لم يتوقف الانسان منذ قديم الزمان عن بحثه الدائب عن اكسير الشباب الذي يطيل العمر ويحافظ على ربيعه فيجعله دائما، وظل مثابرا في سعيه لاكتشاف عقاقير او مواد توقف عملية الشيخوخة وتبقي الانسان متنعما بشبابه. عن بعد ثلاثين ميلا الى الشمال من مدينة سان فرانسيسكو وعلى تلة محاذية للطريق السريع رقم «101» تنتصب مجموعة من المباني الجيرية البيضاء .. اما اتعاب المهندس المعماري آي. ام باي، الذي صمم هرم اللوفر ايضا، وكذلك مبلغ الخمسين مليون دولار التي استخدم في بناء تلك المباني، فقد جاءت من صندوق خاص بشخص محسن توفي منذ فترة طويلة يدعى بيريل باك. انه مجمع مرتب وأنيق ويعتبر نصبا ملهما للتفاؤل الانساني في القرن الحادي والعشرين، وفي مكان ما من ممراته جيدة التهوية، يقوم فنيون يرتدون معاطف بيضاء بتجريع الفئران عقاقير تجريبية لا لتشفيها من أية امراض وانما في اطار محاولة لابطاء سرعة شيخوختها ووفاتها. وتعتبر وصفات ينبوع الشباب المتنوعة قديمة وساذجة قدر سذاجة الانسان نفسه. لكن الفئران في معهد باك لبحوث الشيخوخة يمكنها ان تحسب نفسها محظوظة، فالمستحضرات الموجودة في اواني التغذية الخاصة بها تتمتع باوراق اعتماد علمية خالية من الاخطاء والعيوب وتعتبر هذه المستحضرات التي تحمل الاسماء الرمزية ايوك ـ 8 وايوك ـ 134، والمعروفة عموما باسم الكناسة الحفازة ـ تعتبر نتاج سنوات من العمل المخبري. وفي العام الماضي صعدت هذه العقاقير الى مستوى النجومية بعد ان قام علماء بتغذيتها لديدان خيطية. وعاشت الديدان حياة اطول من المعتاد بـ 50% والافضل من ذلك هو ان هذا الامر لم يتطلب سحرا لتفسير حدوثه. فقد بدا ان المستحضرات تعمل عن طريق تدمير المواد السائبة، وهي السموم المؤكسدة الشهيرة التي تفرزها الخلايا جميعها عندما تحرق السعرات الحرارية. ولكن، بالطبع، فان البشر ليسوا ديدانا كبيرة، وهذا ما يثير تساؤلا حول امكانية نجاح هذه الكناسات معنا. ومما يبعث على الاحباط ان معهد باك لا يتحدث عن كيفية جريان الامور مع الفئران. وقد لا يكون هذا الامر مفاجئا. فعلى امتداد آلاف السنين، سعينا لمعرفة سر الشباب الدائم. ومع ذلك لم نتمكن ابدا من ايجاد حبة او جرعة او فيتامين قادر على اطالة حياة حيوان ثديي. واذا انتهى الحال بفئران باك ان تعيش فترة طويلة بعد انتهاء عمرها الافتراضي، فان ذلك لن يكون مجرد قصة اخبارية اخرى. وانما سيكون ذلك اكتشاف العقد العلمي. كما ان ذلك سيعزز الاعتقاد بان «علاجا» للهرم البشري بات في المتناول، وتتنامى آمال البشر على هذه الجبهة بشكل مضطرد منذ سنوات بفعل الاثارة التي تستقبل كل اكتشاف مخبري يتحدى الموت لبضعة اسابيع وكل محاولة لتعقب الاساس الوراثي للعمر الطويل لدى البشر. والتفاؤل بهذا الخصوص ليس حكرا على الصحفيين الذين يكتبون عن الآفاق المستقبلية للمحافظة على الشباب لفترة اطول. يقول توم كيركوود، استاذ علم الشيخوخة في جامعة نيوكاسل: اننا نعرف الآن ان الشيخوخة ليست حتمية ولا ضرورية فاللافت للنظر ان شقائق البحر وحيوان الهدرة في المياه العذبة لا تظهر اية علامات على الشيخوخة وهناك انواع عديدة من الاسماك والسلاحف الضخمة تعيش فترة اطول من الانسان واذا كانت الزواحف التي لديها صدفة (درع) تعيش لمدة 177 سنة، فلماذا لا نعيش نحن هذه المدة؟ ويطرح التساؤل نفسه عالم الاحياء التطوري ما يكل روز. ومثلما يقوم اصحاب خيول السباق بتنسيل الحيوانات بشكل انتقائي للحصول على سرعة اضافية، فان روز امضى الجانب الاكبر من العقد الماضي في تنسيل ذبابة الفاكهة بشكل ابتقائي لكي تعيش فترة اطول في مختبره بجامعة كاليفورنيا في لوس انجلوس ولديه الآن ذباب يعيش بفضل جيناته الى عمر 130 يوما بدلا من العمر المعتاد البالغ 40 يوما. ويعتقد روز ان مانجح مع الذباب سينجح حتما مع الانسان وصولا الى حالة اقرب من الخلود. ويراهن ستيف اوستاد من جامعة ايداهو على ان شخصا يعيش اليوم يمكن ان يظل على قيد الحياة حتى عام 2150. ويجري حاليا تخصيص مبالغ مالية من الحكومة الفيدرالية الامريكية لاجراء تجارب على الانسان لاسلوب يعمل على ابطاء عملية الشيخوخة. وفي وقت لاحق من هذا العام، وفي ثلاثة مراكز اختبار منفصلة، سيبدأ متطوعون بمحاولة اطالة حياتهم لامن خلال ابتلاع حبوب دواء عالية التقنية وانما من خلال التجويع. وهذه الخطوة لم يتم استلهامها من بعض النظريات الغريبة وانما من خلال المعرفة المثبتة بان الفئران اذا ما اعطيت ثلثي ما تتناوله عادة من طعام فانها تعيش فترة اطول بنسبة 50% وهذا التأثير يعرفه العلماء منذ 65 عاما، ولكن التجارب الجديدة ستكون اول محاولة جادة لمعرفة ما اذا كان الاشخاص الذين يحرقون سعرات حرارية اقل يشيخون ببطء اكبر ايضا. وفي الواقع انه سيكون هناك ماهو اكثر من ذلك. فحتى الآن، لم تعتبر سوى امراض معينة مثل السرطان ومرض القلب اهدافا ملائمة للتجارب المخبرية. وفي انفاقها 205 ملايين دولار على تجارب تعتبر التقدم بالسن حالة مرضية قابلة للعلاج، فان الحكومة الامريكية تشير الى تغير في موقفها. وبالطرق المختلفة فان فئران بيرل باك وأولئك الاشخاص المتطوعين للتجويع باسم اطالة العمر يسجلون سابقة قد توسع نطاق علم الطب الى الابد. ضرار عمير


