بيان الكتب: هل ترسم المختارات القصصية لكاتب بعضاً من مسار خطة البياني؟! عشر قصص مختارة من خمس مجموعات: «حيطان عالية ـ ساعات الكبرياء ـ اختناقات العشق والصباح ـ امواج الليالي ـ مخلوقات الاشواق الطائرة»، بينما سيرورة الزمن فيها تمتد من عام 1959 وحتى 1991، بما يقارب الاربعين عاماً في مسيرة كاتب اشتهر روائياً وقد بدأ قاصاً عدا عن دراسته وترجماته. ربما يحدد اختيار القصص مسار هذه البانوراما المقتطعة من اطياف اوسع. مع ذاك.. كأنما تهجس بشيء رقصة الاشواق هذه، تنفتح على قراءة اولى، وثانية. يحضر الصعيد المصري في القصص الاولى خصوصاً «في داخل السور ـ جرح مفتوح» وحتى في قصص من الاقنوم الثاني عند ادوار الخراط، والذي هو الاسكندرية رملاً وبحراً ورقصات اشواق يافعة. ثم هناك الاقنوم الثالث الذي هو القاهرة تختصر البلاد ازمنة وتحولات. كأن هذي الاقانيم تحاكي على نحو شفيف نشأة ادوار الخراط المولود في الاسكندرية 1926 من أب صعيدي وام من غرب دلتا النيل، ففي حين انطبعت «اخميم» مسقط رأس ابيه، من زيارات ادوار الفتى اليها، على نحو خاص بادوار الكاتب في نتاجه، من زاوية التقاط للحياة في الصعيد لم تكن لسواه، خصوصاً ذاك الوصف الذي يرتفع بمناخات الصعيد الى مجازاتها، تلك المجازات التي لا نقرؤها سوى في نتاج ادوار الخراط. ثمة امعان في الوصف الى درجة يخشى القاص فيها ان يفلت منه تفصيل يخص الصعيد الذي انكشف لرؤياه في مرآة الروح، او هكذا انكشف لـ «هنية» بطلة قصة «في داخل السور» فيما هي ذاهبة الى منتهاها وعلى هيئة قدر صعيدي محتوم «بالدم الذي يقامر بالسماء والارض جميعاً في يأس لم يعد يقبل الخضوع. وهذا اليأس، ورغبات الرجال، مازالت هناك، تحسها متعلقة بهذه العيدان من الذرة المليئة المتضامة المكسوة بتراب خفيف. كأنها قد انفصلت عن الرجال ـ تلك الرغبات الناهشة اليائسة ـ وتعلقت بحرارة الظهر، نزوات لاريّ لها ولا استرضاء ابداً، شهوات التمرد وجمعات الخطف والهبش والسلب والعدوان، خارجة من ظلمة اركان النفوس التي سدت عليها كل السبل، تبث في الظهر كله انفاسها القابضة المتهددة». هكذا تمشي «اجية» ايضاً، كأنما الصعيد درب يؤدي الى الموت، كأنما المرأة «جرح مفتوح»، الذاكرة ايضاً، وذاك الذي يعيد صياغة هذا «الصهيد» الذي لشمس الصعيد، من حيث لا نعرفه. وحتى حين يتقفى ادوار الفتى «اقدام العصافير على الرمل» في شط الاسكندرية، ثم يرى عمالاً من الصعيد يحملون الحديد واكياس الاسمنت، وقد كانوا جميعاً صامتين، يتساءل. اين غناء الصعايدة البهيج ورنات الشجن البعيد الذي فيه، عندما يعتلون اثقال الدنيا، ويحطونها؟» تتبدى الاسكندرية ايضاً، اقنوماً ثانياً، حيث للرمل خاصته، وللبحر، ولفتيات الصبا، ثم سيأخذ البحر «امام البحر» رمزيته، حينما يذهب الكائن بقدميه اليه بحثاً عن معنى الكينونة والوجود. يذهب بطل «نقطة دم» من الاسكندرية الى القاهرة، حيث اغلب قصص هذه المجموعة ذهاب الى.. رحلة،قد لا يعود منها احد، او يعود بغير الذي كان، غير انه لا يني يعرف كينونته: «واعرف انني قد بعدت جداً عن بحر الاسكندرية الفسيح المتقلب بالهواء المبلول.. واعرف انني لست طفلاً الان، لكنني لست بعيداً جداً عن ذاك الطفل». يذهب ذاك الطفل بادوار الخراط الى اقنومه . الثالث: القاهرة، «في الشوارع» في شوارعها سوف يبحث ادوار عن طفله الذي يناديه. «ادوار.. ادوار..» بعد رحلة ماراثونية في احشاء القاهرة وشوارعها، على قدمين من قلق وجودي ينسرب الى قاهرة ما بعد النكسة، حتى يأتيه النداء، فيستريب: «اهو نداء باسمه في الليل؟، لا ليس هو. اسمه غريب عنه، ما صلته به؟، والصوت غريب. ودون ان يفتح عينيه، كان يبدو له ان البيت بعيد». اذ طالما كان البيت في نتاج ادوار الخراط رحماً يلوذ به. كأنما قص ادوار الخراط في هذه المجموعة رحلة بحث عن هذا الطفل حتى يستعيده اليه، حيث الحياة نفسها تتبدى من خلال رحلة البحث هذه عن صدمة تلوها صدمة، موتاً اثر موت يتوالى على نحو مشخص كموت «هنية ـ اجيه» وكموت رمزي «جميانة»: «رأيت لأول مرة، دون دهشة، جرحاً دقيقاً يلف رقبتها، كأنه حز احمر رفيع جداً، كأنه اثر ذبح بسكين ذات حد مرهف الرقة، ولم احتمل، فانحنيت عليها وقبلتها في فمها، وانفجر الدم من شفتيها». وصولاً الى موات اعم في قصة «الرملة البيضا» حيث تتراكم الجثث في سيناء وصولاً الى الخطوط الخلفية ما وراء القناة غرباً، بعد الخامس من حزيران بقليل.. او كثير «مازالت قدماي توجعاني في الحلم واسقط، على الرمل، من علو شاهق وعقاب هائلة معدنية الاجنحة تطاردني بأزيزها، هديد القنبلة الالف رطل، وطقطقة الرشاش العوزي تلاحقني». ثمة امرأة، في كل قصة، وكأنها مبتدى كل قص ومنتهاه، وفي هذه القصة عن الهزيمة ايضاً يلوب الراوي بسؤال ازلي عن المرأة التي صارت وطناً حتى في لحظة الهزيمة: «هل فقدناك، هل فقدتك؟، انت القادمة انت تذيبي في رمال جسدك الناعم المنيع كل الغاصبين وكل الوافدين وكل العشاق، فيك شيء لا يصدق، يتجاوز الموت والحب معاً». وبينما ادوار الخراط يلهث خلف الطفل الذي كانه، فيطاله في قصة، ويفلت من راحتيه خارج السرد، سنرى الفتى يلهث خلف كل هاته النساء الى درجة الوجد الصوفي في قصة «مخلوقات ملكة عبدالملاك» من احدث مجموعاته القصصية، حيث الحلم حقيقة ممكنة، كما في السطر الملحق بعنوان هذه القصة، حيث الطير بمنقاره «يضرب بانتظام واصرار في يد ملكة عبدالملاك، كفها مفتوحة ومنبسطة، كأنه يأكل من يدها، وهي تنظر اليه لا تضن بشيء». وكانت قد قالت للراوي: «انت المتقلب الذي تطير به الاهواء والاشياء. اما انا فثابتة، سوف تجدني دائماً هنا». وسوف تقول له: «انا، في اي مكان، في اي وقت، لك، ملكك، فهل يمكن ان تقول لي: تعالى، ولا اجيء؟». ثم ليس هناك سوى مخلوقات الاشواق تؤدي رقصتها الازلية و«طيور العشق جثوم»! نجم الدين سمّان