الفنان سعدون جابر صوت مهم بين الاصوات الغنائية العربية، وقد تفرد بحضوره المستمر في المحافل الغنائية وحقق شهرة واسعة، واستطاع ان يعمم الاغنية العراقية في وقت كان الغناء المصري يملأ الساحة العربية الى جانب وجود مطربين مهمين جدا امثال الكبار، ام كلثوم ، عبد الحليم، فريد الاطرش، واسماء عديدة اخرى، جاء هذا الشاب اليافع من جنوب العراق، ليحقق حضورا متميزا او يصنع له مكانة رفيعة ببين هؤلاء العمالقة ويترك الاغنية العراقية تنساب شفافة فوق شفاه المتلقين العرب في كل مكان. سعدون جابر وعلى مدى الثلاثين عاما الماضية لم يتوقف عن العطاء في حين توقف الكثيرون من الذين ظهروا معه او من الذين ظهروا بعده وما زال متواصلا ويشكل حضورا فنيا متميزا ويدين بالفضل لمن وقفوا خلفه وآزروه من ملحنين وشعراء. في وقفة معه كان لنا هذا الحوار: ـ يتحدث الكثير من المعنيين بصوت عال عن اهميته في الغناء العربي، ولكن هذا الكم الهائل في المطربين لم يقدم لنا الكثير من الاغاني التي تدعم وجود الاغنية العربية، واقصد ما تبقى، هل انت مع هذه الاصوات؟ ـ ان تحدثت عن هؤلاء فسوف اجد نفسي مع القلة من الذين يتحدثون عن الغناء العربي، اما البقية وهم كثر، غير جديرين بالتحدث عن الغناء العربي لانهم لم يقدموا لنا نماذج جيدة تؤهلهم لان يضعوا حديثا يمثلهم كمغنيين للاغنية العربية او ممثلين لها، لذا اجد نفسي مع القلة. ـ ساهمت في انتشار الاغنية العراقية الى خارج حدود إقليميتها، وأنت ممن حققت اغانيهم الانتشار ماذا اضاف لك هذا الانتشار؟ ـ الانتشار اوجد لي مساحة واسعة بين الاسماء العربية، واكسبني صدقات كثيرة وحب الناس الذي هو شيء عظيم ووسع في آفاق معرفتي في الغناء العربي ومنحني دروبا لان اصل الى مساحة اوسع في الذائقة العربية وعندما غنيت لم أسع للانتشار بقدر ما كان هدفي ان اكون صادقا عندما اغني واعتقد ان الصدق هو الذي اوصل اغنياتي للذائقة العربية. ـ عبد الحليم نوع كثيرا في مصادره الغنائية واعني الكلمات والالحان، هل تجد في هذا التنوع مصدرا لإثراء عطاء الفنان وهل مارست التجربة نفسها؟ ـ بالتأكيد التنوع هو ثراء للغناء العربي والموسيقى العربية، وقد تلاقح صوتي مع الحان عربية واشعار عربية، وغنيت للراحل بليغ حمدي، اربعة الحان ولخالد الفيصل ثلاث قصائد من الحان يوسف المهنا وللأمير بدر بن عبد المحسن غنيت قصيدتين من الحان عبد الرب ادريس، وكذلك الحان لجمال سلامة واشعار عبد الرحمن الانبودي، وهناك اغاني جدية لسراج عمر وبدر بن عبد المحسن وأينما وجدت شعرا جميلا في أي بقعة عربية سأغنيه واعتقد ان هذا التنوع مصدر اثراء للغناء العربي، وهو يمثل قومية الغناء العربي وليس قطريته، فجميل جدا ان نغني شعرا سعوديا بلحن كويتي وصوت عراقي او نجد لحنا مصريا لشعر مغربي وصوت تونسي مثلا. انا انظر لهذا الموضوع كمصدر من مصادر تطور الاغنية واغنائها بالجديد الناتج عن تلاقي الافكار. ـ تميل اغنية اليوم الى الايقاعات السريعة وكأنها سمة العصر، هناك من يقول ان ايقاع الحياة اليومي دفع الاغاني بهذا الاتجاه؟ ـ الاغنية ليست في ايقاعاتها وسرعتها أو بطئها الاغنية بمضمونها ان كانت الاغنية تحمل مضمونا جيدا فهي الهوية للغناء، اما ان كانت سريعة فذلك ليس مهما فهناك الكثير من الاغاني الرائعة هي سريعة الايقاع وايضا كثير من الاغاني الرائعة بطيئة الايقاع لكن الاغنية ليس في ايقاعها!! الاغنية في المضمون، انا مع السرعة ان اعطتني مضمونا جديدا، ومع البطيء ان اعطاني مضمونا جيدا. ـ عرض لك من خلال الشاشات الفضائية مسلسل ناظم الغزالي، ولاحظنا انك قد قمت باداء الاغاني التي اداها الراحل ناظم. ماذا اضافت هذه التجربة لسعدون الفنان الذي لا يقل شهرة عن ناظم الغزالي؟ ـ عندما يأتي تلميذ متأثر باستاذه مهما غنى بشكل جيد فسوف لن يصل لدرجة الاستاذ حتى وان كانت حساباته مع نفسه، ان يكون اقل قدرة من الاستاذ الذي تعلمت منه كيف اغني، ومهما اديت بشكل جيد اغنيات الراحل ناظم الغزالي، سوف لن اصل الى مقدرته في الغناء، لاني مازلت تلميذا يدور في دائرة هذا الاستاذ الذي تعلمت منه وان اديت جيدا فهذا توفيق من الله، ولكن يبقى ناظم الغزالي هو الكبير، ونحن التلاميذ الصغار. ـ يقال ان اخصب مرحلة فنية لك تلك المحصورة بين كوكب حمزه وطالب الفرغولي ومحسن فرحان المرحلة التي تلتها اقل منها اهمية، كيف تنظر لهذا الذي يقال؟ ـ صحيح أن فترة السبعينات ليست بالنسبة لي وحدي هي فترة خصبة بل في عموم الاداب والفنون ولجميع الفنانين من أبناء جيلي، الفنان فاضل عواد وياس خضر وحسين نعمه ورياض احمد وفؤاد سالم، أما فترة الاستهلاك التي جاءت بعد الثمانينيات لم تصب الموسيقى وحدها. وإنما على كل الايداع العربي، في المسرح، والسينما، والاداب، ولذا اتساءل أيضا، اين السينما والآداب،واين السينما العربية الان؟ اين المسرح العربي؟ اين الشعر العربي العظيم الذي انجب العمالقة؟ اعتقد ان هذه الفترة هي فترة التردي العربي، واول ظهور لهذه التردي ظهر في فنون الناس، والتي هي الموسيقى، الشعر، المسرح، السينما، وهذه الفترة لا تقارن بالفترة التي نضجت فيها الفنون والآداب العربية ابداعيات لم تنس على مر التاريخ. ـ كثير من المطربين العرب المهمين في الساحة العربية الغنائية كانوا لا يعرفون سوى اثنين في الغناء العراقي، هما ناظم الغزالي وسعدون جابر، في حين ظهرت معك اصوات مهمة فلماذا لم تحقق هي الاخرى الانتشار الذي حققتماه انت وناظم؟ ـ اعتقد عندما وصل صوتي الى الاسماع العربية بعد ناظم الغزالي لم اكن قد خططت لذلك ولهذا لم يكن في مخيلتي او حلمي ان انتشر عربيا لكني اخترت المفردات المفهومة عربيا. رغم اني من جنوب العراق ومن محافظة مبيسان بالذات ولكن كانت الاغاني التي اغنيها مفهومة للجميع ابتداء من «ياطيور الطايره» مرورا بـ «عيني عيني» والقائمة طويلة. هذه الاغاني كانت بمثابة الجسر الذي نقل صوتي الى الاسماع العربية كذلك فعل الفنان الراحل ناظم الغزالي من قبلي ثم جاء الان الفنان كاظم الساهر، وخرج عن الغناء العراقي اساسا بلون عربي مطعم بلون عراقي وحقق شهرة كبيرة ايضا. عمان ـ بيان اليوم