بيان الكتب: اصبح موضوع الهوية واحدا من الموضوعات الاساسية التي تتصدر النقاشات السياسية والفكرية العربية في العقود الاخيرة خاصة ان اثارة هذا الموضوع تأكيدا او نفيا اخذ يتزايد مع تزايد التحديات التي تفرضها العولمة على الشعوب، ذلك ان الهوية في رأي بعض الباحثين والمفكرين آلية دفاعية متينة تحمي اصحابها من غزو العولمة المتوحشة ومن هيمنة الثقافة الواحدة. ويرى الباحث المغربي محمد صالح الهرماسي في كتابه الجديد «مقاربة في اشكالية الهوية ـ المغرب العربي المعاصر» انه ثمة من يرى الحل في هوية منفتحة على العالم وقابلة للاغتناء والتجدد فالمهم في كل هذا ان سؤال الهوية هو اليوم سؤال حقيقي ومصيري الا انه في نفس الوقت سؤال جديد فمنذ ان عرف العرب الغرب المستعمر الذي فرض عليهم نمطه في الحداثة اصيبوا بصدمة عميقة زلزلت كيانهم ومزقته وفرضت بقوة سؤال الهوية في مواجهة الآخر الغربي (العدو) حيث لم يكن السؤال في هذه الحالة يحتمل سوى اجابة واحدة هي التأكيد على الهوية العربية الاسلامية ولاسيما في مضامينها القومية والدينية الاكثر تعصبا ورفضا للغرب وحداثته جملة وتفصيلا ولأنها كانت خط الدفاع الاول عن الذات القومية في وجه الغزو الاستعماري. لكن بعد رحيل الاستعمار المباشر وانتهاء خطره لم يعد سؤال الهوية تأكيدا مطلقا لها في مواجهة العود الخارجي بل غدا سؤالا تشكيكيا وضع الهوية نفسها في موضع الاتهام من قبل النخب غريبة التكوين والثقافة في دول الاستقلالات وبعد ان كان التأكيد على الهوية العربية الاسلامية حتى التضخيم ارضية مشتركة بين معظم القوى السياسية والاجتماعية ميز مرحلة الكفاح ضد الاستعمار فان مرحلة الاستقلال شهدت خلافا عميقا حول الهوية بين متمسك بها كما هي وراغب في تجديدها او متنكر لها. ويؤكد الباحث المغربي في الفصل الاول من الكتاب على انه من الخطير هنا ان العولمة بوصفها محاولة لتدجين الشعوب وتدمير مناعتها الثقافية والهيمنة عليها تلتقي موضوعيا مع الانظمة القطرية التابعة في تهديد الهوية العربية الاسلامية ومحاولة تغيبها وفي السعي لفرض الهويات القطرية والمتوسطية والشرق اوسطية وحتى الطائفية والعشائرية المستجيبة لحاجات الاستبداد الداخلي والهيمنة العالمية على المنطقة. واذا كانت مخاطر العولمة الثقافية قد ادت في السنوات الاخيرة الى اثارة مسألة الهوية على نطاق واسع فان المغرب العربي قد عرف هذه القضية قبل ذلك بعقود من الزمن وتحديدا منذ الاستقلال حيث ادت الاثار الاجتماعية والثقافية العنيفة التي خلفها الاستعمار ولا سيما على الصعيد اللغوي الى بروز مشكلة الهوية في شكل صراع بين تيار عربي ورأى في الثقافة العربية الاسلامية فكانت قضية التعريب المستمرة الى اليوم في بعض دول المغرب العربي احد اوجه هذا الصراع وفي حين عبر التيار الاول عن العمق الشعبي الواسع كان التيار الثاني ومازال تيارا نخبويا تبنى ثقافة المستعمر ولغته واخذ عنه افكاره ولا سيما فكرة الخصوصية المغربية التي اولاها الغرب بوجه عام والمستعمر القديم بوجه خاص عناية علمية كبيرة وساهم في رسم الصورة التي للمغرب عن نفسه وعن المشرق. ولتوضيح العلاقة بين الهوية والخصوصية في المغرب العربي يؤكد الباحث محمد صالح الهرماسي في كتابه الجديد ضرورة التمييز بين العام والمشترك في هذه الهوية حيث تشترك الافكار المغاربية معا في اللغة العربية والاسلام والثقافة العربية الاسلامية كما تشترك مع اقطار المشرق العربي بهذه المكونات البنيوية وبين الخاص في هذه الهوية من عادات وتقاليد وذوق عام حيث ان للمغرب العربي خصوصية اقليمية تميزه عن المشرق وخصوصية قطرية بكل قطر من اقطاره. فالخصوصية المغاربية (الاقليمية) جزء لا يتجزأ من الهوية العربية والاسلامية والخصوصية الجزائرية او التونسية (القطرية) وهي ايضا جزء لا يتجزأ من هذه الهوية لكنه الجزء المتغير الذي يشكل تنوعا واثراء داخل الهوية الواحدة. فهذه الخصوصيات سواء الاقليمية كانت ام القطرية هي جزء من الهوية يتكامل ويتفاعل مع جزئها البنيوي الثابت ويغني الهوية القومية الشاملة ايما اغناء. وعن اسلام مغاربي ام معيش مغاربي للاسلام يلاحظ الباحث المغربي في الفصل الثالث من الباب الاول حول «الشخصية المغاربية بنيتها وتركيبها» ان الاسلام المعيش هو اسلام الفئات الشعبية الواسعة وهذا ما عكس الاسلام الرسمي والاسلام السياسي اللذين يفتقدان الحامل الاجتماعي العريض ويرتبطان بالنخبة كذلك فان الاسلام المعيش يدخل في تكوين الشخصية العربية الاسلامية ويمثل مقوما من مقومات الهوية في المغرب العربي وهو بالتالي ذو وظيفة اجتماعية ونفسية وثقافية اما الاسلام الرسمي والاسلام السياسي فمن طبيعة وظيفية بحتة ووظيفتها سياسية بحتة تنصب على الدعاية للحاكم الرسمي ومعارضة الحاكم السياسي. كما ان الاسلام المعيش مركب من عقيدة وتقاليد وعادات اجتماعية وثقافية واسلوب في الحياة يتميز بالمرونة والتنوع اما الاسلام الرسمي والاسلام السياسي فتحنيط سياسي ايديولوجي للاسلام واختزال له في لون واحد. كذلك يرى الباحث المغربي الهرماسي في كتابه الجديد ان الاسلام المعيش ثابت من ثوابت الحياة الاجتماعية والثقافية في المغرب العربي وهو يعلل الخصوصية والاصالة المغاربيتين ذلك لانه نتاج تفاعل تاريخي بين النص الاسلامي والبيئة المحلية اما الاسلام الرسمي والسياسي فظرفيان ينتجان عن تأويل ايديولوجية للدين ويرتبطان بالظروف السياسية مما يجعل وظيفتهما واحدة في كل الدول العربية الاسلامية مما جعل التداخل الديني والاجتماعي والثقافي في الاسلام المعيش هو مايضع حيويته وثراءه ويجعله بعيدا عن الانتظام في افكار ومفاهيم جاهزة. كذلك فان الاسلام المعيش المغاربي هو الذي قاوم جموح الحكام وردهم عن المساس بالمقدس وهو نفسه الذي امتص تطرف الاسلام السياسي وجعل شرائح منه تقتنع بمجتمع التعدد والاختلاف وحق المرأة في الدراسة والعمل وهذا الاسلام المعيش يتعامل مع السلطة والمعارضة بثقة في النفس واستقلالية في الموقف وهو يختلف في ذلك عن الاسلام الحاكم والاسلام المعارض بل هو الذي يقوم بدور المنظم والمعدل للعلاقات بينهما وبين المجتمع. هذا ويتناول الباب الثاني من الكتاب الجديد الثوابت الحضارية ودورها في تحصين الذات حيث تبدو وثنائية الجوهر الواحدة (العروبة الاسلام) هي المكون الاساسي للهوية والوعي حيث تبرز خصوصيتها الكامنة في العلاقة المميزة التي ربطت الدين بالسياسة في المجتمعات المغاربية ابان الكفاح ضد السيطرة الاستعمارية حيث برز في اثناء العدوان الخارجي الثابت الحضاري لحماية الذات وتحصينها بعد ان عجزت الامكانات المادية عن المقاومة والمواجهة واستعاد الجامع نشاطه السياسي التعبوي ولعب دورا بارزا في مواجهة الاحتلال الاجنبي باخفاء طابع القدسية على تحرير الوطن واذكاء لهيب الوجدان الشعبي باستحضار صور البطولة والفداء في ملاحم الاسلام وربط الشهادة في سبيل الوطن برضاء الله ونعمته في الآخرة. وعن الاسلام الواعي المناهض للاستعمار يرى الباحث محمد صالح الهرماسي ان حركات التحرر الوطني المغربية احتضنت الاسلام رافعة نضالية ومحفزا لاستجابة الشعب لدعوتها التحررية وان كانت لم تقدم مشروعا اسلاميا على شاكلة ماتدعو اليه الاحيائية الاسلامية اليوم برغم ان النخب القائدة والفاعلة في تلك الحركات كانت نخبا دينية وقد تولت الدفاع عن جميع المقومات وفي مقدمتها العروبة وتصدرت جميع النضالات والنشاطات الخاصة بالدفاع رغم عروبة المغرب العربي لغة وتراثا وتاريخا وكان موقف تلك النخب المتنورة من علماء الدين وخريجي الزيتونة هو الذي اجهض مخططات الفرنسة والتنصير في تونس والجزائر خاصة. ومن ناحية اخرى مثلت الطرق الدينية الاطار الامثل لتعبئة الجماهير واعدادها نفسيا وروحيا للقتال والاستشهاد حيث تبدو اهمية هذه الطرق في ان منخرطيها يتوزعون في كافة بلدان المغرب العربي مما يعني ان حدود التعبئة تتجاوز في غالب الاحيان القطر الواحد لتشمل منطقة المغرب العربي بأكملها حيث انتشرت الزوايا في جميع مدن الجزائر واريافها وتكاثر دعاة الجهاد في الواحات والمناطق الجبلية الوعرة والصحراوية النائية. وعن «دولة الاستقلال والاركان البنيوية للهوية» يؤكد الباحث المغربي محمد صالح الهرماسي في كتابه الجديد «مقاربة في اشكالية الهوية» ان الدولة الحديثة في المغرب العربي تشكلت ضمن سياق استيراد الانماط السياسية الغربية في حين ان المجتمعات المغاربية تنتمي الى نظام اجتماعي آخر مختلف جذريا عن المجتمعات الغربية ولهذا فمن الطبيعي ان تبرز حدة تنافر الثقافات داخل المجتمعات الغربية وتعيش حالة من التوتر على صعيد الهوية بين تاريخها وتاريخ المجتمعات الغربية المصورة وتعاني من اثار التبعية القسرية للتماهي مع الغرب لتنميتها حيث تعتبر دولة الاستقلال في المغرب العربي مثالا مركزا للتماهي مع الغرب حيث يبدو الاسراع في ايجاد الحلول الملائمة والمنبثقة ضرورة تمليه خطورة ما تتعرض له المجتمعات المغاربية من تفتت شخصيتها الحضارية واهتزاز مقومات هويتها. عبد الاله عبدالقادر