بيان الكتب: «ليونيل» المقصود بعنوان هذا الكتاب هو «ليونيل جوسبان» رئيس الوزراء الفرنسي الحالي والمنافس الرئيسي للرئيس جاك شيراك في الانتخابات الرئاسية التي ستجرى ـ حسب الدستور الفرنسي ـ في شهر مايو المقبل (2002). ومؤلف هذا الكتاب هو أحد الصحفيين الذين عرفوا ليونيل جوسبان عن قرب، وقد اعتمد في كتابة هذه «السيرة» على عدد من الأراشيف ومن المصادر الخاصة والمقابلات التي أجراها مع بعض أولئك الذين رافقوا «جوسبان» في مسيرته الحياتية والسياسية. هذا العمل هو أحد كتابين تم نشرهما في مطلع شهر سبتمبر 2001، أي بعد نهاية فترة عطلة الصيف وعودة النشاط إلى الحياة السياسية، وقد خصّ كليهما، أي هذا الكتاب، وكتاب آخر تحت عنوان «جوسبان، أسرار عائلية» لمؤلفه «سيرج رافي». كتابان من أجل توضيح بعض النقاط «الظليلة» في مسيرة هذا الرجل الذي يترأس حكومة فرنسا اليوم وأمامه «حظ» بأن يكون رئيسها بعد عدة أشهر. إن السمات الأساسية لصورة «ليونيل جوسبان» التي يرسمها مؤلف هذا الكتاب تشير الى شخصية مركّبة وغامضة، وفيها الكثير من صفات الشخصيات الروائية. إنها شخصية تحيط بها أسرار كثيرة أفصح ليونيل جوسبان نفسه عن آخرها قبل أشهر قليلة عندما اعترف بأنه كان له في شبابه علاقة مع «التروتسكيين» وهو الأمر الذي كان قد نفاه لفترة طويلة. بالتأكيد لم يكن الأمر سهلاً بالنسبة له إذ انه أراد و«كأي انسان» أن يحتفظ لنفسه ببعض الأسرار «الصغيرة» بـ «حديقته السرية» بعيداً عن الأنظار، لا سيما وأن ما فيها يمكن ان يلعب بغير صالحه الانتخابي.أ ما «الخط الناظم» لحياة ليونيل جوسبان منذ أن كان مراهقاً حتى وصوله الى رئاسة الحكومة الفرنسية فقد حدده المؤلف بوجود «سلسلة من الفظائع» على صعيد العلاقة مع أصدقاء فترة الشباب ومع الأسرة ومع النساء ومع فرانسوا ميتران.. ولكن أيضاً بوجود «استمرارية» في البحث عن تأكيد طموحه السياسي وصولاً الى أعلى موقع في الدولة. وهو قد قطع حتى الآن عدة «مراحل» في صعوده السياسي إذ تزعّم لفترة من الزمن الحزب الاشتراكي الفرنسي الذي أسسه ميتران وجعله مطيته الأساسية للوصول الى الرئاسة عام 1981، ثم أصبح زعيم اليسار كله عندما خاض الانتخابات الرئاسية الأخيرة عام 1995 وخسر فيها أمام الرئيس الحالي، ثم غدا رئيس وزراء فرنسا بعد قرار الرئيس شيراك حل الجمعية الوطنية الفرنسية السابقة ذات الأغلبية اليمينية المؤيدة لها ليفوز اليسار في انتخابات ما بعد الحل، أي عام 1997، ويصبح ليونيل جوسبان منذ ذلك التاريخ (يونيو 1997) رئيساً لحكومة فرنسا.. وهو يستعد اليوم، كما تدل جميع المؤشرات، لخوض المعركة الانتخابية الرئاسية المقبلة والدخول في منافسه جديدة مع الرئيس الحالي جاك شيراك مع أمل أن يكون حظه هذه المرة أفضل من المرة السابقة. لكن هذا يتعلق بإرادة الفرنسيين عندما سيتوجهون الى صناديق الاقتراع. ويؤكد مؤلف هذا الكتاب بأن ليونيل جوسبان كان «مسكوناً» باستمرار برغبة أن تبقى صورته بعيدة عن الشبهات من هنا خشي ان يبدو بمثابة «تروتسكي وثوري ومناضل تسلل الى الحزب الاشتراكي خلال عقد السبعينيات من أجل تخريب العالم القديم». ولهذا رأى بأنه «يتوجب عليه أن يخفي عن الآخرين شطراً أساسياً من حياته». ومن هنا أيضاً كان يميل باستمرار الى الابتعاد عن الأصدقاء عندما «يقتربون أكثر مما ينبغي الى النواة الصلبة». لكن مثل هذا الحذر والتوجس لابد من أن يؤديا الى ميل فيه الكثير من المخاطرة ويتمثل بـ «نفي الحقائق الأكثر حميمية». بالوقت نفسه يؤكد المؤلف انه لم تكن هناك «أمور خطيرة» تتوجب تلك الدرجة من الحذر والتوجس. فـ «ليونيل جوسبان أصبح تروتسكياً في فترة الانتقال من مرحلة المراهقة الى مرحلة الشباب»، أي عندما كان عمره حوالي 20 عاماً. كان ليونيل جوسبان قد انتسب آنذاك الى «المنظمة الشيوعية الأممية» ثم انخرط في الحزب الاشتراكي كـ «مكلّف بمهمة» من قبل هذه المنظمة وكـ «عميل سري لخدمة القضية العادلة». لقد تدرّج جوسبان في مراتب المسئولية بالحزب الاشتراكي وتعلّم أصول العمل المنظّم «المحدد» و«متعة العمل على أرض الواقع». هكذا تخلّى عن انتسابه الى «المنظمة الشيوعية» الأممية. كان قد أصبح الشخصية القيادية الرئيسية في صفوف الحزب الاشتراكي. لكن «التروتسكية لم تكن سوى إحدى حقائقه. ووجه واحد من وجوه شخصيته». وكان نفيه لمسألة انتسابه ذات يوم الى تلك المنظمة اليسارية المتطرفة شديداً إلى درجة تصريحه بعض المرات بأن المقصود هو «أخوه أوليفييه جوسبان» استاذ التربية الرياضية وتأهيل الأطفال و«المناضل الثوري». المكشوف. ولم يكن «سر» الانتساب الى «المنظمة الشيوعية الأممية»، سراً شخصياً بالنسبة لليونيل جوسبان وحده، وانما بالنسبة للأسرة كلها. كانت «التروتسكية»، كما يراها المؤلف بالنسبة لليونيل جوسبان، بمثابة «سر رجل سياسي مولع بالشفافية، وكذبة رجل لا يشبهه الكذب. إنها كذبة لا تعرّفه ولا تخصه. وانما تكشفه وتلقي الضوء عليه كشخصية أكثر غنى وأكثر رومانسية من الصورة التي يظهر فيها بارداً كرئيس للحكومة». هذا ما يلخصه المؤلف بالقول: «إن ليونيل جوسبان بسيط، لكن بساطته مزيّفة». وذلك بمعنى أنه ذو شخصية «مركبة» وغير واضحة لـ «رجل مستقيم ولكن غامض بالوقت نفسه» و«قادر على أن يخفي عن جميع الناس قناعاته الأكثر إيماناً بها». وكان ليونيل جوسبان قد تردد في سنوات شبابه على مدرستين. الأولى هي «المدرسة الفرنسية الوطنية للإدارة» التي تمثل في واقع الأمر «مركز تأهيل كبار موظفي الدولة الفرنسية». المدرسة الأخرى هي «التروتسكية» التي اكتسب منها «خبرة قراءة السياسة وموازين القوى». وإذا كانت هاتان المدرستان «تتناقضان في الظاهر» فإنهما «تتكاملان في الواقع بشكل رائع» بالنسبة لبناء شخصية رجل استثنائي مثل ليونيل جوسبان. ثم ان هاتين المدرستين، رغم الاختلاف الجذري في مشاربهما السياسية والأيديولوجية تمثلان «نخبتين» لهما رؤية خاصة مدروسة للعالم وأموره وسياساته ويمكن أن تتضافر «فائدتهما» عند الحاجة، إذ أن «خريجي المدرسة العليا الفرنسية للإدارة يملكون الدولة» أما «التروتسكيون فإنهم يمتلكون التاريخ» وضمن سياق الحديث عن «تروتسكية» ليونيل جوسبان يتعرض المؤلف لشخص «ميشيل لوتريك» الذي يصفه بأنه «الغائب الأكبر من التاريخ الرسمي لليونيل جوسبان» و«الصديق المجهول». لكن ما هي العلاقة بين هذا المعلم المتقاعد الذي توفي مغموراً بعمر 63 سنة ورجل السلطة ليونيل جوسبان؟ لقد «كان أفضل صديق لليونيل وهو الذي قاده الى التروتسكية والتمرد الواعي والتشدد». كانا قد تعارفا عندما كان عمرهما يقارب العشرين عاماً، حيث كان «ميشيل» مربياً في المؤسسة التعليمية التي كان يديرها «روبير جوسبان» والد ليونيل. وقد اختار هذا الأخير عندما انضم الى المنظمة الشيوعية الأممية اسماً حركياً هو «ميشيل»، «الرفيق ميشيل». وفي فصل خاص بـ «أسرة جوسبان» يفهم القارئ ان والدته «ميراي» كانت «قابلة قانونية» عملت في أكثر من مستشفى ومستوصف للتوليد. وقد بقيت طيلة حياتها مخلصة لمهنتها إذ سافرت عام 1996 وكان عمرها 86 سنة ـ إلى «نيما» في «مالي» حيث أمضت شهراً لتأهيل الممرضات وتحسين معارفهن بما لديها من خبرات. وهي امرأة حازمة فرضت على أبنائها تربية صارمة بنوع من « الاستبداد اللطيف» قائم على بعض المبادئ الثابتة. أما الأب «روبير جوسبان» فقد كان من أنصار الحركات السلمية، وهذا ما يفسر احساسه بخيبة أمل كبيرة عندما اندلعت الحرب العالمية الثانية بل وبـ «الهزيمة». لكن نزعته «السلمية» ولّدت لديه في بعض الأحيان شيئاً من الرغبة بإمكانية «بناء أوروبا مسالمة» حتى في ظل الاحتلال وهكذا انتسب الى «رابطة الفكر الفرنسي» التي كانت تعبّر عن حركة قريبة من حكومة «فيشي» لكنها حركة «يسارية». ويشير المؤلف ضمن هذا السياق إلى أنه تم تعيين «روبير جوسبان» عام 1944 عضواً في المجلس البلدي في مدينة «مودون» بالقرب من باريس بمبادرة من سلطات حكومة فيشي. ويكرّس مولف هذا الكتاب فصلاً لـ «ليونيل... والنساء» حيث ان ليونيل جوسبان قد تزوّج مرتين. الأولى كانت مع «اليزابيث دونينمولر» التي التقى بها ذات يوم صدفة في أحد مقاهي باريس، «كانت ضربة حظ، وضربة صاعقة ـ عاطفية، وضربة قدر جميلة». كانت «اليزابيث» مضيفة طيران، لقد «عرفت كل عوالم ليونيل، وهي وحدها التي تعرفها. إذ انها رافقته في كل مساراته الرسمية، وغير الرسمية». لكنها لم تكن تحب «المنظمة الشيوعية الأممية» وناسها الذين تصفهم بأنهم «كئيبون أكثر مما ينبغي». الزواج الثاني هو مع زوجته الحالية «سيلفيان اجاسينسكي» أستاذة الفلسفة، بعد أن كان قد انفصل عن «اليزابيث». ولا يتردد جوسبان نفسه بأن يصف نفسه بأنه «رجل سعيد» منذ زواجه الثاني حيث أنجب طفلاً هو «دانييل». تبقى علاقة ليونيل جوسبان مع الرئيس الفرنسي الراحل «فرانسوا ميتران» هي إحدى النقاط التي يعالجها المؤلف، ويرى انها كات ممهورة بتعاقب فترات الصفاء والتوتر. ولم يكن ميتران هو آخر من علم بماضي جوسبان «التروتسكي» لكنه كان يكتفي دائماً بالقول: «إن جوسبان سوف يتصرف كتروتسكي جيد» لكنه لم يهتم كثيراً بالأمر. إذ «ان الماضي يقدم لنا المعلومات. وقد يفسر بعض الأمور. لكنه لا يمثل أطراً تقيّدنا»، كما يقول المؤلف مع إشارته بشيء من «الغمز» الى ماضي الرئيس الفرنسي الراحل نفسه. ويصف المؤلف العلاقات بين الرجلين بأنها كان قائمة على «الاحترام» و«الرابطة المهنية» حيث يردد جوسبان باستمرار «ميتران ليس والدي» و قد أظهر مقته للتعليقات التي شاعت في فترة من عقد التسعينيات وتحدثت عن «ابنين» لفرانسوا ميتران: «ابن مختار» هو لوران فابيوس و«ابن متمرد» هو ليونيل جوسبان. هكذا شهد هذا الابن «المتمرد» في مؤتمر الحزب الاشتراكي عام 1994 «العزل والتهميش» ليأخذ بعد ذلك مسافة واضحة ومعلنة من الإرث «الميتراني».