شاركت المخرجة والكاتبة المسرحية الجزائرية حميدة آيت الحاج في لجنة تحكيم مهرجان القاهرة الدولي الأخير للمسرح التجريبي، مكثت في القاهرة عدة أيام بعد ختام المهرجان، التقيت بها في ردهة المسرح القومي في انتظار صديقتها سميحة أيوب بعد بروفة مسرحية الناس اللي في الثالث، لم أقصد مناقشتها حول المهرجان الذي انتهت فعالياته بقدر ما أردت محاولة استكشاف أغوار امرأة عربية مثقفة، لها دور في المسرح وفي كتابة السيناريو السينمائي، والأهم انها تعيش هموم بلد عربي تنازعته المشاكل، وله وضعية ثقافية متنوّعة، وقد تخلل حديثها كلمات كثيرة بالفرنسية واللهجة الجزائرية العربية. ـ أرجو أن تعرفينا بنفسك، بنشأتك، حياتك، والمسرح في حياتك؟ ـ أنا مسلمة وقبائلية - بربرية - من بلد عربي وكما تعرف فإن الجزائر بها أجناس ولغات عديدة - مثل اللغة البربرية واللهجة الدارجة الجزائرية. خمسون في المائة منها عربية، واللغة الفرنسية وقد ولدت مع اندلاع الثورة الجزائرية في نوفمبر 1954 - أي لم أولد في حالة طبيعية - حالة نضال وقلق، أهلي كانوا يشاركون في النضال في العاصمة، أمي كانت أمية وأبي كان شاعرا باللغة الأمازيغية وكذا باللغة الجزائرية أقصد الدارجة وهي طبعا عربية. ـ يعني نشأت في وسط لغات عدة؟ ـ أمي أرسلتني الى مدرسة الاخوات الكاثوليكيات درست فيها حتى الاستقلال، ومع الاستقلال صار كل شئ جزائريا فصرت اقرأ وأتعلم كل أسبوع ساعة باللغة العربية. بدأت في المسرح وعمري ثلاث سنوات - مثلت وأنا طفلة في قاعة يطلق عليها الآن قاعة ابن خلدون ثم مثلت في المسرح المدرسي. ـ بداية حميدة الحاج كيف كانت؟ ـ كان أبي يحكي حكايات خرافية، وكان يتمتع بصوت جميل وهو يحكي لنا كل ليلة من ليالي الشتاء حكايات أي أنني منذ طفولتي كان عندي ثقافتان ثقافة فرنسية في النهار - في المدرسة، وثقافة أمازيغية وعربية مع الحكايات التي كان يحكيها أبي ليلا ونحن نشعل الفحم في الموقد الى أن جاءت الثورة فدرست في القسم العلمي، حيث أصر أبي وأمي أن أكون دكتورة وأدرس الطب ولكني لم أقبل فدرست الفلسفة وعلم النفس، وكنت أحضر نفسي للمسرح، وذهبت الى باريس لأستكمل دراستي في علم النفس، ومن باريس ذهبت الى الاتحاد السوفيتي حيث درست لمدة ست سنوات الاخراج المسرحي والسينما. ـ ذهبت الى موسكو في فترة ازدهار مسرحي وسينمائي كيف كان تأثير هذا الجو عليك؟ ـ المسرح في الاتحاد السوفيتي كان عظيما - وما زال المسرح الروسي حتى الآن عظيما وأفضل من المسرح الفرنسي، كانت هناك أسماء كبيرة مثل لوميبوف وباستانوجاف وأندريوف وكان هناك أبو المسرح ستانسلافسكي كما كانت السينما السوفيتية مزدهرة. لكنني لم أشأ أن أقدم مسرحا تقليدا لمسرح الاتحاد السوفيتي. ـ مسرح وطني؟ ـ لا أحب حكاية مسرح وطني، أي لا يتكلم إلا في السياسة. ـ هل قصدت الأصالة؟ ـ نعم، أي لابد أن يكون جزائريا، وكان بحثي في هذا المجال، ورشحت مسرحيتي الأولى أغنية الغابة للدورة الأولى لمهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي 1988 ولكن المسرحية لم تقدم لأنهم في الجزائر وجدوا أن سني صغير 28 سنة، ولهذا أتيت وحدي للمهرجان بدون المسرحية، وقد عرضت في الجزائر وهي عن مسرحية تنيسي وليامز عربة اسمها الرغبة وقد أعددتها بتصرف لتناول مشكلة جزائرية عن موقف الرجل العربي المتشدد ضد المرأة الجزائرية. ثم قدمت يوميات مجنون عن جوجول مع عز الدين مجدوبي، ولم يكن المجنون عندي مجنونا سوفيتيا بل مجنونا جزائريا، وجد نفسه بين حكومة تضطهده وارهابيين يهددونه، فماذا يفعل؟، دفعه جنونه الى أن يقتل كل الناس، وعرضت المسرحية في باريس وبعد يوم واحد من العرض اغتال الارهابيون عز الدين مجدوبي. ظروف الارهاب دفعتنا الى الهجرة الى فرنسا، الأسرة كلها، أختي وهي مخرجة وممثلة وزوجها المخرج وزوجي مصمم الديكور، وبعد هذا قدمت المسرح السياسي. ـ أي دوافع كانت وراء هذا المسرح السياسي؟ ـ كان يجب أن أتكلم عن قتل ثقافة شعب لأن الثقافة الجزائرية غنية، عربية واسلامية، وبربرية وكذا ثقافة فرنسية، الثقافات تجعل عقل الانسان متفتحاً يعطي ويأخذ، يستفيد من التكنولوجيا كما في الفنون، ويحترم الآخر ويتسامح مع الناس، وكان الارهاب يرفض هذا التسامح، كما أنهم في أوروبا لم يكونوا يفهمون ثقافتنا، يقولون إنكم بربريون أو فرنسيون إنكم لستم عربا، من هنا كان اهتمامنا بتقديم ثقافتنا المتعددة الثرية عن طريق المسرح، الأساس لغة فرنسية لأننا في فرنسا والجمهور فرنسي، ولكن تدخل اللهجة الجزائرية واللغة العربية واللغة الأمازيغية، كنت أفكر نفسي في المسرح بلغة روسية حيث درست - أرسم - أخطط - بلغة فرنسية - أبكي بلغة أمازيجية - أحب بلهجة جزائرية؟ ـ حسنا، ماذا قدمت في هذا الاطار؟ ـ مسرحية خنجر في الشمس لكاتب من أحسن الكتاب الجزائريين ولكن ثقافته كانت فرنسية وهو جان سيناك، نحن بلاد الشمس في الجزائر ولكن الارهاب يحمل خنجرا ضدها، قد يبدو العنوان رمزيا ولكن العرض لم يكن رمزيا، تعرضنا لواقع الجزائر وفتحنا العرض برقصة مزيج من الرقص الافريقي والرقص المصري، فنحن نحب الرقص المصري كما نحب غناء أم كلثوم. وقد فاز العرض بجائزة أحسن مسرحية في باريس وجائزة أحسن موسيقى. بعد هذا استدعتني جمعية نسائية في الجزائر لأقدم مسرحية الغنيمة حول قانون الأسرة وحقوق المرأة الجزائرية المنتهكة من قبل المتطرفين فلم تكن المرأة عندهم إلا متعة وقد شاهدها بعض الفرنسيين في الجزائر وطلبوها حيث قدمت في جرينوبل، كما أخذها الانجليز وترجموها وقدموها في لندن ومانشيستر وأرسلوها الى استراليا حيث نالت جائزة وتقدم حاليا بالايطالية ثم بعد هذا بالدنمركية. ـ وعدت الى القاهرة بعد هذه السنوات؟ ـ أسعدني أن أعود الى القاهرة بعد انقطاع أكثر من عشر سنوات، كان بودي أن أعاود العلاقة لكي أرى كيف يسير المسرح العربي والمسرح العالمي، وأن أبحث لأنني انقطعت عن البحث منذ سنوات غير قليلة كنت لا أقدم فيها إلا المسرح السياسي، وأنا فرحة كثيرا لأنني أصبحت طالبة أشاهد وأتعلم وأتكلم بكل حرية. ـ كيف فاز العرض الفلسطيني حكايات في زمن الاحتلال بالجائزة الكبرى؟ ـ كانت معي السيدة سميحة أيوب أصبحنا مع كل أعضاء اللجنة أصدقاء، ولكن مع سميحة شئ آخر فهي إنسانة ذات مبادئ - كان جميع أعضاء لجنة التحكيم يستمعون الى سميحة أيوب بكل احترام وبالنسبة للعرض الفلسطيني كان موقفنا - سميحة وأنا - حرجاً لأننا عربيتان، وجدنا نصا جيدا وعملا على مستوى عال مأساة موت يومية. أمريكا تبكي اليوم بسبب أحداث نيويورك وواشنطن أما الفلسطينيون فإنهم يقتلون كل يوم يموتون ويضحكون كان من الصعب أن نضحك - نضحك ونحن نبكي - وقد تفهم أعضاء اللجنة قيمة العرض وكان منطق سميحة أيوب مقنعا لا يجرؤ أحد أن يقول له لا، تكلمت سميحة من قلبها بصدق بدون هيستريا. ـ هل ترين أن فكرة التجريب التي استهدفها مهرجان القاهرة قد أثمرت في الأرض المسرحية العربية؟ ـ العرض التونسي خير دليل، العرض المصري لوليد عوني كان محاولة للتجريب، التجريب أمر أساسي بالنسبة للمسرح العربي. كانت هناك محاولات مثل مسرح معلولة في الجزائر. ولكن عامة المسرح العربي كان تقليديا. المسرح المصري تقليدي تأثر بالمسرحين الفرنسي والانجليزي جميل أن تخرج من القاهرة - المركز - فكرة مهرجان دولي للمسرح التجريبي لكن أتمنى أن تخرج فكرة اقامة مهرجانات تجريبية مصغرة في كل بلد عربي وأتمنى أن يتم تبادل بين تجارب المسارح العربية مخرج جزائري يأتي الى القاهرة أو مخرج تونسي الى دمشق، لابد من البحث، بحث في الاخراج، بحث في الكوريجراف - لماذا لا تدعو المخرجين المبدعين الفائزين في مهرجان القاهرة الى بعض البلدان العربية ليقدموا لنا تجاربهم؟ إن يعلموا أجيالنا الجديدة أسرار ابداعاتهم نستفيد من خبراتهم. ثم هل هناك مجال للتجريب في مدارسنا ومعاهدنا المسرحية؟ في الجزائر لا مجال بسبب الارهاب وعدم استقرار الأمور وتغيير الوزراء - كان في الجزائر إثنتا عشر امرأة مخرجة - اليوم ليس إلا ثلاثة، إثنتان منهن أنا وأختي - أختي فوزية قدمت رحلة حب في مهرجان القاهرة الأول، حاليا تقدم على مسرح اليونسكو بباريس أمام 1400 مشاهد. القاهرة ـ فوزي سليمان