بيان الكتب: المكسيك كانت ارض الاحلام مثل فارس ومصر القديمة والصين وكانت حلم نابليون الثالث فهي الفردوس المفقود وارض البراكين، والصحارى والهضاب المتماسة مع السماء والشمس والغابات الوافرة والعذراء والوديان السحيقة. الهزيع الاخير من هذا الحلم ما نجده في روايات د. هـ لورانس في « بعد المكسيك» و «ارض هندية» لجاك سوستيل وبعض قصص جوان رولفو لكن الشاعر الفرنسي انتوني ارتو الذي فصله اندريه بريتون من بين السريالين فهرب الى المكسيك للبحث عن «فكرة جديدة للانسان» ليجد في رقصة البيتول الهندية الفاتنة مركز حلمه كفن متحرر من كل الاعراف الاجتماعية وكمسرح في الحالة الاصلية فكتب نصه «توتو جوري» والذي يعني رقصة البومة فانفصل نهائيا عن العالم الغربي وقضى في الوحدة محروقا في الداخل بعد سنوات من العذاب حاملا سر افتتنانه وعاجزا عن العبور بالروح من الجسد كما يفعل الهنود الامريكيون في رقصة اليوماري. يقف هذا الكتاب على اطلال حضارات امريكا القديمة المبادة «الانكا والازتيك والمايا والتوتوناك والمكسيكاس والشالشيوتل والبوربيشا» ويرثيها مؤلف الكتاب هو الاديب لوكليزيو «مواليد 1940» والحاصل على جائزة بول موران الكبرى، عن روايته الصحراء ويقدم في هذا الكتاب مراجعات لدراسات فكرية وتاريخية ونصوص ادبية موضوعها امريكا الهندية. في الفصل الاول «حلم الفاتح» يراجع كتاب الجندي برنال دياز ديل كاستيلو الذي رافق القبطان كورتيس في «فتح» العالم الجديد وشهد على مأساة صراع السحر والألهة مع الفكر العقلاني والاسطورة ضد الذهب مانعا نفسه من اظهار آساه على ما تم تدميره ونهبه في كتاب اسماه «القصة الحقيقية لفتح اسبانيا الجديدة» او بالاحرى قصة تدمير الهند، اعتبر الكتاب ملعونا يسيء لمجد الفاتح ويصم شرفه فهو قائم على اندفاع مزدوج، من جهة يقوم بتعرية حروب الفتح ومن جهة اخرى يعيش اقدم احلامه بالكتابة فيبين الكتاب غضبه من اخطاء المؤرخين المجاملين والمتكلفين الذين وصفوا الديانات الهندية ـ الامريكية بالوثنية وهذا يبين عدم فهمهم وانحيازهم ففي الفترة التي كتبوا فيها كانت الديانات قد تحولت احتفالات سرية وخرافات لكن هناك شيء اخر برأي لوكليزيو يجعل برنال دياز الجندي مؤلفا هو انه كتب لا ليصل الى مجد المؤرخ بل على امل وحيد بأن تعترف به الاجيال القادمة «فلا توجد لدي ثروة اتركها لاولادي ولاحفادي الا قصتي هذه الصادقة والمشرفة» وهو كتاب ليس موجها للاخرين بقدر ما هو استعادة لمجد المغامرة الساحرة من خلال كتابتها، حلم الذهب وحلم القوة والاراضي الجديدة وبداية للعصر الاستعماري الجديد. لا يخفي برنال دياز كرهه لكورتيس الذي غادر كوبا 1519 بقوة صغيرة تعدادها 508 جنود و 100 بحار و 10 جياد لفتح قارة فيرسمه بطلا للعصر الرومانسي متربعا على قمة العالم الغربي، كورتيس القائد والمعاصر لميكافيللي كان خبيرا بالخطط الحربية الاستراتيجية ومتقنا للغة اللاتينية ومصمما على الهدف ومكارا مثل اوليس وعنيفا مثل اتيلا والواثق بنفسه مثل قيصر والمتوحش مثل افعى الهيدرا المتعددة الرؤس فليس صدفة انه اختار طائرة الفينيق ليزين به شعاره على عكس صورة الملوك الآلهة الهنود المهزومين بخاصة «موكوتيزما» والبطل الشاب «كوو هتيموك» اللذين يبدي تعاطفه معهما ويود برنال دياز الاعتقاد ايضاً ان تدمير العالم الهندي كان يمكن تبريره لانه كان مكرسا للشياطين والوثنية في الفصل الثاني «حلم الاصول» يشبه لوكليزيو مصير مكسيكو بمصير روما في القرن الرابع بفارق انها دمرت في اوج ازدهارها وبسرعة في بضعة اشهر فقد تم ذبح 240 الف رجل ويراجع كتاب برنارديتو دي ساهاجون «التاريخ الشامل للاشياء في اسبانيا الجديدة»، الذي يؤسس ذاكرة الشعب المكسيكي مستعيدا العظمة والجمال ويرى انه يختلف عن برنال دياز في انه يشبه رجلا حاول اقتفاء عرق معدن فاكتشف كنزا هائلا لاينضب فكتابه عن اكثر الكتب تفصيلا وثراء وهو كتاب حلم مزدوج، حلم الراهب المسكيكي الفرنسيسكاني بعد مأساة الفتح والحلم الاخر المتمتم، حلم الناجون الازلي وقد اجتمعوا مع الراهب مترفعين عن الهزيمة فأنقذ ما يمكن انقاذه من ذكريات مكتوبة عجولة على ورق الآغاف قبل ان تتبخر في النسيان، يعترف دي ساهاجون بانحاط الاسبان الاخلاقي وبتفوق الهنود الثقافي والحضاري ويبدو مبهورا بالشعب المكسيكي الذي يعيش متحدا مع الهته ويبدي وعيا لسحرهم واساطيرهم مظهرا بدقة كل تفصيل في طقوسهم ويقدم لوكليزيو توصيفات موجزة لاساطيرهم: الارض والشمس والنار والماء والدم والموت والآلهة والملوك والشعب ويعرف بنماذج من الاساطير المكسيكية والحكايات الشعبية. يصف لوكليزيو فكر امريكا الهندية بالمبتور فإحدى اكثر سماته غرابة هي انه كان يحمل عناصر نهايته الذاتية، فالتدمير كان منتظرا في معظم الثقافات الهندية فالعالم الهندي، بواسطة العرافين، والمتنبئين والقوانين الفلكية، كان متشبعا بفكرة الدورة والكوارث والبراكين والخسوفات والنيازك كانت ارهاصات بحلول النهاية، والفارق بين التدمير في الاساطير الهندية والتدمير في الفكر المسيحي ان الاخير يرتبط بخلق العالم بطريقة واضحة في حين ان الحياة الهندية على الارض مكرسة للتدمير وهي لحظة قصيرة بين الفوضى البدائية والفوضى النهائية. العامل المباشر في هذا التدمير السريع هو كلمة كورتيس الماكرة وسياسة فرق تسد التي اتبعها بين القبائل المكسيكية فانتصرت كلمة الاسباني الخادعة على كلمة الملك المكسيكي القلقة والسحرية كما استغل كورتيس مكره فوزع حجارة الخضراء «اليشب» وهي رموز الصلاة الهندية، وقطع شجرة الصبار المقدسة، صلتهم بآلهة وكان الفاتح الفارادو يأمر بإخفاء جثث الاسبان القتلى كي يستمر الهنود بالاعتقاد بخلود القادمين الذين ايضا تعلموا بسرعة استخدام الخيول الملتبسة بالايل في مخيال المكسيكين. الى جانب المكر والارهاصات المنذرة بالفناء ساهم الجدري في ابادة سكان العاصمة في بضع ساعات اذ كان الجنود الاسبان ينشرون الخرق الملوثة بهذا المرض فأصبح الغزاة ابطالا بالرغم عنهم. فتح الاوروبيين للقارة هو المثال الوحيد لشعوب مهزومة تلاشت في «محرقة» الى درجة الالغاء الكامل، ولاحقا تم خطف الاولاد لغسل رؤوسهم من ماضيهم وتشجعيهم على الوشاية بآبائهم واقيمت «محاكم تفتيش» وتم التهجين الاجباري لصهر العرق الهندي وحذفه وحظر التعلق بالقيم القديمة وجعل الظلم قانونا. ويقرر لوكليزيو «مع برنال دياز وساماهاجون» ان الثقافات الهندية وخاصة المكسكيك كانت متقدمة على اوروبا في الطب والفلك والري وتصرف المياه وتنظيم المدن، وان الفكر الهندي بأساطيره كان يمكن ان يقدم فلسفة حقيقية بأهمية الطاوية يتلاحم الانسان فيه بالإلة وبالطبيعة ويلحظ انه لاتوجد حضارة ابدت هذا الميل الى الملابس واشغال الريش «جلود، زينه، وشم..» فالتدمير الشامل طاول فن الجسد والملبس الذي كان يصنع من المحاربين والسادة ممثلين لعالم اخر ومعبرين عن العالم الحيواني. وهكذا كسبت الحضارة الغربية العالم الجديد وخسرت نفسها وها هي تعثر اليوم من جديد على فكر هنود امريكا بعد غرقه في العنف والمادة لكن لوكليزيو يعود ليتعلق بأمل فالمختبئون في اعماق الغابات والصحارى هم اخر الباقين من كارثة وهم الحلم الاخير، والمستحيل. احمد عمر