تكمن احدى سمات العصر التكنولوجي الحديث بالبحث عن الانفعالات القوية. ولعلّ احدى الأوراق الأساسية التي تستخدمها «مدن الألعاب» مثل «ديزني لاند» و«استيريكس» وغيرهما هي محاولة «جذب» الزائرين بواسطة لحظات الانفعال «القوي» التي تخلقها بعض الألعاب كالدخول في نفق مظلم بسرعة هائلة أو توليد الإحساس بوشوك الارطام بصخرة قريبة.. إن مؤلف هذا الكتاب يجعل من «تمجيد الانفعال» موضوع بحثه. ينطلق المؤلف في تحليلاته من فكرة تقول بأن البحث عن الانفعالات القوية يشكّل احدى ركائز السلوك الانساني في هذه المرحلة من تطوّر الانسانية. ومن خلال هذا الرأي تتم الدلالة على وجود مرحلة جديدة في أنماط السلوك تتعارض إلى حد كبير مع «المسحة الرومانسية» التي كانت تسود في الماضي على قاعدة «العواطف الجيّاشة» أو «العواطف الرقيقة».. أما اليوم فقد أصبحت هذه «العواطف» مدحورة الى «ركن ضيق» لصالح الانفعالات القوية التي تجعل الحياة «زاخرة بالحركة». ولقد وجد «ميشيل لاكروا» الأدلة الكثيرة والواضحة على مثل هذا الرأي في مختلف ميادين النشاط التي تشهدها المجتمعات الحديثة، وخاصة عوالم الدعاية والاعلان والاخبار والتحقيقات التلفزيونية والمنافسات الرياضية.. الخ. ويحاول في الوقت نفسه ان يبحث عن الاسباب العميقة التي تدفع البشر نحو البحث عن اثارة الانفعالات القوية في حياتهم الشخصية او عبر التظاهرات الجماعية التي يحضرونها او يشاركون بها، ويعتقد في معرض تحديد هذه الاسباب بأن تضاؤل نسمة الامل، او نقص الثقافة قد يكونا من بين هذه الاسباب. من جهة اخرى لا يمكن للانفعالات القوية ان تكون مجرد تعويض عن فقدان الامل واندحار الثقافة، اذ انها قد تمثل ايضاً نوعاً من تأكيد الذات ووسيلة يثبت فيها الانسان الحديث واقع وجوده. ويطرح المؤلف بهذا الصدد مقولة على نمط التفكير الديكارتي، اذ وبدلاً من مقولتي «انا افكر اذن انا موجود» او «انا اشك، اذن انا موجود»، مفادها، اي المقولة الجديدة، هو: «انا انفعل اذن انا موجود». ويحدد المؤلف عدة مراحل لما يسميه بـ «التحرر الانفعالي تتمثل في مرحلة سوسيولوجية، تتميز بالاحتجاج على مجموعة من المحظورات المطبقة منذ عدة قرون من الزمن، ويقدم المؤلف بهذا الصدد نوعا من القراءة لأكثر من دليل للحياة الهانئة، في اواخر القرن التاسع عشر كي يبين مدى عمق القطيعة مع الماضي، والمرحلة الثانية هي نوع من بذل الجهود للاهتمام بالنفس وبالجسد مثل رغبة تأخير اعراض الشيخوخة. اما المرحلة الثالثة والاخيرة فقد عبر عنها المؤلف بالقول: «ان الهدف لا يكمن في التحرر من الانفعالات القوية وانما تحريرها». لكن المؤلف يخلص في المحصلة الى التحذير من الافراط في البحث عن الانفعالات القوية ذلك ان «الشراهة» في هذا الميدان تؤدي الى «تدهور الحساسية» والى «تشوش» في العلاقات بين الافراد ويرى في الموسيقى المعروفة باسم «التكنو» دليلا على تدهور الحساسية باسم خلق الانفعال القوى. الانفعالات القوية؟ نعم يجيب الفيلسوف ميشيل لاكروا .. ولكن «باعتدال»