بيان الكتب: من إصدارات منشورات «الاختلاف» في الجزائر صدر ضمن سلسلة «اللغة الأخرى» كتاب «الحمار الذهبي» أول رواية في تاريخ الانسانية من تأليف الافريقي لوكيوس أبوليوس وترجمة د. أبو العيد دودو. يعد أبو ليوس واحداً من الأفارقة، أو من شمال افريقيا، الذين برزوا في ميدان الأدب اللاتيني إلا انه فاقهم جميعاً من حيث شمولية معارفه، وتنوع كتاباته في المجالات العلمية والميادين الأدبية والشعرية خاصة الكتابات القصصية والروائية وان لم يصلنا منها غير جزء ضئيل ومن ثم اعتبر أبوليوس بحق ممثل اللاتينية الافريقية ووصف بأمير خطباء افريقيا وأكثرهم نفوذاً وشهرة في عصره، حتى ولو أهمله معاصروه من الأدباء ولم يتحدثوا عنه. وليس هناك في الحقيقة ما يمنعنا من ان نعتبر روايته «الحمار الذهبي» ثاني رواية ظهرت في العالم، إن صح حقاً ان رواية غايوس بيترونيوس (66م) وهي رواية «ستيريكون» الساخرة التي وصلتنا ناقصة، ان صح انها كانت الأولى فعلاً، غير ان رواية أبوليوس تعتبر على أي حال أول رواية قديمة وصلت إلينا كاملة، وشكلت نوعاً أدبياً جديداً، هو النوع الذي يعرف اليوم بالرواية الاطارية، التي تضم مجموعة من القصص من جهة وبالرواية الأنوية أو الرواية، التي يرويها المؤلف نفسه بضمير المتكلم من جهة أخرى، وهناك العديد من الروايات الحديثة والمعاصرة، التي كتبت بالطريقة نفسها. يدرك قارئ الرواية منذ البداية انه في جو يوناني، فالمؤلف نفسه يشير إلى ذلك في مطلع الرواية ومن ثم ليس هناك من شك ان مصادرها التي استمدت منها يونانية محضة. ورواية الحمار الذهبي في واقع الأمر محاكاة ساخرة ولكن هذه المحاكاة لا تنتمي إلى طبيعة القصة اليونانية كما نجدها في رواية ستيريكون، التي هي هجائية أساساً، وإنما هي تنتمي إلى أنموذج قصة المغامرات أو المخاطرات ومن ثم يبدو ان التحول الساخر من إنسان إلى حمار قد تكون له صلة أيضاً بتغيير الجنس الأدبي من الملحمة الشرعية إلى الملحمة النثرية، وعلى هذا فهي ليست رواية هجائية بأتم معنى الكلمة، إذ هي تجمع بين السخرية والاستعراضية والفكاهية والهزلية الماجنة والنكات الخلقية والهجائية اللاذعة اضافة إلى مراعاة الحالات الوجدانية المتصلة بالمواقف المختلفة لشخصياتها الفاعلة، خاصة وان لأسمائها دلالات محددة في معظم الأحيان. ويتأكد هذا في طريقة التأليف التي هي إلى الحرية أقرب منها إلى التقيد بالمعايير الصارمة المتسمة بطابع التحرير الصحفي المناسب لهذا النموذج القصصي، غير انه لا يخلو من مشاهد القسوة والجريمة والغرابة والجنس المقنع من حين لآخر، ومن مميزات الرواية كذلك أسلوبها المتنوع الذي يتراوح بين عدد من المستويات واللهجات الخاصة والعامة ويتجلى في بناء لغوي محكم. وفيما يرى أبو العيد دودو ان رواية الحمار الذهبي ليست عملاً إبداعياً، وإنما هي عمل يقوم على مصدر يوناني غير انه قال: انه لا يمكن اعتبارها مجرد ترجمة، ذلك أن أبوليوس بغض النظر عن التغييرات الكثيرة قد تجاوز مصدره من ناحيتين، إذ أخذ المصدر اليوناني على انه اطار لاضافة حكايات مماثلة، تخترق مسير الحدث المستقيم ولا تنضم إلى الحد الرئيسي في أغلب الأحيان إلا بصورة آلية، وليس من الممكن طبعاً معرفة ما إذا كان أبوليوس قد ابتدع بعض هذه القصص أم أخذها من غيره، إلا انه ليس من المستبعد ان يكون قد اعتمد هنا على مصادر أجنبية أو محلية، خصوصاً فيما يتعلق بالأعمال السحرية التي كانت في الشمال الأفريقي القديم ثم ان أبوليوس تجاوز المصدر اليوناني، وان لم يكن هذا التجاوز في صالح هذا المصدر، عندما حل في نهاية الرواية محل بطله، وتحدث فيها عن حياته الخاصة، ففصل بذلك الحدث الرئيسي عن مجراه واهتم بتمجيد عبادة الإلهة إيزيس. حيث ان معاناة البطل عند أبوليوس تبدو بسبب النهاية غير العضوية بمثابة تجارب حياتية تجد حلها في الأسرار المقدسة، فحطمت هذه الازاحة الوحدة الفنية للرواية، وجعلت البطل شخصية متذبذبة بين الرغبة في الرهبنة حباً في القداسة وبين الاستقامة ميلاً إلى ممارسة الحياة الخاصة. وأسلوب الرواية مليء بالعبارات الشعبية والاقتباسات الأدبية القديمة، متوفر على المحسنات البلاغية وشيء من الشاعرية، وهو يبدو وعاءً مناسباً للرواية، يترك في كل قارئ سحراً خاصاً حسب ما يكون لديه من قدرة الفهم والاستيعاب. ولا شك ان أبوليوس كان على حق حين خاطب القارئ في بداية الرواية قائلاً: انتبه ستنال حظك من التسلية! والرواية تفتننا حقيقة، وتحملنا على مواصلة القراءة حتى النهاية. محمد عبيدو