بيان الكتب: من الصعب على المرء أن يتصور كل هذه التضحية التي قدمتها واحدة من أهم الروائيات في الغرب هي «موريل سبارك» من أجل الكتابة والكتابة وحدها وسط مظاهر الترف التي تحيط بها نفسها وعلى الرغم من ذلك فهي أهم روائية بريطانية على قيد الحياة. «ديبورا روس» من صحيفة الاندبندنت أجرت هذا اللقاء مع الروائية المقيمة في ايطاليا. روس: موريل سبارك اعظم روائية بريطانية لا تزال تعيش بيننا الى الآن؟ ما رأيك؟ سبارك: هذا يجعلني اتساءل وما الذي قرأوه؟ في منزلها الذي يقع على بعد ساعة من فلورنسا تقيم سبارك 80 عاما مع مساعدتها الرسامة والنحاتة «بنلوب جارداين» ولدى وصولها كانت تسير بصعوبة وهي تتكئ على العصا فيما يبدو انه معاناة من آلام المفاصل والعمليات الجراحية التي خضعت لها مؤخرا. سبارك: هناك ممرضة تزورني مرتين في اليوم. انها الجلوكوما.. انها سيئة للغاية على الرغم من استخدامك القطرة. روس: على الرغم من ذلك فهي لا تزال مليئة بالحيوية وكأن أي تغيير لم يطرأ على لون شعرها الضارب الى الحمرة فيما تستمر في مزاحها «اعرف ان الناس لن يصدقونني اذا قلت لهم ان هذا هو لونه الطبيعي، انا لا استخدم صبغات الشعر رغم انني في الثالثة والثمانين ما رأيك يا بنلوب؟ تبدو سبارك غير متبرمة بالسخرية او الاسئلة والملاحظات وفي تلك الاثناء التي يعلو فيها صوتها بالقهقهة تظهر فيها اسنانها الصغيرة، جميلة تشبه حبات اللؤلؤ وبنفس الطريقة لا تدري اذا كانت بنلوب تعرف انها اسنان حقيقية أم لا، لكن ربما كانت تضعها في فمها حتى قبل ان تستيقظ الاخيرة من النوم. تتمنى سبارك لو أنني قابلتها في منزلها عوضا عن الفندق الذي تقيم فيه الآن، الواقع في ضاحية «اريزو» ولكن اناساً اخرين يقيمون هناك الآن تتنهد «لكن». روس: هل يعني ذلك ان مدة اقامتهم قد طالت؟ سبارك: نعم كثيرا. كما ان محاميا يتولى امر الدعوى التي رفعتها ضد شركة التأمين للمطالبة بالتعويض عن الاضرار التي اصابت المنزل الذي ضربته الصاعقة ثم تعرض للسطو، لقد تمكن اللصوص من الفرار بالمجوهرات والصور الزيتية والتماثيل البرونزية والثلاجة. روس: يبدو ان للسيدة موريل تاريخا طويلا من سوء الحظ فهنا في فلورنسا كان اللصوص قد سرقوا حقيبة يدها. سبارك: كانت بداخلها قصيدة لم تكتمل وعندما توجهت الى مركز الشرطة سألوني هناك عن محتوياتها فقلت لهم ان بداخلها قصيدة وعندها طلب مني الشرطي ان اصف القصيدة فقلت له انها تتحدث عن قبعة.. ولم اشعر على الاطلاق بأنه قد اخذ ما اقوله على محمل الجد، مطلقا.. روس: تعجبك حقيبة يدها المعمولة من رقع الجلد المربعة بتشكيلة من الألوان الفاقعة الوردي والاخضر والبنفسجي والتركواز والاحمر أليست لذيذة؟ سبارك: اشتريتها من بوتيك يستورد بضاعته من فلورنسا.. اوه كم اتمنى لو استطعت ان اعطيك اياها لكن لا يتوفر بحوزتي ما اضع فيه اشيائي.. خاتمي الذهبي المرشش بالماس يثير الاعجاب. سبارك: «انها لحظة جنون دفعتني الى شراء من كارتييه». و لكن سبارك لا تعتبر نفسها مبذرة على الاطلاق. سبارك: انا لا انفق الا في حدود دخلي الشخصي». وباعترافها فانها لسيت كأمها «سارا» معلمة البيانو والاسكتلندية المبذرة المدمنة على شراء القبعات، قبعة تناسب الحفلة التي يعتزم احدهم اقامتها في الحديقة.. وطبعا هناك في اسكتلندا، انتم تعرفون. روس: لا يوجد هناك الكثير من حفلات الحدائق؟ سبارك: لا، ليس كذلك ما أريد قوله هو ان الكل هناك يرتدي قبعات التويد الصوفية الخشنة. قمة التبذير لدى سبارك تجسدها سيارتها «الالفاروميو» التي ربما تكون قد اشترتها بمبلغ كبير من عائد احدى الجوائز الادبية التي تعودت ان تحصل عليها. ولكن وبصراحة فان احدا لا يتوقع ان تكون موريل سبارك بهذه البساطة. ما الذي توقعته أصلا؟ شخصية غير ودودة تتقاطع في حدة ذهنها وذكائها المتقد مع الاخرين مع تقاطع الآلة الحادة مع قالب الجبن. لم اتوقع شيئا كهذا الدفء والرغبة في مصادقة الاخرين أو حتى عقدة البنت الصغيرة «اريد ان يقابلني الاخرين، اليس كذلك يا بنلوب يجب ان تأتي لتسكني معنا هنا خارج اجواء العمل «هاك خذي خاتمي الكارتييه وخذي السيارة». ربما اكون قد قرأت كل اعمالها بدءا باصدارات المبكرة (مومينتو موري، صرخة بعيدة من كنزنجتون، «البنات ذوات المواهب المتواضعة» ربيع الآنسة جين برودي» الى اخره.. المجموعة الكاملة من القصص القصيرة ورواية «المساعدة والاغراء»، الكوميديا السوداء التي تجسد نموذج «لورد لوكان» السيئ متحجر القلب والتي لا تعثر فيها على شخصية دافئة ومحبة. «هل انت عاطفية اذن؟ هل تبكين مثلا؟ سبارك: في الحياة؟ روس: في الحياة. سبارك: لم ابك كثيرا في حياتي لم تكن لتوجد فيها الكثير من اللحظات العاطفية، انا مقتصدة كثيرا في البكاء، لقد قرأت الكثير من القصص وانا صغيرة، الكثير من القصص المثيرة للعاطفة الى الحد الذي جعلني اكف عن البكاء. وخذي مثلا الافلام التي كنا نواظب على مشاهدتها فبينما كانوا كلهم يبكون لم اكن انا لاشعر بالحاجة الى ذلك. ربما قلت للقارئ لا يمكنك ان تتصور ان في هذه الحرارة التي تستقبل بها سبارك الاخرين ما يعيبها او انها تخدعك لكي تقف الى جانبها فهي في النهاية وبهذه السمعة لا تحتاج الى من يقف الى جانبها. سبارك لا تريد كما ترى ان يحول شيء بينها وبين الكتابة. وهو ما لم يحدث مطلقا فعندما ذاعت شهرتها بعد نشرها اول اعمالها الروائية «المواساة» غادرت بريطانيا لتقيم في نيويورك وعندما اتسعت مساحة شهرتها بعد تحويل روايتها الشهيرة «جين برودي» الى فيلم سينمائي غادرت الولايات المتحدة الى ايطاليا. ولكن الا تشعرين بالحنين الى بريطانيا؟! سبارك: انني افتقد اللغة الانجليزية في الواقع. كنت احب الجلوس في الطابق العلوي من الحافلة لكي يتسنى لي الاستماع الى الناس، واقول لك عندما يتعلق الامر باختلاس السمع فان اكثر ما افتقده هو تلك الايام التي كانت تحدث فيها مشكلات في الخطوط التليفونية، أوه! الم تكن جميلة تلك الايام؟ روس: هل احببت، سيدة موريل؟ سبارك: لا ، لم أفعل. كنت مشغولة جدا بعملي، كنت اقرب الى الشاعر منه الى كاتبة القصة، ولم اتصور انني سأحب رجلا يحول بشكل دائم بيني وبين كتابتي. لم اتصور على الاطلاق. روس: وهل كنت ستحبين رجلا لديه استعداد لأن يضع نفسه في المرتبة الثانية بعد كتابتك؟ سبارك: لست متأكدة من هذا، انه مجرد افتراض. وكان عليه ان يصبح جذابا للغاية. روس: في شبابك، هل كانت هناك علاقات حب؟ سبارك: لا، لم يكن لدي الوقت الكافي للقيام بذلك. وكان علي ان اعمل بالنيابة عن والدي اللذين كان الكبر قد ادركهما في ذلك الوقت. لقد كانا طيبين جدا كما انهما ساعداني على تربية ابني. وابي هو الذي احضر لي ورقة الطلاق بالقوة. لم يكن ليتوفر لدي الوقت لكي امارس حياتي بشكل اخر. كنت اكتب وكان الناس يتخاطفون اعمالي. روس: تقولين الطلاق، وابنك؟ في التاسعة عشرة تزوجت سبارك من «سيدني اوزوالد سبارك» وهو معلم كان يكبرها بثلاث عشرة سنة ثم هاجرا الى روديسيا. والى الآن فانها لا تعرف لماذا تزوجته في الاساس. لكن سبارك عادت الى بريطانيا بعد طلاقها وتركت ابنها «روبن» في مدرسة داخلية في روديسيا. ثم التحق روبن بوالديها اللذين كانا يعيشان في ادنبرة والتحقت هي بعملها الكتابي في لندن. وكما يقول «جراهام جرين» فان بداخل كل كاتب شظية من زجاج. روس: اتساءل عن عملية الكتابة لديك، الثقة في القدرة على تحويل الاشياء المتخيلة الى اشياء مليئة بالحركة هل هي التي تعطي الشعور بالقدرة على الكتاب أو العكس؟ سبارك: العكس، اعتقد. روس: لكن لديك القدرة دائما. سبارك: اوه، اجل، انها فطرية غير مكتسبة وكم كنت اجد صعوبة في الحصول على لحظة الهدوء التي تساعدني على الكتابة لكني لم اجد صعوبة في الكتابة ولا تزال الكتابة هي اسهل ما يمكنني القيام به. روس: هل يعجبك كتاب معين او حتى تحسدينهم على اعمالهم؟ سبارك: اتذكر انني قرأت رواية «المحبوب» لـ «ايفيلين واف» وتمنيت لو انني انا التي كتبتها. والآن.. من احسده على كتابته؟ اي كاتب معاصر؟ ان لنا ان نذهب الآن، اليس كذلك يا بنلوب؟ اجل ان لها ان تعود الى حيث ينتظرها ضيوفها ومحاميها بفارغ الصبر «تذكري قالت وهي تستدير «انك يجب ان تأتي الى هنا لتقيمي معنا بعيدا عن أجواء العمل». مريم جمعة فرج