والسيطرة على المنطقة. لكن الأمريكيين وبعد أن قاموا بإغراق الأسطول الاسباني في مرفأ «مانيلا» قاموا بضم الفلبين بدلاً من ان يساعدوها على نيل استقلالها. في مواجهة هذا الوضع الجديد تحوّلت القوات الوطنية الفلبينية بقيادة الزعيم الوطني «اجينالدو» الى النضال ضد الوجود الأمريكي وأعلنوا عام 1899 قيام الجمهورية.. لكن البلاد لم تنل استقلالها الفعلي إلا في عام 1946. إن مؤلف هذا العمل يرسم أجواء النضال الوطني المسلح في الفلبين خلال نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. وهو لا يقتصر على التعرض للنضال الوطني ضد الاحتلال الاسباني لبلاده والذي استمر قروناً طويلة وانما يقدم أيضاً عملية توصيف للعلاقات الاجتماعية التي كانت سائدة آنذاك وخاصة دور القساوسة الذين أرادوا نشر المعتقدات المسيحية، لكنهم قاموا في الواقع بطرد الفلاحين من أراضيهم التي استولوا عليها وذلك خوفاً من أن يتطلعوا لاكتساب الجنسية الاسبانية بينما انهم كانوا قد «وُلدوا من أجل خدمتهم». أما الأمريكيون فقد انتهجوا سبيلاً آخر كي يبرروا وجودهم الاستعماري في الفلبين. إذ زعموا بأنهم يريدون «تحرير» الشعب الفلبيني من أجل «تمدينه». إنها الحجة التاريخية التي انتهجتها الذهنية الاستعمارية في كل مكان تقريباً. ويرى المؤلف ان المشروع الاستعماري صادف في بداياته سهولة كبيرة لأنه وجد في مواجهته وعياً وطنياً «ضعيفاً» بسبب الطبيعة الاثنية المتعددة للفلبين التي تضم ثلاثين اثنية موزعة بين السبعة آلاف جزيرة صغيرة التي تتشكل البلاد منها. ضمن هذه الشروط قاد الزعيم الوطني «اجينالدو» حركة المقاومة حيث بدت مطالبه في البداية وكأنها تنتمي إلى الأحلام «الرومانسية» أكثر من انتمائها للواقع. إن المؤلف يعيد «بعث» هذه الشخصية التاريخية في الشخصية الرئيسية بالرواية ويعيد رسم مسار الأحداث وكأننا نعيشها اليوم. لكنه ـ أي المؤلف ـ يبدع شخصية روائية ذات قيمة رمزية لها دلالاتها الواضحة على أبناء الشعب الفيتنامي الذين ناضلوا ضد الاستعمارين الاسباني، ثم الأمريكي. وهي شخصية مرافق «البطل» والمتمثلة في فلاح بسيط. إنها شخصية ثانوية، ولكنها مهمة وجوهرية، تمارس الكفاح الحقيقي وليس «محاربة طواحين الهواء» على الطريقة «الدونكيشوتية». هذا الفلاح البسيط «استاك» كان قد تعلّم مبادئ القراءة والكتابة على يد قس اسباني ـ جيد وكريم خلافاً للقاعدة الاستعمارية ـ وكان يريد هو أيضاً، أي «استاك» أن يصبح قساً لكنه كان يدرك انه لن يستطيع أبداً ذلك «بسبب أصوله ولون بشرته». ثم حلت كارثة عائلية ارغمته على النزوح من قريته الصغيرة التي تعود أصوله فيها الى عدة أجيال واصطحب معه قسراً أفراد أسرته هرباً من الأخطار التي كانت تحدق بهم. لقد ذهب نحو الجنوب لتبدأ بالوقت نفسه مسيرته باتجاه النضال ضد الاستعمار. في الواقع يكتسب هذا العمل بعداً ملحمياً مزدوجاً، فمن جهة يمثل بحث شعب كامل عن هويته واستقلاله الوطني، ومن جهة اخرى ملحمة اسرة تواجه مغامرة الحياة في ظروف شديدة الصعوبة. إن المؤلف يؤكد أهمية «اعطاء الناس البسطاء» ما يستحقون من تكريم إذ انهم «بناة أممهم كما أثبتت دروس التاريخ» على حد تعبيره. إن هذا العمل هو قبل كل شيء «نشيد حب» من المؤلف حيال بلاده وتمجيد لصفحة حاسمة من تاريخها.. ولكنه أيضاً تمجيد للانسان وقيمه الكونية. تبقى هناك إشارة اعجاب وتقدير للأسلوب السلس الذي يتسم به النص الفرنسي بجهود مترجمته الشاعرة التونسية أمينة سعيد.