بيان الكتب: كاثرين جنتيل، مؤلفة هذا الكتاب، هي أحد كبار الصحفيين في مجال التحقيقات الميدانية بالقناة التلفزيونية الفرنسية الأولى. كانت قد حازت على جائزة «البير ـ لوندرس» عام 1998. وهي ايضاً اخصائية بشئون الشرق الأوسط. هذا هو كتابها الأول. لا شك بأن «تغطية» أخبار الحروب لهذه المحطة التلفزيونية الفرنسية أو تلك، انما هي بالأحرى مهمة يقوم بها الرجال الذين لا يزالون في عنفوان شبابهم. مع ذلك، إن مؤلفة هذا الكتاب كاثرين جنتيل، فرضت نفسها كإحدى النساء القليلات اللواتي خضن مثل هذه التجربة وقامت بـ «تغطية» عدة حروب، خاصة في منطقتي الشرق الأوسط والبلقان. وقد ساقتها تجربتها الى لبنان وللجبهة العراقية ـ الإيرانية أثناء حرب الخليج بين العراق وإيران. وكذلك الى الجزائر وافغانستان وروسيا والبلقان... الخ. وكانت في جميع الحالات تقوم بتحقيقات صحفية ميدانية لصالح القناة التلفزيونية الفرنسية الاولى. لكن التحقيقات الصحفية الميدانية ليست سوى وجه واحد لحياة الصحفيين الذين يقومون بتغطية اخبار «البؤر المتوترة». ذلك ان الدقائق القليلة التي «يظهرون» فيها على الشاشات في مختلف مظاهر الحياة اليومية والسفر المفاجيء الى المناطق الساخنة مع ما يراق هذا كله من قلق وتوتر ولقاءات ومواقف غير محسوبة. بالإضافة الى هذا أيضاً تفصح المؤلفة ـ صحفية بالتحقيقات الميدانية الحربية عن خوفها الكبير (فوبيا) من السفر بالطائرة، بل ومن الأماكن العالية. على قاعدة ما سبق يبدو هذا النص مليئاً بالحياة وبالانفعالات، ولكن قبل كل شيء نصاً ذا قيمة وثائقية كبيرة. وهذا ما عبّر عنه ذات يوم البير كوندر الذي تحمل المؤلفة جائزته، في جملة يصف فيها عمل صحفي التحقيقات الميدانية عندما قال: «ان مهنتنا لا تكمن في مؤازرة هذا أو الحكم بخطأ موقف ذاك وانما ان نخط القلم بالجرح بحثاً عن تأكيد المصداقية والشرف والشجاعة مهما كان الثمن». تبدأ المؤلفة حديثها عن تجربتها كمراسلة حربية من حادثة صادفتها ذات ليلة من ليالي شتاء عام 1997 في بغداد حيث كان الناس يتوقعون هجوماً جوياً أمريكياً. في ذلك اليوم صادفت كاثرين جنتيل في أحد شوارع العاصمة العراقية الطفلة شيرين. تقول «لم يكن لدينا، كلتانا، وقتاً نضيعه، فهي كانت تتسول كي تؤمن بقائها (...) وانا لأنه كان عليّ ان اقدم للقناة التلفزيونية التي اعمل معها في باريس تحقيقاً اشرح فيه بدقيقتين فقط مدى قلق وخوف شعب أدماه تاريخه الحديث». كان عمر الطفلة خمس أو ست سنوات، وعمر المؤلفة ـ كما تقول ـ ستة وثلاثين عاماً؟ أي انها كانت تستطيع ان تكون والدتها، لا سيما وان بينهما ـ كما تقول أيضاً ـ شبهاً كبيراً في الملامح والتقاطيع. لكن أحداث الشرق الأوسط الدامية خلال العقد الماضي جعلت الطفلة في عداد أولئك «الذين لا يفهمون ما يجري» والسيدة ـ المؤلفة في عداد أولئك «الذين لا يقبلون مسلسل أشكال العنف المعلنة». قامت علاقة ود انساني بين الصحفية الفرنسية والطفلة العراقية شيرين عبر لقاءات عابرة كانت تتكرر على الرصيف أمام وزارة الاعلام العراقية وحيث كانت مناسبة زيارة كوفي عنان الأمين العام للأمم المتحدة، الى بغداد سبباً في ابعاد الطفلة عن «الرصيف المعتاد»، حيث كان سير موكبه. لقد ساهمت تلك الزيارة في تخفيف التوتر وابتعاد شبح القصف الأمريكي آنذاك على الأقل وبالتالي عودة المراسلة الحربية ـ المؤلفة الى باريس وفي جعبتها صورة لشيرين تزيّن الآن مكتبها. هكذا تقدم كاثرين جنتيل فهمها لعمل الصحفي الميداني ـ الحربي عبر مواقف انسانية صغيرة، ولكن كبيرة الدلالة وتجمع في طيّاتها ابعاد المآسي التي تخلفها الحروب. وضمن اطار هذا الفهم للعمل الذي تقوم فيه اعتقدت كاثرين جنتيل عندما بدأت مهمتها كصحفية تحقيقات ميدانية حربية «من الدرجة الأولى» بأنها «ستنقذ العالم عبر المساهمة في ايقاظ الضمائر وشجب الشرور ودعم التوجهات الخيّرة»، كما عبرت، لكنها وبعد عشر سنوات من ممارستها لهذه المهنة وجدت نفسها مرغمة على الاعتراف بأن «العالم يمضي من سيئ إلى أسوأ وان عدد الضعفاء يزداد أكثر فأكثر بينما يتفاقم سوء أوضاعهم». مع ذلك تؤكد المؤلفة ـ المراسلة الحربية بأنها لم تتخلّ أبداً عن «خياراتها» و«قناعاتها». تقول: «بما أنني قد أخفقت في بحثي الطوباوي في تغيير العالم لكنني لم يكن بمقدوري التخلي عن موقفي التضامني. إذ كيف كان يمكنني ان أرى عمليات القصف الجوي لبغداد على شاشة الـ «سي.إن.إن» ولا أعود إليها؟». هكذا عادت مرة أخرى الى بغداد كي تلتقي من جديد مع «جميع الأصدقاء على ضفاف دجلة» والذين كانت قد عرفت معظمهم منذ أيام الحرب العراقية ـ الإيرانية. ولعل الميزة الأساسية لهذا النص الذي تكتبه صحفية غربية «يفترض» ان تأخذ مسافة عن الأحداث التي تجري أمامها «من موقعها المهني»، هو الابتعاد عن أي خطاب «بلاغي» أو «ايديولوجي» والاقتراب بأكبر قدر ممكن من حياة الناس العاديين ووصف اللحظات التي يعيشونها مثل تلك التي «لا يعرف أي انسان فيها إذا كان سيبقى على قيد الحياة بعد أيام» في بغداد والتي كانت مهددة بالقصف، أو تلك اللحظات التي التقت فيها المؤلفة من جديد مع شيرين التي كانت قد كبرت عامين ولكن ابتسامتها «لم تكبر». ومن اللحظات «القوية» التي «تجتاز» هذا الكتاب من بدايته الى نهايته، تلك التي تصف فيها الموت العنيف الذي عايشته كمراسلة حربية لبشر لا تعرفهم لكنهم لم يبارحوها أبداً أو لبشر كانت قدعرفتهم عن قرب لكنها «احتفظت بجميع أسمائهم وعناوينهم في مفكرتها». تقول: «كلما أفكر بهم يسودني الاحساس بأنني احملهم في أعماقي، في اعماق قلبي وعقلي. انهم يشكلون جزءاً من حياتي». انها تتذكر، وتكتب وهي تتذكر، الكثير من الوجوه في «لحظاتها» الأخيرة، لحظات الاحتضار مثل تلك التي عرفها ذلك الجندي الذي أمسك بيدها «في آخر حركة يبحث فيها عن سند».. أو اللحظات الأخيرة لإيفان زميلها المصور الصحفي تشيكي الأصل الذي كان يقول لها دائماً انها سوف «تموت» ذات يوم على احدى جبهات القتال هذا اذا لم «يحصدها» مرض السرطان الخبيث بسبب التبغ، لكن هو الذي تلقى عدة طلقات من رشاش «كلاشينكوف» عندما كان يصوّر محاولة الشيوعيين في روسيا عام 1993 الاستيلاء على مبنى التلفزيون. وقفت بالقرب من سريره في مستشفى بموسكو حيث كان في حالة غيبوبة كاملة (كوما) قبل محاولة نقله الى باريس. تقول: «أتأمل فقط انه في حالة غيبوبته تلك قد عرف انه لم يكن وحيداً وانه لم يعرف درجة كبيرة من الخوف». ان حياة وموت ايفان شكّلت مناسبة للمؤلفة كي تتحدث عن بلده الاصلي، تشيكوسلوفاكيا ـ سابقاً، الذي تركه يوم دخلته القوات السوفييتية عام 1968 لقمع حركة الاحتجاج ليعيش في الغرب مصوراً تلفزيونياً «متعطشاً دائماً للقاء الآخرين وتصوير البؤساء». لقد مات عندما وصلت الطائرة التي تقله الى باريس، وهكذا «نجا مرة اخرى من الشيوعيين... وإلى الأبد». وإذا كانت مواد هذا الكتاب تشير بوضوح الى ان الشرق الأوسط يشكّل مركز الاهتمام الرئيسي للمؤلفة، فإنها مع ذلك تؤكد انه «لم يكن هناك اي شيء، خاص يدفعني لتغطية احداث الشرق الأوسط. لم يدفعني نحوه تاريخي الخاص أو أصولي العائلية ـ والدها مصوّر (مراسل حربي) ووالدتها طبيبة فرنسيان كلاهما كانا قد التقيا للمرة الأولى في الهند الصينية، هو جريح وهي التي قدمت له أول الاسعافات. كان اهتمام المؤلفة الجغرافي المفضل يذهب باتجاه أمريكا اللاتينية وتشي جيفارا. لكن الصدفة شاءت ان فترة دخول كاثرين جنتيل للعمل في القناة التلفزيونية الفرنسية الأولى كصحفية تحقيقات ميدانية قد تزامنت مع تنامي حدة الحرب في لبنان وانفجار أزمة الرهائن والحرب العراقي ـ الإيرانية... الخ. هكذا وجدت نفسها تعيش الأيام الأخيرة من عام 1997 تحت القصف على الحدود العراقية ـ الإيرانية. إن احتراف مهنة «صحفي التحقيقات الميدانية» يعني قبل كل شيء السفر. و«الحقائب» الجاهزة باستمرار. ذلك ان «المهمات» كثيرة في عالم يتعاظم العنف فيه. «المهمات» التي تعرف كيف «تنتزع» الصحفي من مسار حياته العادي. هكذا وفي العاشر من شهر يونيو 2000، وعندما كانت كاثرين جنتيل في طريقها لإمضاء عطلة هادئة بعد أسبوع عمل شاق رنّ هاتفها النقال. انها ادارة القناة التلفزيونية التي تعمل معها تطلب منها العودة للتوجه فوراً الى دمشق اثر وفاة الرئيس السوري حافظ الأسد. هذا أول مقال تسوقه المؤلفة على سلسلة من الأسفار المفاجئة التي قادتها عشرات المرات خلال السنوات الأخيرة المنصرمة الى منطقة الشرق الأوسط بشكل خاص. وفي كل «سفرة» هناك العديد من الحكايات واللقاءات مع مسئولين ومع بشر عاديين.. ولكن هناك أيضاً في أحيان كثيرة، بل في أكثر الأحيان، الخطر المهدد المحدق. إنها «مخاطر المهنة». يقال ان أي «رحيل» هو «قليل من الموت» ولكن إذا كانت الوجهة هي جبهة قتال فإنه قد يعني «الموت» بكل ما تعنيه هذه الكلمة. ان المؤلفة تكرّس في هذا السياق عدة صفحات لمناقشة مفهوم «السفر» ذاته فهو مكامن الخطر. بكل الحالات يقال ان «الجبان يموت ألف مرة بينما لا يموت الشجاع سوى مرة واحدة». ولابد من التأكيد في النهاية على بعد مهم في هذا الكتاب هو انه بشكل شهادة صحفية عاشت بكل جوارحها وانفعالاتها الأحداث التي قامت بتغطيتها، ولم تكتف بموقع «المراقب المحايد» بل أعلنت على العكس «انحيازها» الواضح والصريح لخياراتها وقناعاتها على قاعدة المبادئ الإنسانية التي تؤمن بها انطلاقاً من احترام الإنسان، كشرط لا يمكن تجاوزه تحت أي عنوان كان. وهذا ما حرصت «كاثرين جنتيل» على تأكيده عبر التحقيقات العديدة التي قامت بها في أفغانستان والعراق والأراضي المحتلة والجزائر وغيرها. تقول في الكلمات الأخيرة من كتابها: «اذا كان ينبغي البحث عن معنى حياة الصحفي فإنني قد وجدته (...) وهو انني قمت بنقل المعلومات عن الآخرين وعن آلامهم عبر الصوت والصورة المسلطتين نحو مصادر القلق والخوف بحثاً عن صور يمكنها ان تبرز اعمال الجلادين وتثير الانتباه حول ما يقومون به (...) لقد جعلت من نفسي ناطقة باسم أولئك الذين لا يمتلكون ـ سوى نادراً ـ حق الكلام». نصٌ تشكّل الانفعالات والدموع والمآسي ومئات الحكايات الصغيرة والكبيرة نسيجه الأساسي.