بيان الكتب: ضمن فترة قياسية «سنة ونصف السنة» صدرت بالعربية ثلاث روايات مترجمة عن التركية للكاتب العالمي اورهان باموق، الاولى بعنوان «القلعة البيضاء» وقد صدرت عن دار ورد بدمشق «وعرضنا لها في العدد 138 من بيان الكتب ـ تاريخ 25/12/2000»، والثانية بعنوان «اسمي احمر» صدرت عن دار المدى، دمشق 2000، والثالثة هي «الحياة الجديدة» التي بلغت مبيعات الطبعة الانجليزية منها رقما يشبه الارقام الكاذبة، وهو عشرة ملايين نسخة! وهي التي خرق باموق بها ـ لأول مرة ـ القاعدة المتعارف عليها في تركيا، وهي ان يكون اكبر رقم مبيعات الكتب دائما لعزيز نسين، فصدرت الطبعة الاولى منها، ومن دون خوف او وجل برقم «200 الف نسخة». وللوقوف على سر هذا الاقبال على اعمال هذا الكاتب اقول ان من عادة باموق انه يكتب الرواية كمن يحفر بئراً عميقاً بواسطة ابرة التطريز، وأية فكرة يتخذها محوراً لعمله الروائي، مهما تكن صغيرة ومهملة تقوده الى رسم بانوراما «انسانية ـ اجتماعية ـ تاريخية ـ جغرافية ـ سياسية ـ فلسفية» لتركيا والعالم بشقيه المتقدم والمتخلف. في مطلع هذه الرواية يقول الراوي : قرأت كتابا غيّر مجرى حياتي كلها ولكن ما هو هذا الكتاب؟ ومن هو مؤلفه؟ وما هي الافكار التي تختبيء في ثناياه؟ كل هذه الاسئلة في حكم «المجاهيل» الرياضية، ومن ثم فإن الراوي يصطحب القاريء معه في رحلة البحث عن الاجابات الممكنة لهذه الاسئلة ـ المجاهيل. ثمة بنت اسمها جانان «والاسم يعني المعشوق بالمعنى الصوفي» يتعرف عليها الراوي، وهي تحدثه عن شاب يدعى «محمد» احبته من قبل، ومحمد تعرض للمشكلة نفسها: قرأ الكتاب نفسه، فتغيرت حياته، ثم قتل في ظروف غامضة. تنشأ علاقة حب جميلة بين الراوي وجانان، على محور وخلفية الكتاب نفسه، ويخرجان معا، يركبان الحافلات ويضربان في ارجاء البلاد بحثا عن: اسرار الكتاب، وعن محمد الذي قتل بسببه، وعن المؤلف الذي لم يكن سوى العم «رفقي هاط» الذي كان يكتب ويرسم اجمل سلاسل كتب الاطفال. العم رفقي يعرف الراوي نفسه ويعرف طفولته، ولعله قد كتب الكثير من اعماله متأثرا بهذا الفتى ثم انه يأخذ خلاصة كتبه وسلاسله ويخرج منها بكتاب «الحياة الجديدة» الذي سببه الكثير من المشاكل مع جهات اجتماعية مسيطرة، وجهات امنية حتي ان تخليه عن الكتاب لم يشفع له فقتل اخيرا في ظروف غامضة. تبلغ اللعبة الروائية ذروتها بتعرف الراوي على الدكتور نارين، الرجل المتسلط الذي يقف على رأس مؤسسة اقتصادية وسياسية وامنية ضخمة وكأنه صاحب دولة قائمة بذاتها، ويتبين ان نارين هو والد الشاب ناهد الذي تحول اسمه الى محمد واحبته جانان بسبب ولعهما المشترك بكتاب الحياة الجديدة. وقد كلف نارين عدداً لا يستهان به من المخبرين لمراقبة ابنه محمد، وقد اسماهم بأسماء الساعات «ترميز لاهمية عنصر الزمن عند المؤلف» سايكو وزينيت وسركيسوف.. ونارين يفاوض الراوي على ان يتبناه بدلا من محمد «ناهد» القتيل. واذ يقبل الراوي بذلك بعد تردد سرعان ما يتحول الى قاتل مرسل بمهمة من نارين، لتصفية عثمان جسديا، وعثمان هذا هو الحلقة الثالثة من قارئي كتاب الحياة الجديدة «ناهد ـ محمد ـ عثمان». وبضربة معلم: تختفي جانان من حياة الراوي. وينتقل من ثم للضرب في ارجاء البلاد مستقلا الحافلات التي ياما استقلها مع جانان، باحثا عن : صاحب معمل كرميلا «الحياة الجديدة» التي كانت شائعة قديما وكأنها العملة النقدية الصغيرة، وعن سبب تسميتها بهذا الاسم، وعن جانان التي فقدها وعن قراء الكتاب واسرار وجوده ومحاربته بهذه الشراسة تاركا وراءه زوجته التي ارتبط بها بعد غياب جانان وابنته التي خلفها منها. فماذا وجد؟ كان كل شيء تقريبا قد تغير الحافلات والمحطات، وانواع الكراميلا، والكتب والجغرافيا ووسائل العيش، وحتى امبراطورية الدكتور نارين الجبارة، تفسخت، وحلت محلها امبراطوريات صغيرة اسسها الاشخاص التابعون له الذين كان يعتمد عليهم في التجسس على ابنه، ويعلق باموق على لسان الراوي قائلا: هذا هو الحال في الدول المتخلفة كلها. ولكن ما هي الحياة الجديدة التي ينشدها كاتبنا الالمعي؟ أهي تشكيلة حياة الغرب الاجتماعية الاقتصادية السياسية ام تشكيلة حياة الشرق؟ اهي في المادة، ام في الماورائيات؟ ان كاتبا من هذا الطراز يستحيل ان يشير الى نمط حياة محدد في سياق عمل ادبي ليس من اختصاصه اساساً التحديد والتأطير والتفقيط، انه يطرح اسئلة، وينتقد مظاهر وانماطاً من دون ان يبدو عليه ان ينتقد او يعيب. واخيرا وبمعنى اخر: ان اهم مفتاح يعطيه الكاتب للولوج الى عالم «الحياة الجديدة» هو مفتاح البحث، ابحثوا عنها ولا ريب في انكم سوف تجدونها وتعيشونها وتسعدون بها. خطيب بدلة