بيان الكتب: عندما بدأت «موريل سبارك» بكتابة الرواية كانت الرواية في ذلك الوقت اي عام 1957 تحتل مكانة مرموقة كجنس ادبي شديد الوعي بعناصره وبما يحتاج اليه القاريء للامساك، بأطراف هذا الوعي وتؤكد سبارك حقيقة انها على الصعيد الشخصي لم يتأت لها تكوين وعي خاص بما تكتب إلا في سنة 1954 حيث تمكنت من التعرف على شيء كماهية الوجود الانساني ككل او كما يحتاج اليه اي روائي. وهو الوعي الذي استطاعت ان تحكم بواسطته على ما تعرفه بأنه الحالة التي تكون عليها لعبة الخير والشر التي تجسدها المجتمعات الانسانية الصغيرة كل على حدة. والمجتمعات الانسانية الصغيرة لاتزيد لدى سبارك عما يقرؤه المرء في اعمال منها رواية «ربيع الآنسة جين برودي» التي تقع احداثها في مدرسة للبنات في ادنبره ورواية «ممينتو موري» التي تقع احداثها هي الاخرى في جناح ترقد فيه نساء مسنات في احد مستشفيات لندن. لكن هذا النوع من المكان والزمان في روايات ضمن حدود ضيقة لم يمنعها ـ كروائية ـ من تجربة شيء كالتنوع في موضوعاتها الى حد التجديد. فبكتابتها اعمالا اخرى اهمها روايتها الاخيرة «المساعدة والاغراء» تحرر موريل سبارك قصص الجريمة البسيطة من اطارها التقليدي المتعلق بتدوين السجل التاريخي للمجرمين وتحوله الى سلسلة من كوميديا الاخلاق والخطيئة، تقول مجلة «سان فرانسيسكو اتزمينر كرونكل» عنها انها روائية من طراز فريد، هزلية شديدة البراعة موهوبة الى حد مثير للدهشة. وروايات سبارك الكلاسيكية كلها في الحقيقة هي من النوع الذي يندرج تحت مسمى التعليق الظريف الساخر ان جاز التعبير هذا التعليق الذي يستهدف المشهد الحياتي المعاصر من كل زواياه وهو تعليق مموه بألوان عقيدتها الكاثوليكية «تحولت سبارك الى الكاثوليكية في سنة 1954». على الصعيد المحلي ينظر الى سبارك في الاوساط الثقافية والنقدية البريطانية على انها واحدة من اهم كتاب بريطانيا الاحياء بما في ذلك اعمالها التي تصل الى 21 عملاً روائيا وقصصيا والتي انجزتها على مدى اربعة عقود واخرها رواية «المساعدة والاغراء» الصادرة في شهر فبراير الماضي عن دار دبلداي النيويوركية التي يعتبرها الكثيرون افضل اعمالها على الاطلاق وهي رواية ذات طابع هزلي وتداعيات اخلاقية جادة ورمزية لا حدود لها تفضح الى ابعد الحدود ممارسات الطبقات العليا في المجتمع البريطاني، وهناك من يرجح هذه الرواية بالنظرالى ما تشتمل عليه من عناصر الابداع المعروفة لدى مؤلفتها بما فيها براعة القص والابحار والقدرة على تصوير شخصياتها بواقعية شديدة استمرت معها منذ البداية لاسيما في اثناء بحثها عن مخارج لمشكلاتها الاخلاقية في الاساس والقدرة على رؤية الجانب المنطوي على الفكاهة في اثناء عملية التأرجح بين الخير والشر ويبقى الشيء الاكثر اهمية وهو امعان الخيال. بقليل من التمعن في الجانب التاريخي والكثير من الخيال تنسج سبارك وبعناية شديدة خيوط روايتها التي تستند الى وقائع حقيقية حدثت على خارطة المشهد السياسي الاجتماعي البريطاني. ففي سنة 1974 توجه تهمة القتل العمد الى ايريل «لوكان» الذي يهرب على اثر قتله مربية اطفاله اعتقاداً منه بأنها زوجته التي تصاب هي الاخرى في الحادث اصابة بالغة، في سنة 1999 يعلن رسميا عن موته، وكما تروي لنا سبارك فإن رجلين اخرين يدعي كل منهما انه هو «لوكان» يظهران على مسرح الاحداث فيسعى كل منها الى الحصول على الكثير من الامتيازات بوصفه تلك الشخصية وتظهر موهبتهما في الابتزاز. ان ما ترمز اليه حياة لورد لوكان هو في الاساس حياة الطبقة الارستقراطية العليا سريعة التبدل والتغير التي يصعب الحصول عليها، في حين يشبه هذا الشكل الروائي الذي تلجأ اليه العاب اختبار الذكاء والفطنة وان لم يخل في محتواه من رسالة ربما جوهرها اخلاقي «القاتل المتمرس يلتقي المرأة التي تحترف الخداع فمن هو الذي سيفوز في النهاية؟». وكل ما يجب ان يعرفه القاريء في النهاية هو ان الرواية في جزء منها تبدو كما لو انها تجبره على التفكير في طبيعة الشر وفي الجزء الآخر كما لو انها توجه اصابع الاتهام الى الطبقة الارستقراطية الى تركيبتها الاخلاقية. قبل عام من الان نشرت للمرة الثانية واحدة من اهم اعمال سبارك الروائية التي تم تحويلها الى مسلسل تلفزيوني شاهده الكثيرون في انحاء بريطانيا «ربيع الآنسة جين برودي» وتقع احداث الرواية في ادنبره خلال الفترة التي شهدت فيها بريطانيا «الثلاثينيات» احداثاً سياسية عاصفة غير ان اهمية رواية ربيع الانسة جين برودي يلخصها محتواها الرئيسي ذو الطابع الانساني الخارج عن الحدود التقليدية والذي يحول موضوعها الى مسألة تظل مثيرة لسنوات طويلة، وربما كان تفضيل سبارك للمفارقة التاريخية هو الشيء الذي يمنح هذا النوع من الاعمال الروائية فرصة الظهور بالمستوى شديد الواقعية الذي يجسد الحياة في مجتمعات ما بعد الحداثة وكأنها جزء منها. تلقي الرواية الضوء على نمط الحياة في مدرسة في العاصمة الاسكتلندية ادنبره في سنة 1936 لكن تلك الصورة التقليدية ليست هي وحدها التي يشاهدها القاريء حين يلمح في البداية مثلا مشهد مديرة المدرسة التي تحيط بها تلميذاتها المتمردات الصغيرات اللاتي يسعين الى الخضوع لسلطتها فبعد فراغه من قراءة عدد من الصفحات تعود به سبارك الى الوراء الى سنة 1930 حيث تقف مديرة المدرسة الانسة برودي مع تلميذاتها الاصغر سنا والاكثر طاعة لاوامرها وحتى يتعود القاريء على هذا الانتقال المفاجيء فإن عليه ان يدرك منذ البداية ان هذه هي التقنية المفضلة للمؤلفة التي ستظل تقوده الى الوراء والى الامام الى سنة 1939 عندما تتحول تلميذات الانسة برودي الى امهات شابات تاركات وراءهن ايام المدرسة وهنا تظهر ايضا موهبة سبارك في القدرة على احكام بناء عملها الروائي بحيث لا يبدو إلا في صورة طبيعية للانسان في مراحل حياته المختلفة وفي مراحل وعيه الاخلاقي والانساني فبقدر ما يجسد نموذج الانسة برودي من حكمة وتأثير قوي على الاخرين بقدر ما يمثل في النهاية نموذجا انسانيا متقهقراً ففي مرحلة متأخرة يكشف القاريء ان مديرة المدرسة لا تستطيع السيطرة على تلميذاتها ويضطرها ذلك الى العزوف عن العمل وسؤال المؤلفة.. كيف يحدث هذا؟ بعد خمس سنوات من نشرها رواية «المواساة» في سنة 1957 نشرت سبارك رواية ربيع الانسة برودي التي تطرح من خلالها ـ في واقع الامر ـ مشكلاتها الاخلاقية العقائدية لدى اعتناقها المسيحية المشكلة التي ظلت تلازمها منذ البداية وهنا يلمح القاريء دعوتها الى اشياء كالتطهر الروحي ففي رواية ممينتو موري تتلقى النساء العجائز رسائل تلفونية تذكرهن بأنهن سيرحلن عن العالم، وفي رواية «العازبون» يبحث محضر الاروح الشرير عن الخلاص بارتكابه جريمة قتل وايا كان فإنها الطريقة التي تطرح بواسطتها سبارك مأزق الانسان غير الكامل وتعبر عنها ببرود شديد وقوة وذكاء. تبدأ سبارك روايتها «البنات ذوات المواهب المتواضعة» بهذا الشكل منذ زمن بعيد في سنة 1945 كان كل الناس الطيبين الذين يعيشون في انجلترا فقراء، اما المكان الذي يشهد احداث هذه الرواية فهو احد مساكن الفتيات الشابات في لندن بينما الزمان هو ايام الحرب العالمية الثانية، هنا تقدم لنا سبارك صورة هزلية مضحكة شديدة الانتقاء لمجموعة من النساء الشابات اللاتي يكافحن من اجل البقاء على قيد الحياة في مجتمع ذكوري يحكمه الرجال والمال وتكون فيه المرأة عنصرا مهما بما تحمله عبارة السلعة الكمالية من معنى. نشرت رواية «البنات ذوات المواهب المتواضعة» للمرة الاولى في سنة 1963 في جريدة «سترداي ايفننج بوست» وصدرت بشكلها الحالي في كتاب في السنة التي تلتها وفيها تلقي المؤلفة الضوء على الاساليب التي تلجأ من خلالها مجموعة من النساء الشابات الى المناورة من اجل الحياة فهؤلاء النساء على جانب كبير من الاخلاق والذكاء الفطري ولكنهن صغيرات واحداهن ترهق نفسها بالعمل الذهني لتؤمن لنفسها دخلا ماديا مناسبا والاخرى لا تقدر على مقاومة اغراء الرجال والثالثة مشغولة بموهبتها الشعرية، وفي هذه الاثناء توضح سبارك المفارقة فهؤلاء النساء اللاتي تبدو كل واحدة منهن عملية الى حد بعيد رومانسيات فقيرات ومسكينات والواقع انها كانت تريد ان تعبر عن موقفها تجاه حركة تحرر المرأة وبداية المطالبة بحقوقها الاجتماعية الظاهرة التي تزامنت مع نهاية مرحلة الحرب العالمية الثانية وبدت من خلالها المرأة البريطانية وكأنها تخرج للتو من شبح الحرب.