بيان الكتب: ضمن سلسلة اعمال الدكتور العظمة التي يقدم لنا من خلالها التراث العربي يأتي هذا الكتاب (المسعودي) وهو استمرار لمنهج العظمة في اختيار نصوص معينة من مجموعة كتابات تراثية، على شاكلة ما عرضنا له في كتابه عن ابن تيميه غير ان المشكلة التي واجهت العظمة هذه المرة ـ ان كان ثمة مشكلة ـ هي ان صاحب المجموعة التراثية هذه المرة وهو المسعودي لم يترك سوى كتابين هما اللذين بقيا من مجموعة كتبه والتي تصل الى نحو 39 كتابا فقدت كلها باستثناء (مروج الذهب ومعادن الجوهر) وكتاب (التنبيه والاشراف) على عكس ابن تيميه الذي تميز بغزارة انتاجه ماسهل فكرة الانتخاب من تراثه. ورغم ثراء المقدمة المكثفة التي كتبها العظمة ـ اربعة صفحات ـ تمهيدا وتعريفا بموضوعه والشخصية التي يقدم لاعمالها الا انها كانت تقتضي الاستفاضة لري ظمأ القاريء للالمام بترجمة المسعودي غير انه قد يبدو عذر العظمة في ضوء مايشير اليه من ندرة الاشارات الى المسعودي وهو مايرجعه الى تقلبه في البلدان وغربته المستمرة مما غيبه عن اعين معاصريه ممن اشتغلوا بتدوين اخبار العصر. ووصلت قلة المعلومات الى حد ان كل ماهو معلوم عن المسعودي هو انه عراقي المولد والمنشأ وانه ولد في بغداد لاسرة كوفية تعود بنسبها الى عبدالله بن مسعود الصحابي وانه توفي في فسطاط مصر عام 956م / 345 هـ بعد اقامة طويلة في مصر والشام وانه قد زار الكثير من البلدان الاسيوية والافريقية وربما البعض من اوروبا في سياق اسفاره وانه درس على بعض كبار رجال عصره من العلماء كالطبري والصولي ووكيع الضبي. اما المصدر الرئيسي للعلم به وتجاربه فهو مستقي مما بقي من اعماله وهي مروج الذهب وكتاب التنبيه والاشراف. وقد قسم العظمة كتابه عن المسعودي الى ستة اقسام اولها العلم بالاخبار ويعرض فيه تبويب موضوعات مروج الذهب والتنبيه الثاني تحت عنوان السماء والارض يعرض من خلاله لظواهر جغرافية برؤى تعتمد منطلقات العصر الذي عاشه المسعودي ومن ذلك صفة الارض والجبال والحيوانات ونشوء الكون ومشاهدات من البحار وعجائبها واخبارها، اما في القسم الثالث فيعرض لنصوص حول الديار والامم والمعتقدات، يعرض من خلاله انساب الامم وتواريخ ملوكها وعاداتها وتقاليدها واديان العرب في المعتقدات الجاهلية. اما القسم الرابع وهو حول التاريخ فيعرض اساطير الخلق والمبتدأ وتاريخ السلالة الادمية وما يسميه تاريخ العالم. وفي الخامس يعرض تواريخ الامم المختلفة من عرب وفرس ويونان، اما في القسم السادس فيعرض لما يسميه شذرات من تاريخ الخلافة الاسلامية متناولا حياة عثمان وعلي بن ابي طالب وغيرهما. وفي المجمل فان (مروج الذهب) و (التنبيه) حسبما يذكر العظمة بالفعل كتابين بالغي الثراء في مادتهما الموضوعية ويذهب الى انه من الخطأ اعتبارهما كتابين في التاريخ على الرغم من احتوائهما على اقسام تاريخية هامة ورغم ان المحتوى الاساسي للكتابين وفقا للنصوص المقدمة يشيران بالفعل الى اعتمادهما التاريخ في كتابة مادتهما وهو ما يعززه مايشير اليه العظمة ذاته من ان اكثر الدارسين الحديثين قد استخدموا المادة التاريخية فيهما على شكل اساسي واستنتجوا من ذلك الاستنتاج الناقص حسب ـ وجهة نظر العظمة ـ ان المسعودي مؤرخ في المقام الاول .. في تناوله للتاريخ يبدأ المسعودي ببدء الخليقة وتاريخ السلالة الادمية وهو رغم اشارته الى استناده على ما جاءت به الشريعة ورواه الخلف عن السلف والباقي عن الماضي على حد قوله الا انه من الواضح انه يستعين بمعارف وعلوم عديدة متنوعة تثري مادته وتخرج بها من اطار القصص الديني الى التاريخ الفعلي .. ففي تناوله لتاريخ السلالة الادمية يشير الى ان (أدم توفي يوم الجمعة لستة خلون من نيسان في الساعة التي كان فيها خلقه وكان عمر أدم تسعمئة وثلاثين سنة وكان ابنه شيثا وصيا على ولده ويقال ان أدم مات عن اربعين الف من ولده وولد ولده ويستطرد مضيفا: ان شيثا ابن أدم حكم في الناس واستشرع صحف ابيه وما انزل عليه من خاصته من الاسفار والاشراع .. الخ. وتبدو الرؤية التاريخية لدى المسعودي في النص الذي يورده العظمة تحت عنوان جامع تاريخ العالم حيث يشير الى انه ليس امة من الامم من (الشريعيين) وغيرهم ممن سلف وخلف الا ولها تاريخ ترجع اليه وتعول عليه في اكثر امورها .. ينقل ذلك خلف عن سلف وباق عن ماض اذا كان به تعرف الحوادث العظام والكوائن الجسام وما كان في الازمان الماضية والدهور الخالية. ورغم ان مايورده المسعودي قد يكون معروفا الا انه في السياق الزمني الذي كتب فيه وبالدقة والتحر اللذين ينمان عن دأب وشغف بالمعرفة ـ يصفه العظمة بقوله هوي شبقي لمعرفة حاضر البلدان والامم ـ انما يشير الى اهمية ماكتبه في تلك الفترة واعتباره مادة اساسية من التراث ولعله من هنا تتأتى اهمية المشروع الذي يقوم عليه العظمة في تقديمه منتخب التراث رغم اية تحفظات ترد عليه. والايغال في الكتاب عبارة عن رحلة سياحية فكرية ممتعة لعل هذا هو ما جعل العظمة يفضل تصنيف الكتاب او كتابي المسعودي على انهما كتابان في الادب بمعناه الواسع على شاكلة العقد الفريد وهي تلك الكتب التي يتجاوز محتواها الموضوعي الادب بمعناه الضيق الذي يشير الى نصوص الشعر والنثر وهو يعزز رأيه ذاك بالاشارة الى ان المؤلف ـ المسعودي ـ يذهب الى هنا وهناك في تناوله تفاصيل موضوعه على نحو يشير الى التداعي والاستطراد الذي يسم كتب الجاحظ الذي يشير اليه المسعودي مرارا. في تناوله للديار والامم يستعرض المسعودي موضوعات شتى فيتطرق الى الشام واليمن ويقدم محاولة لتفسير التسمية فيشير الى ان هناك من زعم ان اليمن سمي كذلك لانه عن يمين الكعبة وهو من التيمين اما الشام فسمي كذلك لانه عن شمالها .. وفي تفسير آخر لشؤمه، اما مصر فقد سميت كذلك نسبة الى مصر ابن بيصر بن حام بن نوح عليه السلام والذي حكمها بوصية من والده اثر انفصال هذا الاخير عن ارض بابل وكثير من ذريته واهل بيته وكان لمصر هذا اربعة اولاد من بينهم قبط الذي كثر اولاده وهم الاقباط فنسبت التسمية لكل اقباط مصر ومن اليمن والشام ومصر الى طبائع الشعب الهندي .. فالهند ـ حسب المسعودي ـ تمنع من شرب الشراب وتعيب شاربه لا على طريق التدين لكن تنزها عن ان يوردوا على عقولهم ما يغشيها ويزيلها عما وضعت له فيهم فاذا صح عندهم عن ملك من ملوكهم شربه استحق الخلع عن ملكه، اما الافارقة فقد جادت تسميتهم على حسب مايشير سياق تناول المسعودي من تفرق ولد نوح في ارضها !! ويعرج على اهل الصين فيذكر انهم شعوب وقبائل كقبائل العرب وافخاذها وتشعبها في انسابها ولهم مراعاة لذلك وحفظ لها وينسب الرجل الى خمسين (اباء) ولايزوج اهل كل فخذ من فخذهم! وفي موضع آخر يعرض لذكر الامم السبع في سالف الزمان مشيرا الى ان من عني باخبار سوالف الامم ومساكنهم ذهبوا الى ان اجل الامم وعظمائهم في سوالف الدهر كانوا يتميزون بثلاثة اشياء بشيمهم الطبيعية وخلقهم والسنتهم. اما الامم السبع فهي الفرس ـ الكلدانيون ـ اليونانيون والروم الصقالبة والافرنجة ـ لوبية ومنها مصر ـ اجناس من الترك الجرلخية ـ اجناس الهند والسند ـ الصين والسيلي (كوريا اليوم) ثم كثر النسل وتجيلت الأجيال وتشعبت الشعوب والقبائل وافترقت اللغات وتجنست الامم وتنوعت وتباينت في الآراء والعبادات والمساكن والمناسك. وعلى هذا المنوال وبشكل مشوق يجول المسعودي هنا وهناك مما يدعو العظمة الى الاشارة الى ان جملة المواضيع التي يتناولها تتطابق في اكثر من ناحية مع ما يعرف اليوم على انه تاريخ الحضارات حتى انه يشير الى امكانية الاستناد الى كتاب المسعودي المفقود والمعنون كتاب (تغلب الدول وتغير الاراء والملل) الاقتراح بأن من الممكن ان يكون قد قدم نظرية مافي التحدي التاريخي .. ورغم تحوطه لهذا الطرح الا انه يعود ليؤكد على ان مروج الذهب والتنبيه الاكثر تكاملا الناشيء عن الحضارة العربية الكلاسيكية لجملة تواريخ الامم باعتبارها تواريخ للامم بالمعنى الواسع اي انها أمم ذات بلدان ومساكن تشكل امزجتها وسجاياها وذات عقائد وديانات وتقاليد ورسوم اضافة الى دولها التي تشكل على صورة شبه حصرية مادة الكتابة التاريخية العربية. ويبدي عزيز العظمة في هذه الجزئية حذرا من المقارنة بين نصوص المسعودي حول الشعوب والامم وديارها وعاداتها واديانها وتواريخها وبين التأريخ الحديث للحضارات على الرغم مما بين الاثنين من تشابهات تشي بخلف بعض النظريات الحديثة في الحضارة اكثر مما تشي بحداثة المسعودي .. مؤيدا رأيه ذلك بما اشار اليه المسعودي ذاته من انه جمع اخبار الامم التي زارها، واهتم بها واخبار الملل والديانات التي ساجلها وسجل مالديها من دون ان يكون هذا التسجيل ـ الا في بعض التفاسير ـ متجاوزا الوصف الى التحليل بعبارة المسعودي ان كتابيه كتابا خبر وليسا بحث ونظر في هذه الاخبار. والخلاصة .. ان المسعودي ابن عصره وانه يؤدي لنا بيانا شاملا عن معارف ذلك العصر وامكاناته العقلية والذهنية مما يتيح للقاريء ـ حسب العظمة ـ تكوين صورة متكاملة وحية عن ذهنية مثقف متنور وعالم ولكنه مثقف عائد الى القرن العاشر وليس للقرن الواحد والعشرين.