بيان الكتب: مما لاشك فيه أن قضية المسلمين في العصر الحالي تعتبر في المقام الأول قضية حضارية. ومن ثم فإن الحضارة تعد من هذا المنطلق فريضة إسلامية من شأنها أن تمسح عن المسلمين عار التخلف العلمي والإنحطاط الحضاري ووصمة الأمية والجهل. ان الحضارة بوصفها فريضة لا تقل في اهميتها للمسلمين في عالم اليوم عن أي فريضة أخرى من فرائض الإسلام الأساسية مثل: الصلاة والصوم والزكاة والحج.. وأن العمل من أجلها يعد عبادة لله سبحانه وتعالى. وهذا الفهم الصحيح للحضارة يمثل اليوم بالنسبة للمسلمين ضرورة ملحة أكثر من أي وقت مضى.. حتى تستطيع الأمة الإسلامية أن تتبوأ المكان اللائق بها على خريطة العالم في الألفية الجديدة. حول هذه القضية يقدم لنا الدكتور محمود حمدي زقزوق كتابه الجديدة: الحضارة فريضة إسلامية الذي يحتوي على ثلاثة فصول.. ويقع في 120 صفحة. دائرة الإنسانية في الفصل الأول يؤكد المؤلف أن مفهوم الحضارة مرتبط بمفهوم التقدم.. فالحضارة نقلة تقدمية بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى: تقدميه في الفكر وفي السلوك وفي أسلوب التعامل مع الناس والأشياء. وهذا كله في إطار منظومة من القيم تتعدى الإطار القبلي الضيق إلى دائرة الإنسانية الأوسع والأرحب. وقد كان للإسلام دور كبير في تنبيه الأذهان إلى هذه الدائرة الجديدة مؤكدا على العنصر الإنساني الشامل.. حيث يقول الله تعالى في سورة الحجرات: «يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا». وهذا التعارف يقتضي التفاهم والتعاون المشترك في سبيل ترسيخ قيم إنسانية مشتركة تسع الناس جميعا في كل زمان ومكان كما تعبر عن ذلك الآية الكريمة من سورة المائدة: «من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن احياها فكأنما أحيا الناس جميعا». وإذا كانت هناك ابعاد أساسية ينبغي أن تتوافر في أي مشروع حضاري حقيقي.. لعل أهمها: البعد الإنساني والبعد الأخلاقي والبعد التقدمي والبعد الديني والبعد الثقافي والبعد التوازني وبعد التعددية الحضارية. فإن كل هذه الأبعاد مكتملة تتوافر بالفعل في تعاليم الإسلام. فالإسلام قد كرم الإنسان وفتح أمامه المجال للإنطلاق بلا حدود في آفاق العلم والمعرفة من أجل إعمار الأرض ودفع عجلة التقدم في المجتمع البشري.. وأمرنا أن نسير في الأرض وندرس ما كان من أخبار السابقين ونستفيد من كل الخبرات البشرية.. فالحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها أخذها. وتعاليم الإسلام تحرص على تأكيد مبدأ الوسطية وإقامة التوازن بين متطلبات الإنسان المادية والعقلية والوجدانية.. وفضلا عن ذلك فإن الإسلام يعد دين الإنسانية بتأكيده القاطع على حرمة النفس. وجعله الاعتداء على أي فرد من أفراد البشرية بمثابة اعتداء على الإنسانية كلها. وكل هذه الأبعاد محوطة في الإسلام بسياج من القيم الاخلاقية الرفيعة . ومن هنا لخص رسول الله صلى الله عليه وسلم رسالته كلها في عبارة جامعة حين قال: إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق. ومن كل ذلك يتضح لنا أن الحضارة بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى.. تعد فريضة إسلامية وواجبا دينيا وعنصرا أساسيا من عناصر دين الإسلام. أزمة طاحنة وفي الفصل الثاني يوضح المؤلف أن العالم الإسلامي يعاني في العصر الحاضر من أزمة طاحنة متعددة الجوانب.. ففي الوقت الذي تتلاحق فيه التطورات العلمية والفكرية والحضارية في مناطق العالم المتقدم إذا بنا نرى التخلف بكل أبعاده المادية والمعنوية.. العلمية والدينية.. الفكرية والحضارية يخيم على العالم الإسلامي. وقد حدا ذلك ببعض خصوم الإسلام في الغرب إلى الصاق هذا التخلف بالإسلام نفسه.. اذن هو في زعمهم دين يشد إتباعه إلى التخلف حيث يشكل عائقا أمام التقدم العلمي والتطور الحضاري.. وذلك بما يشتمل عليه من تعاليم جامدة وتشريعات صارمة تحد من الإنطلاق في مجالات التمدن والحضارة والرقي والتقدم. ويستدل خصوم الإسلام على مقولتهم هذه بالواقع المشاهد في العالم الإسلامي.. فهذا العالم الإسلامي كله يقع اليوم في صف العالم الثالث المتخلف.. فإذا كان الإسلام دين حضارة وتقدم لما وجدنا هذا الوضع المتخلف في عالم الإسلام .. وهكذا يرجعون هذا التخلف إلى الإسلام ذاته.. ويرون أن تحرر المسلمين من أسر هذا التخلف مرتبط بالتحرر من الجمود الإسلامي والأخذ بالنموذج الغربي الذي دفع بالغرب إلى قمة التقدم والحضارة. وليس من غرضنا هنا أن نشغل أنفسنا بالرد على هذه المزاعم.. فالاشتغال بذلك يعد لونا من ألوان ردود الأفعال التي لم يعد يجدر بنا أن نقف عندها طويلا.. بل ينبغي علينا أن نقتحم المشكلات المحيطة بنا بأسلوب عقلاني بعيد عن الإنفعالات العاطفية.. بصرف النظر عما يقال هنا أو هناك.. من أجل البحث عن حلول سليمة لمشكلاتنا المصيرية.. وعلى رأسها قضية التخلف الحضاري الشامل الذي لا يخفى على أحد.. وذلك على الرغم من وجود قشرة حضارية يلمحها الفرد هنا أو هناك. أننا كمسلمين لا نستطيع أن ننكر أن واقع الأمة الإسلامية واقع متخلف ومحزن ويدمي النفس الإنسانية.. ولكن لا نستطيع أن ننكر في الوقت نفسه أن هذا الواقع المحزن منفصل عن النموذج الإسلامي الحضاري بمئة وثمانين درجة.. ولم تستطع الصحوة الإسلامية المعاصرة أن تقترب حتى اليوم بطريقة جدية من هذه القضية المصيرية الأولى.. بل ظلت حتى يومنا هذا مشغولة بمحيط الدائرة وببعض المظاهر الشكلية والأمور الهامشية. ومهتمة بالجزئيات دون الكليات.. واختلط لديها سلم الأولويات.. فانقلبت الضروريات هامشيات.. والهامشيات ضروريات.. وغابت معالم الرؤية الواضحة المستنيرة.. وضاعت أصوات العقلاء من رواد هذه الأمة وسط ضجيج الإنفعالات العاطفية التي تتصف في بعض الأحيان بشد حدتها وإنفلات وعيها بما يدور حولها في عالم اليوم. ان العقلية الإسلامية تحتاج إلى تحول جذري حتى تنسجم مع تعاليم الإسلام تصحيحا للأوضاع الغريبة والتقاليد البالية والقصور العقلي والفهم السقيم الذي يريد أن يشد تعاليم الإسلام لتنسجم مع مادرجنا عليه من عقلية متخلفة .. فالعيب إذن فينا نحن المسلمين وليس في الإسلام.. فالإسلام سيظل شامخا بتعاليمه إذا أشرأبت أعناق المسلمين وقلوبهم وعقولهم نحوه بصدق جذبهم إلى أعلى.. وإذا أرادوا أن يخضعوه إلى فهمهم السقيم تخلى عنهم وتركهم يسقطون في هذه التخلف. لقد اهتم الإسلام بالحضارة منذ بداية عهده.. وجعلها في قائمة أولوياته.. وهذا ما فهمه المسلمون في السابق.. وبذلك استطاعوا في فترة زمنية قصيرة ان يقيموا أعظم حضارة في التاريخ. الفطرة الانسانية وفي الفصل الثالث يتحدث المؤلف عن التجديد في الفكر الإسلامي مبينا أن الإسلام بطبيعته دين يتمشى مع سنن الحياة ولا يصادم الفطرة الإنسانية.. ومن هنا يشجع الإسلام التجديد المستمر لحركة الحياة والمجتمع من أجل الوصول إلى الأفضل في جميع مجالات الحياة. وقد جاءت الدعوة إلى التجديد واضحة وصريحة في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها دينها. وتجديد الدين في تفسير شراح الحديث من القدماء يعني أحياء السنة وإماتة البدعة أو أو كما يقول العلقمي-معنى التجديد إحياء ما اندرس من العمل من الكتاب والسنة والأمر بمقتضاها. وقد يبدو أن هذا الفهم القديم للتجديد لا يشتمل على أي إضافة جديدة.. أو على تجديد بالمعنى المعروف لهذا المفهوم.. ولكننا نستطيع أن نلحظ في هذا الفهم القديم للتجديد الوارد في الحديث النبوي تجديدا حقيقيا لأنه من ناحية مرتبط بالكشف عن الفهم السقيم للدين الذي يعزله عن الحياة.. ومن ناحية أخرى مرتبط بجلاء مرآة الدين.. وذلك بإزالة كل ما علق بها من شوائب وعادات وتقاليد غريبة عن جوهر الدين الصحيح. وهذا كله من شأنه أن يعيد للدين صفاءه ونقاءه.. ويتيح تلك الفرصة لقراءة الدين قراءة صحيحة بعيدة عن أقوال هذا أو ذاك ممن يدعون الغيرة على الدين وهم يسيئون إليه من حيث يشعرون أولا يشعرون.. وعندئذ يتبين المرء أن الدين ليس كما يصوره المنغلقون - مجرد شعائر أو رسوم أو طقوس معينة.. وإنما هو دين يشتمل على العقيدة والشريعة والأخلاق والحضارة.. ويحض على العلم والمعرفة ويفتح الطريق على مصراعيه لكل تقدم علمي وبشري.. وفي ذلك كله من التجديد ما فيه. القاهرة ـ مصطفى علي محمود