وسط القدر المشئوم والكآبة البيئية في بريطانيا، تبرز حقيقة مشجعة. فثعلب الماء الذي كان قد اقترب من حافة الانقراض في مناطق عديدة من بريطانيا، أخذ يعود الى وضعه السابق. ويقول جراهام روبرتس، مسئول مشروع ثعالب الماء والأنهار في صندوق هامبشاير للحياة البرية: «هذه قصة عظيمة في المحافظة على البيئة، فنحن نفقد انواعا من الحيوانات باستمرار، ولهذا فإنه لأمر عظيم ان نرى شيئا يكافح للعودة». كان ثعلب الماء الذي خلّدته كتب مثل «تاركا ثعلب الماء» و«حلقة في مياه صافية» شائعا في المناطق المحيطة بالقنوات المائية في الريف البريطاني مع انه كان في بعض الاحيان يتعرض للقتل باعتباره ضارا بالثروة السمكية. لكن المبيدات الحشرية «أورجانوكلورين» التي دخلت حيز الاستخدام في عام 1957 كان لها أثر مدمر على ثعلب الماء، فهذه الكيماويات القوية كانت تضاف كغطاء لبويضات الحشرات، وتستخدم في مغاطس الخراف في انحاء العالم الغربي، مما تسبب في انهيار سريع وكبير لنطاق واسع من الحياة البرية. ومع نهاية الستينيات من القرن الماضي، كان ثعلب الماء قد انقرض من معظم مناطق السهول الزراعية في انجلترا واعداده انخفضت بشكل كبير من مزارع الاغنام المرتفعة. ولكن سنوات السبعينيات جلبت معها المساعدة من أصدقاء هذا المخلوق من البشر. ففي عم 1972 أسس فيليب وجين واير صندوق رعاية ثعلب الماء على الحدود بين مقاطعتي نورفولك وسوفولك. وكانت عائلة واير تملك متنزه نورفولك للحياة البرية، وفي عام 1961 كانا أول شخصين يقومان في غضون مئة عام بتربية ثعلب الماء في الأسر. ويقول فيليب واير: «كان من الواضح ان ثعلب الماء يعاني من مشكلة، ولهذا قررنا وجوب عمل شيء ما». وقام الصندوق بتأسيس مركز لتربية الثعلب في الأسر في بونجاي في مقاطعة سوفولك بهدف سريع، وهو اعادة اطلاق ثعلب الماء في البرية. ثم قام عدد من العلماء في أواسط السبعينيات بتشكيل مجموعة ثعلب الماء المشتركة للتحقيق في أسرار انخفاض أعداد هذا الحيوان واقتراح حل لهذه المشكلة. ويوضح دكتور بول شانين وهو أحد أبرز علماء الثدييات في بريطانيا الوضع بقوله: «في ذلك الوقت لم نكن نعرف حقا ما هو الخطأ الذي وقع، والدليل الافضل جاء من سجلات صيد ثعالب الماء في انجلترا، والتي أظهرت انخفاضا سريعا في نجاح الصيد منذ أواخرالخمسينيات فصاعدا». أوصت المجموعة بفرض حظر تام على صيد ثعلب الماء، ولدهشة الجميع فإن هذا الحظر دخل حيز التنفيذ في عام 1978، واصبح ثعلب الماء محميا بالكامل في اطار قانون الحياة البرية والريف لعام 1981. واليوم حظي هذا المخلوف بحماية أكبر من قبل التوجيهات البيئية للاتحاد الاوروبي وهو مدرج في المعاهدة الخاصة بالتجارة الدولية في الاصناف المهددة بالانقراض. وكانت دراسة قومية أجرتها مجموعة ثعلب الماء المشتركة في أواخر السبعينيات قد كشفت ابعاد الصورة الكاملة المحيطة للبلاء الذي يعاني منه ثعلب الماء. ومن بين الـ 3 آلاف موقع التي جرى دراستها في انجلترا، احتوت 6% فقط منها على دلائل على وجود ثعلب الماء. وكان هذا الحيوان منقرضا في اجزاء واسعة من البلاد، وديفون فقط هي التي بقيت معقلا له. في مقاطعة ويلز، كان الوضع أفضل، حيث أظهرت 20% من المواقع دلائل ايجابية على وجوده، وفي اسكتلندا كانت النسبة 70% وكانت أعظم السهول المرتفعة والجزر. وفي غضون ذلك، كانت نسبة الانتشار في ايرلندا 92%، وهو مؤشر قوي على مدى تضرر وضع ثعلب الماء في انجلترا. ومنذ ذلك الحين تقوم مجموعة ثعلب الماء المشتركة بتكرار الدراسة المسحية كل سبع سنوات، حيث تظهر تحسنا في كل مرة. ويعود الدور الأكبر في هذا التحسن الى جهود صندوق ثعلب الماء في تربية الحيوان في الأسر واطلاق سراحها في البرية والتي يبذلها منذ عام 1983. وقد تم اطلاق اكثر من 155 حيوانا قبل ان يتم وقف البرنامج العام الماضي. وقد أظهرت ثعالب الماء التي أطلقت في البرية قدرة فائقة على التأقلم مع بيئتها الجديدة وأخذت تتكاثر بشكل طبيعي وتتزاوج مع ثعالب الماء البرية الأخرى دون أية مشاكل، وحتى ان اعدادا منها بدأت بالظهور في القنوات المائية في المدن. ويقول واير ان «المشروع كان ناجحا على نحو ملموس بحيث تجاوز جميع توقعاتنا». ومنذ قمة الأرض التي عقدت في ريودي جانيرو في عام 1992 تعمل بريطانيا بالاشتراك مع موقعين آخرين على خطط لتنشيط التنوع الاحيائي من اجل تحسين البيئة. وهذا يعني بالنسبة لثعلب الماء، خطة لاعادة ارقامه الى ما كانت عليه في عام 1960 بحلول عام 2010 من خلال اعادة الاستيطان الطبيعية. ولكن باستثناء برنامج صندوق ثعلب الماء للتربية في الأسر واطلاق الحيوان في البرية، من الصعب التأكد من وجود أي تأثير مباشر لأي شخص كان. ويقول شانين: «سيتعافى ثعلب الماء بمساعدتنا أو بدون مساعدتنا، ولكننا نحتاج الى مراقبة الوضع باستمرار لمشاهدة كيفية تعافيها وتحديد أية اشكاليات قد تواجهها». ضرار عمير