بيان الكتب: يعيش «كارل شاو»، مؤلف هذا الكتاب في «ستافورد شاير» ببريطانيا حيث يقوم بالبحث والكتابة عن السلالات الملكية الاوروبية، القديمة منها والراهنة. له عدد من الكتب منها «كتاب الماموت..» و«خلاصة ما لا يصح قوله ولا مذاق له». يقدم «كارل شاو» في هذا الكتاب توصيفاً للحالة التي تعرفها تاريخياً عدة ملكيات اوروبية من اسبانيا وحتى بريطانيا ومروراً ببلجيكا ووصولاً الى سلالة رومانوف التي كانت قد اعطت عدة قياصرة لروسيا قبل قيام الثورة البلشفية فيها عام 1917. ان خلاصة التوصيف الذي يقدمه عن هذه السلالات تتمثل في صفة «المنذرة بالخطر» التي استخدمها في العنوان، وذلك على اساس مجموعة الممارسات والفضائح التي هزّت اكثر من «عرش» في اوروبا. هذا على الرغم من ان الملكيات البرلمانية لا تملك اية سلطة حقيقية، كما هو الحال في المملكة المتحدة ـ بريطانيا ـ اليوم. لكن وبكل الحالات تمثل السلالات الملكية نوعاً من الرمز ـ الشخصي ـ الذي يلتقي الجميع في الالتفاف حوله.. بل وقد كان شخص الملك في اسبانيا اثناء الحرب الاهلية لسنوات الثلاثينيات في القرن الماضي هو بمثابة «دفة الانقاذ» من الدكتاتورية التي حاول فرانكو تدعيم ركائزها. ويرى المؤلف في الملك الاسباني الحالي «خوان كارلوس» احد افضل النماذج القائمة على رأس السلطة في اوروبا. انه وعلى شاكلة الملك «شارل الثالث» احد أقرب الحكام الى الشعب الاسباني، وذلك منذ اكثر من قرنين من الزمن. ويؤكد مؤلف هذا الكتاب على أهمية «الشخصية» ومدى حكمتها واتزانها في تسيير الأمور. وهو يقدم في هذا السياق نموذجين عامين عرفتهما السلالات الاوروبية ودفعا باتجاهين متعاكسين، البلاد التي كانوا يحكمونها، اتجاه نحو الرفعة والسمو والقوة واتجاه اخر نحو التردي والانحلال. ويشير بهذا الصدد الى وجود هذين النموذجين في معظم السلالات الاوروبية خلال تاريخها. ومن خلال البحث في عدة حالات قائمة الان في اوروبا، وخاصة عبر التركيز على الحالة البريطانية، يرى المؤلف ان أهم الفضائل التي ينبغي ان يتحلى بها ملوك لا يحكمون فعلياً تتمثل في ان يجيدوا «فن ملء فراغهم». وكان الامير تشارلز في بريطانيا قد صرح منذ عام 1970 لصحيفة التايم قوله: «مشكلتي انني لا اعرف الدور الذي ينبغي علي ان ألعبه في الحياة. اذ لا دور محدد لي» وفي سياق البحث عن السلالة الملكية البريطانية في الوضع الراهن يحلل المؤلف عددا من المؤشرات المنذرة بالخطر، وهي مؤشرات متنوعة ومختلفة ليست الحياة الخاصة لعدد من الافراد ومقتل الاميرة ديانا وسائل دفع الضرائب اقلها اهمية وتهديداً بالوقت نفسه. ثم ان الملوك والملكات في اوروبا اليوم، وبعد ان فقدوا اية سلطة حقيقية لان الحكومات هي التي تسيّر امور البلاد، لم يعد لهم اي ملجأ سوى التمسك بالمظاهر، مظاهر السلطة وليس ممارستها. لكن هذا لا يعني ان المقصودين من ممثلي السلالات الملكية الاوروبية لم يعد لهم اي وزن في بلدانهم ان الواقع يقول شيئاً آخر اذ من المعروف ان الملك «بودوان» قد نجح بشخصه في ان يجسد الوحدة البلجيكية وكان الملك الاسباني الحالي «خوان كارلوس» قد انقذ الديمقراطية في بلاده عندما اعطى الاوامر للجيش بالعودة الى الثكنات وعدم التدخل بالسياسة، كما كان الملك «كريستيان العاشر»، ملك الدنمارك، قد ضرب هو نفسه مثال المقاومة ضد الاحتلال النازي اثناء الحرب العالمية الثانية. ان الصعوبة الكبيرة التي يواجهها ملوك اوروبا اليوم تأتي من كون انهم مسئولون بالاحرى حيال ما يمثلونه اكثر مما تمثله حقيقتهم كأفراد وكبشر عاديين. ومن هنا يكونون باستمرار تحت «المراقبة» بصورة ما، كما تحصى عليهم ادق حركاتهم وسلوكياتهم.. ثم ان «الممارسات اليومية» محكومة دائماً بالمظهر الذي عليهم ان يتأقلموا مع تعييناته، واي «انحراف» عما هو مرسوم بدقة يمكن ان يكون ذا نتائج مأساوية للمعني به. وبالتالي عليهم باستمرار ان يخوضوا معركتهم ضد «الفراغ» رغم «الثروة» و«المجد». هذا الفراغ قد يدفع في بعض الاحيان الى حالات قلق وتوتر نفسي واكتئاب وهكذا اصيبت مثلا، وريثة عرش السويد مؤخرا بمرض «الفقدان الكامل للشهية للطعام.. مما قد يهدد حياتها كما كان مصير عدد من اولئك الذين عرفوا مثل هذه الحالة النقيضة تماما لـ «مرض» الشراهة. ان مؤلف هذا الكتاب يسهب في تعرضه لتاريخ السلالة الملكية البريطانية باعتبارها احد النماذج الاكثر تعبيراً عن التوجه «المنذر بالخطر» بالنسبة للسلالات الملكية الاوروبية. وهو يتوقف عند بعض «المحطات» المهمة في تاريخ هذه السلالة حيث يتعرض لشخصيتين شهيرتين فيها هما «الملكة فكتوريا» التي تشير «مذكراتها» المكتوبة عام 1884 الى سلوكيات لم تكن تتماشى مع ما كانت تمثله.. وايضاً لشخصية الملك ادوارد الثامن الذي كان ملكاً لانجلترا وايرلندا منذ شهر يناير 1936 وحتى شهر ديسمبر من السنة نفسها. وكان يحظى بشعبية كبيرة عندما خلف على العرش البريطاني والده جورج الخامس. لكنه اصطدم بقوة مع رئيس الوزراء انذاك «ستانلي بالدوين» عندما اعرب عن رغبته بالزواج من «سمبسون»، المرأة المطلقة والامريكية الجنسية، ومما اثار ازمة حكومية حقيقية وتخلى الملك ادوارد الثامن عن العرش لأخيه جورج السادس كي يتزوج المرأة التي احبها. «مصدر التهديد» الحقيقي بالنسبة للسلالات الملكية الاوروبية يأتي من حالات «الشطط» العديدة التي ترددت كثيراً اخبارها في عصر المعلومات الذي نعيش فيه وحيث يبدو التباين كبيراً بين هذه الحالات والصورة «المناقضة» المطلوب الظهور بها. كما يبدو ان موقع هذه السلالات قد اصبح اكثر هشاشة بفعل ان وظيفتها نفسها قد فقدت «فائدتها» الى حد كبير ولم تعد تثير الاهتمام الذي كانت تثيره قبلا بينما كانت قبلا هي صاحبة القرارات الحاسمة في حياة بلدانها وكانت كل الانظار تتطلع نحوها. ولا شك بان وسائل الاعلام قد ساهمت الى حد كبير في جعل موقعها «مهتزاً» عبر تسليط الاضواء على الكثير من القضايا والفضائح المتنوعة. لكن هذا كله لا يمنع دافع ان بعض رموز هذه السلالات الملكية الاوروبية لايزالون يحتفظون ببريق وبأبهة اكثر من السياسيين في بلدانهم... ومن ينظر باتجاه اسبانيا يدرك ذلك. كتاب في التاريخ.. غير المألوف.