الـ «بيريكو لاريوز» هو احد اهم امراض الأرز، وغالباً ما يسبب خسارة 20% من المحصول، ان لم يكن كامل المحصول في المناطق ذات المناخ البارد والرطب. وقد قام المهندسون الزراعيون في جامعة يونان للزراعة الصينية، استناداً الى دراسات امريكية، بزراعة ضروب أرز مختلفة. ومكنتهم فوائد هذه الطريقة «اللطيفة»، التي جربت مع القمح والشعير اولاً، علم 1998 و 1999، من زيادة انتاجهم بنسبة 89% وتخفيض تأثير البيريكولاريوز بنسبة 94%، على مساحة بضعة آلاف من الهكتارات. ويعلق الصينيون آمالاً كبيرة على هذا النمط من الزراعة، لأن عليهم ان يواجهوا، كبقية بلدان القارة الاسيوية، ازمة أرز خطيرة يقدر الخبراء العالميون ان تحدث نحو العام 2020.في الوقت الذي يعول غالباً على التقنيات الاحيائية لحل المشكلات الزراعية، اظهرت تجربة صينية انه مازال بالامكان الحصول على نتائج مذهلة بالاستناد الى الطرق التقليدية. فخلال حملة عام 1998 و 1999 في مقاطعة يونان الصينية، مزج علماء ومزارعون عدة ضروب من الأرز بدلاً من زراعتها بشكل منفصل في زراعة احادية، مثلما يفعلون عادة. ووفقاً لما ورد في مجلة «الطبيعة» اللندنية العلمية الشهيرة (17 اغسطس 2000)، نتجت عن هذا الخيار زيادة في المردود بنسبة 89% وانخفاض في اضرار مرض البيريكولاريوز بنسبة 49%، المرض الذي يسبببه احد انواع الفطور المجهرية. في شكله الاكثر فوعة، يهاجم الفطر سوق الأرز بمستوى السنبلة محدثاً نخراً ويعيق مرور العناصر التغذوية. ويؤدي هذا الفطر المتلف في العادة الى فقدان 20% من المحصول واحياناً خسارته كاملاً في المناطق الباردة والرطبة، كمقاطعة يونان الصينية. وهو ايضاً «مرض الاغنياء»: كلما اضافوا سماداً، ازداد انتشار المرض، وفقاً لمورود الآزوت. ولمواجهته، يضطر مزارعو الأرز لرش كميات كبيرة من مبيدات الفطور، وهو امر مكلف ويزيد من تلوث المياه. يظهر هذا الفطر المجهري مرونة رهيبة قبالة مختلف الوسائل التي استعملت لاستئصاله، بما في ذلك وسائل التقانة الاحيائية. في الواقع، البيريكولاريوز هو مرض تصعب مواجهته، وحتى بعد ادخال مورثة مقاومة الى نبتة الأرز، يبدو تأثيرها وجيز الزمن، لأن العامل الممرض يتميز بقدرة بالغة في مواجهة هذه الموروثة، فتنهار المقاومة. ذلك خصوصاً وان الوسط الذي يعيش فيه يشجع على انتشاره. التنوع الجيني لزم استئناف الاعمال التي بدأها استاذ علم النبات في جامعة ولاية اوريجون، «ك. موندي»، الاختصاصي بأمراض الزروع (القمح والشعير والأرز)، الذي اظهرت بحوثه ان مزج ضروب مختلفة من القمح والشعير تقلل الى حد كبير من تأثير الامراض. وقرر الصينيون، عقب حوار معه، اجراء تجربة في مقاطعة يونان بتطبيق وصفة المزج على الأرز. ولكن ليس اي أرز: الأرز الغلوتيني اللزج المرغوب جداً عند المستهلكين ولكن الضعيف المقاومة جداً ازاء البيريكولاريوز. استمرت التجربة سنتين (1998 ـ 1999) برئاسة باحثين صينيين من جامعة يونان للزراعة وتمويل من بنك اسيا للتنمية، ووزعت على حملتين قامتا على ادخال صف من الأرز الغلوتيني في وسط اربعة صفوف من الأرز الهجين الاكثر مقاومة وانتاجية. واتاحت الحملة الأولى، التي زرع فيها 812 هكتاراً، تخفيض تأثير البيريكولاريوز على الأرز الغلوتيني الى 1%، بدلاً من 20% في الزراعة الاحادية وزيادة المردود بنسبة 89%. في السنة التالية، انجزت التجربة على 3342 هكتاراً، وكانت النتائج مماثلة لنتائج العام الذي سبق، ولكن مع نتيجة ابرز هذه المرة حول الضروب الهجينة، حيث ان تأثير المرض هبط من 23% الى 1% في الزراعة الاحادية. ذلك مع ميزة اخرى: تمكن مزارعو الأرز من الاستغناء تماماً عن استخدام مبيدات الفطور. وازاء هذه النجاحات، قرر المتحمسون لهذا البرنامج التجريبي توسيعه هذا العام ليشمل مساحة 40000 هكتار. «ان فائدة مزج الانماط المتنوعة للزروع معروفة منذ زمن بعيد. ومن المعروف ان ذلك يحد من الاضرار الناجمة عن الامراض وبعض الظروف المناخية، كالجفاف. وكان معروفاً ان مثل عمليات المزج هذه يمكن ان تعطي نتائج جيدة على مساحات صغيرة، غير ان هذه التجربة بينت ان بالامكان تطبيق المبدأ على نطاق اوسع، وذلك استخدام ذكي للتنوع الجيني الذي يعزز مقاومة العوامل الممرضة. حاجز طبيعي مزج القائمون على التجربة عدة تركيبات من الأرز الغلوتيني، الذي يتأثر بالبيريكولاريوز، مع الأرز الهجين المقاوم. ولا يمكن لهذا النمط من المزج الا ان يساهم في كبح انتشار العامل الممرض بالقياس مع زراعة ضرب حساس بمفرده. ويوفر تعاقب قطع الارض الصغيرة المزروعة على نحو مختلف حاجزاً طبيعياً يحد من تقدم المرض، وتبقى معرفة ان كانت التجربة المطبقة هذا العام ستؤكد نجاحات العامين الماضيين وما اذا كان الصينيون سيطبقونها في مناطق اخرى من بلادهم. تطبيق هذه الطريقة الزراعية وحده، مقروناً بمتابعة عملية دقيقة، يتيح تأكيد ميزات هذه المقاربة. واذا اعطى هذا الاسلوب نتائج حاسمة على المدى الطويل، فذاك يعني ان الزراعة التقليدية لم تقل كلمتها الاخيرة بعد. في مزارع الأرز، التي تؤمن اكثر من 95% من الانتاج في اسيا، هنالك عشرات الانواع من الفطور والجراثيم الممرضة واكثر من مئة نوع من الاعشاب الضارة والحشرات. مع ذلك، تشير الدراسات الميدانية التي انجزها معهد البحوث من اجل التنمية ومعهد البحوث الدولية حول الأرز في الصين، والفلبين وفيتنام والهند، الى ان بضع عشرات فقط من الانواع تسبب اضراراً هامة. تسبب الاعشاب الضارة 10% الى 20% من الخسائر في المحاصيل، مقابل 5 الى 10% للفطور الممرضة و 01 الى 1% لجراثيم. ازمة عالمية كل الخبراء متفقون، بمن فيهم خبراء منظمة الامم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو) على ان العالم لابد ان يواجه في العام 2020 ازمة أرز كبيرة. فالمردودات الحالية لن تتيح تلبية الحاجات المستقبلية لسكان العالم في ذلك الحين. وستكون اسيا اول المتأثرين بهذه الازمة. الأرز، الذي يشكل غذاء اسيا لنصف البشرية، هو مادة حيوية للقارة الاسيوية، التي تنتج ما يزيد على 90% من الانتاج العالمي ـ المقدر حالياً ينحو 520 مليون طن، ويوفر اكثر من ثلث الحاجات من الحريرات لثلاثة مليارات من سكان المنطقة. ويزداد سكان اسيا بمعدل 56 مليون شخص، العام، ويجب ان يصل الطلب الداخلي من الأرز الى 770 مليون طن من الآن وحتى العام 2025. ومن اجل مواجهة هذه الحاجات، سيلزم رفع مردود الأرز المروري من 10 أطنان /هكتار حالياً الى 13 طناً، ويجب ان يصل المردود الوسطي الى 6 أطنان، اي اكبر من المعدل الحالي بمرتين. الا ان تقنيات «الثورة الخضراء»، التي اتاحت ازدياد انتاج الأرز بمعدل 3% سنويا خلال السبعينيات والثمانينيات، تعتبر اليوم «شبه عاجزة» عن احداث مزيد من التحسين في الانتاجية. ومنذ التسعينيات، بلغ الانتاج حده الاعلى ولم تعد الانتاجية تتجاوز 125%. هذا ويجب ان تدار الازمة المتوقعة من «اراض اقل، ومياه اقل، وايدي عاملة اقل، ومبيدات ومنتجات كيماوية اقل». تتضاءل مزارع الأرز الاسيوية باستمرار تحت ضغط التصنيع والتمدين. وفي الصين، هبطت مساحة الاراضي المزروعة بالأرز من 37 مليون هكتار عام 1976 الى 31 مليون هكتار عام 1996. يضاف الى ذلك ان الاراضي التي يمكن زراعتها بالأرز تتلاشى بنتيجة التعرض لتحات المياه والرياح. ويخشى ان تصبح مشكلة الماء حاسمة، فالأرز من المزروعات التي تحتاج الى كميات كبيرة من الماء. ولمواجهة تحدي الأرز يعمل المعهد الدولي للبحوث حول الأرز (الفلبين) على تطور انماط فائقة من الزر ذات سوق اقوى واقل عدداً ولكن مع عدد اكبر من الحب. محمد الدنيا