شهد صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة مساء أمس الأول عقب افتتاح سموه فعاليات أيام الثقافة التونسية محاضرة بعنوان «العولمة، الثقافة، والتحديات المستقبلية» ألقاها الدكتور عبدالباقي الهرماسي وزير الثقافة التونسي وذلك بقاعة المؤتمرات بمتحف الشارقة للفنون وبحضور سمو الشيخ سلطان بن محمد بن سلطان القاسمي ولي عهد ونائب حاكم الشارقة وسمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الإعلام والثقافة وقدم لها المستشار عبدالرحمن بن علي الجروان. وأكد المحاضر ان العولمة هي من صميم الرهانات المطروحة اليوم على المجتمعات، نظراً للتداخل المتسارع للاقتصاديات والزحف المكثف للوسائل الاتصالية، وظهور الطرق السيارة للمعلومات التي غمرت جميع البلدان وسط محيط متعدد الثقافات وفي الوقت الذي يخيل إلينا ان العالم يتجه نحو التوحد تبرز بوضوح العديد من اختلافاته القومية والاثنية والدينية والعنصرية وتطفو على سطحه مقولة «الصدام» تبررها نظرية ثنائية متضاربة جملة وتفصيلاً: رؤية شمولية وقيم عقلانية وحقوق انسانية ومرجعية ثقافية متحررة من جهة وخصوصيات رجعية وظلامية جديدة وهيمنة الحقيقة الواحدة والمطلقة من جهة أخرى. وأوضح الدكتور الهرماسي ان العولمة مرتبطة أساسا بمنطق السوق وآلياته، وإنها لم تتوصل إلى ادماج بقية الميادين الحيوية الأخرى، مؤكدا ان الضرورة المعرفية تحتم معالجة التأثيرات الثقافية لهذه العولمة، ومدى قدرة الثقافة على التأقلم مع انماطها الجديدة وكيفية ردود فعل الثقافات المحلية، ولقد تعددت في هذا السياق المقولات واختلفت أشكال ومضامين الخطاب المطروح طبقاً لاتجاهات وغايات واضعيه، وإذا ما حاولنا الوقوف عند أهم الطروحات، نجدها ترتكز أساساً على خطابين اثنين، الأول صادر عن المؤسسات المالية والاقتصادية العالمية الكبرى، ويحاول الاقناع بأن النجاح الاقتصادي وما سبقه من نقلة تمهيدية لا يمر عبر التأقلم مع قيم الثقافة المحلية، بل من خلال تجاوزها والغائها، فالثقافة من هذا المنظور الاقصائي هي حاجز أمام الانطلاقة التنموية، تعرقلها وتبطئ مسارها، لذلك يدعو أصحاب هذا الخطاب المجتمعات إلى التخلي عن قيمها الثقافية الخصوصية، وتعويضها بأخرى مستمدة من محيط غير محيطها، بدعوى اتباع النموذج الناجح، كما يطالبها بتطبيق نمط تنموي محدد أكد فاعليته وآخر تقليعاته اتباع نموذج ببلدان جنوب شرق آسيا الزاحفة اقتصادياً. وانتقل الوزير التونسي للحديث عن الخطاب الثاني الذي تبلورت عناصره بعد سقوط حائط برلين وانهيار الشيوعية واندلاع حرب الخليج وهو خطاب جاء معلناً عن «حرب الثقافات» و«صدام الحضارات»، جاعلاً من الأفراد والجماعات سجناء هوياتهم الثقافية، ومن التناقض الذي يصل إلى حد العداء والمواجهة أساس الحضارات، وهو خطاب يفنده التاريخ وتلغيه الحقائق، إذ من غير المعقول تصور الحضارات تنمو وتتطور في عزة ودون حوار خصب فيما بينها، فالحضارة الاسلامية أثْرت مضامينها، وحققت انطلاقتها وشموليتها بتلاحقها مع الحضارات الأخرى السابقة والمعاصرة لها، كالحضارات الفارسية والبيزنطية والرومانية وغيرها، كما ان حضارة الغرب استفادت كثيراً من الحضارة العربية الاسلامية وأخذت عنها ما وفر لها مستلزمات التطور والنهوض. وأشار المحاضر أن هذه النظرية تحمل مفارقة غريبة، إذ هي تربط بين ضرورة العولمة الاقتصادية وحتمية صدام الحضارات وما ينجر عنه من ردود فعل حمائية كالغزو والهيمنة من جهة والتمركز المعكوس من جهة أخرى، فهو منطق لعولمة تقصي عوض ان تدمج، فيصبح الانسان المعاصر تحت تأثير الصدمات المتتالية التي أتت على المراجع التقليدية فنسفتها، يعتقد ان ما يحدث خارج محيطه الخارجي هو شر لابد من اتقائه، ويجب توفير كل مستلزمات الاعداد لمواجهته فينجر عن ذلك ما يمكن تسميته بـ «الحمائية الوهمية» التي عادة ما تختفي وراء الحركات والمواقف المتطرفة في حين المناعة الحقيقية تتجسم عبر التفتح على الآخر والتفاعل معه من خلال جدلية الأخذ والعطاء والاضافة المشتركة للحضارة الانسانية. وأكد الدكتور الهرماسي على ضرورة اشاعة رؤية جديدة للعولمة ترمي بالمنطق «السوقي» ونزعة «الحمائية الوهمية» عرض الحائط، فتمنع الصراع الأعمى بين الثقافات وتضع حداً لتمزق المجتمعات، وتقلص من الفوارق بين الشعوب المحظوظة والمندمجة، والأخرى المحرومة والمقصية، وهذا المسعى يتطلب سياسات جديدة قادرة على مواكبة التحولات العالمية والتأقلم مع مستجداتها وتأهيل مؤسسات مجتمعاتها ومواردها البشرية. فبعد نهاية الحرب الباردة وزوال الاستقطاب التقليدي بين معسكرين تقاسما النفوذ، تشكل نظام عالمي جديد لا بقاء فيه إلا للأقدر والأجدر والأكثر وعياً بمتطلبات المرحلة، يلعب فيه الاندماج الاقليمي دوراً أساسياً إذ غدت الدول غير قادرة على رفع التحديات خارج نسق التعاون والشراكة مع محيطها. فالولايات المتحدة الأمريكية حريصة على اعطاء الأولوية في تعاملها مع فضائها الجغرافي الأقرب، ككندا والمكسيك وبقية بلدان أمريكا اللاتينية وجنوب آسيا، وتسعى روسيا إلى ايجاد فضاء لها تؤثر فيه وتكثف التعامل معه، خاصة في أوروبا الشرقية وبعض البلدان الآسيوية المتاخمة لها، وان كانت أوروبا قد اهتدت إلى طريقها بالعمل على تجسيم وحدتها وتوسيع دائرة علاقاتها الأساسية مع أوروبا الشرقية وبلدان جنوب المتوسط، فإن آسيا رغم النجاح الاقتصادي الهائل الذي حققته بعض بلدان جنوبها الشرقي، مازالت تبحث عن هويتها السياسية والاستراتيجية. ولابد والحال تلك الاشارة إلى اننا نحن العرب، لا نقف وحدنا في مواجهة منظور العولمة وما يتضمنه من تحديات ورهانات متنوعة، فهذه التحديات مطروحة أمام كل المجتمعات بدون استثناء، وليس من الطبيعي أبداً ان نعتبر «العولمة» آخر حلقات مسلسل المؤامرات التي تحاك ضد العرب، فمثل هذه المواقف المسبقة لا تخدم مطلقاً قضايانا بل تساهم في تهميشنا وتجسم استقالتنا من مسيرة العصر. وطرح الوزير التونسي تساؤلاً مفاده، أين العالم العربي في كل هذه التحولات؟ للاجابة نؤكد ان حلولاً عديدة تم طرحها واختيارات متنوعة دخل بعضها طور التجسيم وان ما زال السعي إلى استكمالها النهائي متواصلاً كمجلس التعاون الخليجي واتحاد المغرب العربي، ولقد راهنت «تونس» من موقع ايمانها بدقة الوضع العالمي الجديد وأهمية التضامن العربي لمواجهة التحديات على التعاون العربي المشترك، في إطار شامل أو اقليمي وساهمت بجدية وفاعلية في ارساء اتحاد المغرب العربي وبعث العديد من مؤسساته والمحافظة على ما تحقق من مكاسب ومزيد دعمها، دون ان تغفل عن المكونات الاخرى لمحيطها الجغرافي والطبيعي كالانتماء المتوسطي والافريقي، فأبرمت اتفاقية شراكة مع المجموعة الاوروبية، ودعمت علاقاتها مع العديد من البلدان الافريقية، وشهدت منظمة الوحدة الافريقية في ظلّ الرئاسة التونسية دفعا وحدويا لم تشهده من قبل. وخلص المحاضر الى ان العولمة، والهوية لا يجب ان تحتضنهما دائرة الصراع، بل قدرهما التكامل، فاختلاف الهويات هو اساس العولمة، وبقدر ما تكون هوية الشعوب مدعمة ومرتبطة بمرجعياتها الثقافية، تكون العولمة أكثر خصوبة ونفعا. فالإثراء المشترك من منطلق الخصوصية، من شأنه ان يعطي لمفهوم العولمة بعده الانساني العميق. كما ان الواقع الدولي اليوم يقر بعجز العولمة المتوقعة في مفهومها الاقتصادي والتجاري وانه لابد من مقومات سياسية وثقافية لتصبح العولمة حقيقة وواقعا مقبولين من الجميع. وان بلادنا التي راهنت على قدرات ابنائها وثراء رصيدها لاحتلال موقع فاعل في الساحة العالمية، والانخراط في مسيرة العصر، بادرت بتدعيم هويتها وتثبيت عناصر انتمائها، واثراء خصوصيتها، وجعلت من الثقافة الاداة المثلى لتحقيق هذه الغاية وشد الانسان الى مرجعيته الاساسية، وتجسيم تواصله مع فترات النور في تاريخه، بغرض تهيئته سلوكياً ونفسانيا وحضاريا لاقتحام الواقع الجديد بكل ضمانات النجاح. وفي نهاية المحاضرة فتح المجال للنقاش حيث حملت احدى المداخلات استهجاناً للكم الاقتصادي الذي يمثله العالم العربي مقابل الكم الثقافي الضئيل وجاء رد الدكتور الهرماسي بوجوب عدم القسوة على الذات اكثر من اللازم واكد بان المجتمع العربي بكافة شرائحه يحمل بداخله هما ثقافياً على خلاف بعض المجتمعات الاخرى. وجاءت مداخلة اخرى حول الدور المنتظر منا كعرب امام ما اضحى جلياً بحضارة القوة.. وجاء رد المحاضر حول جزئية مفهوم حضارة القوة مؤكداً ان الحضارة الانسانية دوما ارتكزت على القوة وآثر نعت الحضارة الانسانية التي نشهدها حالياً بحضارة العمل والالتزام والمعرفة واضاف بان المكانة الحضارية لاية امة باتت تقاس بالمنجز العلمي والمعرفي لهذه الامة.