بيان الكتب: مؤلف هذا الكتاب هو احد الاخصائيين الامريكيين المعروفين في ميدان الشئون الدولية حيث انه يقوم بتدريسها في جامعة «برينستون» سبق له وقدم العديد من الكتب التي اصبح بعضها بمثابة مراجع «كلاسيكية» في مجال اهتمامها مثل «الاقتصاد السياسي في العلاقات الدولية»، و«تحدي الرأسمالية الكونية»، الاقتصاد العالمي في القرن الحادي والعشرين»... الخ هذا الكتاب الجديد «الاقتصاد السياسي الشامل» من اجل فهم النظام الاقتصادي الدولي، هو بشكل عام بمثابة استمرار للتحليلات التي كان المؤلف قد عرضها في كتابه السابق «الاقتصاد السياسي في العلاقات الدولية»، وهو كتاب موجه بالدرجة الاولى إلى «صانعي» القرار السياسي والاقتصادي في العالم الرأسمالي عامة والتنمية الامريكية بشكل خاص، لكنه لابد وان يثير ايضا اهتمام الطلبة والباحثين وشرائح كبيرة من القراء «العاديين». واذا كان هذا الكتاب يتعرض تقريبا لنفس المواضيع التي كان المؤلف قد تطرق لها في كتابه السابق «الاقتصاد السياسي في العلاقات الدولية»، فان هذا لا ينفي «راهنية» مواضيع العمل الحالي حيث ان عالم الاقتصاد والمنظومات السياسية الدولية قد شهد تغيرات جوهرية كبيرة منذ عام 1987 تاريخ نشر الكتاب الاول، وليس اقلها انهيار جدار برلين وعلى اثره المنظومة الشيوعية كلها ونهاية حقبة الحرب الباردة والاستقطاب الثنائي الدولي، ومقابل هذا كله بروز قوى اقتصادية وسياسية جديدة وتحقيق عدد من التجمعات الاقليمية يقدم الاتحاد الاوروبي افضل مثال عليها، اضف إلى هذا مدى التقدم الهائل الذي حققته التكنولوجيا في مختلف الميادين وخاصة الاتصالات والاعلام مما ترتب عليه تغيرات كبيرة على آليات عمل المبادلات الاقتصادية والتجارية والاسواق المالية، ان هذا الكتاب يعالج في الواقع عبر فصوله الخمسة عشر مختلف هذه المعطيات والمستجدات. ويركز المؤلف تحليلاته على القوى الاقتصادية السياسية والتكنولوجية التي ساهمت في «تغيير» العالم، ويولي اهمية خاصة لـ «العولمة الاقتصادية» واشكال تدخلها الحقيقية، منها أو «الموهومة»، واثارها على عالم الاعمال، كما يدرس الدرجة التي كانت فيها هذه العولمة مصدر العديد من المبالغات أو من اساءة الفهم، ويحاول المؤلف ان يقدم البراهين على امكانيات السياسات المدنية والاقتصاد المحلي في التأثير على اقتصاد السوق بالمعنى العالمي الشامل. ان الخصوصية في تحليلات «روبير جيلبن» تكمن في المزج بين السياسة والاقتصاد في نقاشه لمختلف المسائل المتعلقة بـ «الاقتصاد السياسي الشامل» كما جاء في عنوان هذا الكتاب، كما يعتمد ايضا على مختلف النظريات والمعاهدات الخاصة بالتجارة الدولية، ويستعرض ايضا مختلف نظريات التنظيم الصناعي، ان شمولية مثل هذا التحليل تكتمل عندما نجد ان هذا المؤلف لا يتردد في استخدام مشارب اخرى لا علاقة مباشرة لها بالسياسة أو الاقتصاد مثل الافكار المتداولة في حقل العلوم الاجتماعية أو التاريخ، أو أية فروع معرفية اخرى اذا رأي ان هذا قد يساعد على فهم افضل لـ «نظام الاقتصاد الدولي الجديد». وفي خلاصة البحث بالمحددات الاساسية لـ «النظام الاقتصادي الدولي الجديد» يرى المؤلف ان آلياته محكومة بأمرين اساسيين هما الاسواق العالمية وسياسات الدول والامم، ان المصالح والمنافسات والتحالفات السياسية للدول تتداخل فيما بينها كي تصيغ شبكة من العلاقات لها تأثيرها المباشر على القوى الاقتصادية، لقد اصبح مطلوبا ان تكف الدول عن وضع القواعد والضوابط لعمل الافراد والشركات متعددة الجنسيات، ذلك ان النظام الدولي الجديد يفرض توجها اكثر تصميما نحو قدر اكبر من الليبرالية وبالتالي إلى الحد اكثر فأكثر من دور الدول في مجال الاقتصاد، كما كان الامر في السابق، ذلك ان القوى الاقتصادية هي ذات حساسية كبيرة بالنسبة إلى العلاقات السياسية للدول، ثم ان الاسواق قد غدت بالفعل بمثابة عامل حاسم في تحديد مسار القضايا الاقتصادية والسياسية، من هنا تأتي ضرورة ان يعتمد اي تحليل يرمي إلى فهم آليات عمل الاقتصاد الشامل «العولمة» على الاخذ بعين الاعتبار البعدين السياسي والاقتصادي معا، ثم لابد ان يدمج هذا التحليل معطى جديدا يتمثل في «التكامل» بين عمل الدول والاسواق. وينظر مؤلف هذا الكتاب إلى «الاقتصاد السياسي» وكأنه بمثابة تداخل لعمل الاسواق مع مجموعة من القوى الفاعلة، ان الجمع بينهما امر ضروري، ولا يمكن لأي منهما، على حدة، ان يدرك بشكل كامل آلية عمل الاقتصادات المحلية أو الدولية، هذا لاسيما وان الدول والقوى الفاعلة الاخرى تميل أو تسعى إلى استغلال الاسواق في منظور خدمة مصالحها. هذه الاسواق لها ايضاً منطقها الخاص في مجال الاسعار وتحديد اليات التبادل والقيود والضوابط التي ترى من الضروري اللجوء اليها. ان طبيعة الاقتصاد الجديد والتداخل بين عمل الاسواق وسياسات الدول ادت الى ظهور مفهوم جديد في الاقتصاد اطلق عليه المؤلف تسمية المفهوم الكلاسيكي الجديد، كما جاء في عنوان احد الفصول، وهنا يبحث ايضاً في عدة قضايا جوهرية مثل طبيعة الاسواق وطرق المقارنات الاحصائية، والحدود الفكرية التي يمكن الوصول اليها من اجل صياغة مثل هذا المفهوم، ويرى المؤلف ان تقنيات التحليل المستخدمة في الاقتصاد الجديد تشكل ادوات اساسية في دراسة السياسات الاقتصادية بشكل عام وفي السياسة الاقتصادية الدولية بشكل خاص. ذلك على اساس ان النشاطات الاقتصادية تختلف تبعاً للبنى الاجتماعية السياسية في مختلف المجتمعات، كما ان فهم الاقتصاد الدولي يستوجب ان يقوم على ادراك توجهات السياسات الاقتصادية الدولية والسياسات المحلية. يبقى الخط الناظم في تحليلات هذا الكتاب هو تركيز الانتباه على التداخل بين الاسواق والقوى السياسية الفاعلة. ولا يكفي الاعتماد على العلوم الاقتصادية وحدها، رغم اهميتها، من اجل تحليل التوزيع العالمي للثروة وطبيعة النشاطات الاقتصادية، وآثار عالم الاقتصاد على المصالح الوطنية الخاصة وحقيقة تواجد المنظومات الدولية. وضمن هذا الاطار يرفض المؤلف الفكرة الشعبية القائلة ان القوانين الاقتصادية الكونية ـ يونيفرسال ـ والقوى الاقتصادية الفاعلة هي التي تحدد اليوم قواعد الاقتصاد العالمي. وعلى الرغم من تزايد تأثير العولمة الاقتصادية وتكامل الاقتصادات الوطنية فان المؤلف يؤكد ضرورة التمييز بين الاقتصادات الوطنية والدولية. ان الحدود السياسية فعلت وستفعل، الاقتصاد والسياسات الاقتصادية لامة ما عن امة اخرى، كما ان الاعتبارات السياسية ستؤثر على وستميز النشاطات الاقتصادية لبلد ما عن بلد اخر. ثم ان الدول، والقوى الفاعلة الاخرى، لابد وان تحاول استخدام قوتها من اجل التأثير على النشاطات الاقتصادية وتجييرها بأقصى درجة ممكنة لمصالحها الاقتصادية والسياسية. وبمقابل المفهوم الكلاسيكي الجديد يستعرض المؤلف النظريات الاقتصادية الجديدة. ويرى ان هذه النشاطات تعزز من فهمنا لآليات الاقتصاد العالمي وللمسائل الاساسية للاقتصاد السياسي الدولي فيما يتعلق بتوزيع المردود الاقتصادي وجهود الدول من اجل المحافظة على هامش استقلالها الذاتي، والنزاع فيما بين الدول حول طبيعة المنظومات الدولية. ان عملية النمو الاقتصادي وتمركز النشاطات الاقتصادية في مناطق خاصة. وانتشار النمو الاقتصادي والنشاطات الاقتصادية بحيث تصل الى مناطق جديدة، هذه كلها امور اساسية بالنسبة لتطور عالم الاقتصاد. كما ان قوى السوق هي ذات اهمية مركزية في هذا التطور ذلك ان بعض المؤسسات الفاعلة والدول والشركات متعددة الجنسيات تحاول كلها باستمرار توجيه الاسواق نحو السبل التي تؤمن اكبر قدر ممكن من مصالحها الوطنية او مصالح المؤسسات والشركات المعنية. هذا وتميل النظريات الاقتصادية الجديدة الى تحديد دور التداخل بين القوى الاقتصادية /التكنولوجية وبين القوى الفاعلة في التوزيع الشامل للنشاطات الاقتصادية. كما تميل هذه النظريات الى المقارنة بين ميزات الاقتصاد الوطني وبين اخر التحولات في الموازين الدولية للقوى الاقتصادية والعسكرية. وقد دفعت نظريات الاقتصاد الجديد حول الاقتصاد العالمي مؤلف هذا الكتاب الى القول بالنتيجة ان الحكومات وسياستها، وستكون، شديدة الانتباه الى آليات عمل الاقتصاد الدولي. كما ان النتائج الاقتصادية، في ظل الاسواق والعولمة، لا تتخذ فقط بواسطة القوى الاقتصادية وانما ايضاً من قبل الحكومات وسياساتها. مع ذلك تتباين الاقتصادات الوطنية بشكل اساسي في الدرجة التي تلعب فيها حكوماتها دوراً في آليات الاقتصاد مع السبل التي تتبعها هذه الحكومات من اجل دعم هذه الاقتصادات. لكن انهيار جدار برلين وسقوط المجموعة الشيوعية ونهاية الحرب الباردة، امور ادت بمجملها الى نهاية التصادم بين الرأسمالية والاشتراكية كي يحل مكانه تصادم اخر هو بين عدة صيغ متنافسة داخل اطار الرأسمالية ذاتها.. وحيث وصل التوتر في بعض الحالات الى حدود الانفجار والنزاعات السياسية المفتوحة. ثم ان الانظمة الوطنية المختلفة بميدان الاقتصاد السياسي يشكل عقبات حقيقية امام الوصول الى اقتصاد شامل متعدد الاطراف والخلافات والتمايزات في ميادين متنوعة مثل التنافس السياسي والممارسات في حقل رجال الاعمال والبنى المشتركة كانت كوابح كبرى في ميدان التجارة الدولية وبقية المفاوضات الاخرى. ويرى المؤلف في النظام التجاري اكبر الانجازات الهامة للنصف الثاني من القرن العشرين. هذا ما دلت عليه الجولات المتعددة للاتفاقية الخاصة بالتعرفة الجمركية الدولية والمعرفة باسم «الجات» ابتداء من الجولة الاولى المعروفة باسم دورة كيندي خلال عقد الستينيات الماضي والتي كان لها اثارها على تنظيم التجارة الدولية والمساعدات الدولية الحكومية وتوجيه السياسات الخاصة بتوجيه الاسواق نحو مشاركة عالمية اكبر وتحديد عدد من الضوابط في حقلي الاستيراد والتصدير، ويحظى نظام النقد ـ العملة ـ العالمي في هذا الاطار ببحث خاص من قبل المؤلف حيث يؤكد اولاً على اعتماد الدولار الامريكي كعملة مرجعية، في المبادلات الدولية. لكن تظهر منذ السنوات الاخيرة من القرن العشرين بعض العملات المنافسة لهذا الدولار وعلى رأسها اليورو الاوروبي الذي سيكون هو عملة التبادل اليومي في بلدان الاتحاد الاوروبي الخمسة عشر اعتباراً من مطلع عام 2002، وهناك ايضاً الين الياباني لكن هذه العملات الثلاث لا تعني على وجه التحديد، وجود ثلاث كتل اقتصادية متنافسة، او ان هناك تفسخات يعاني منها الاقتصاد العالمي. بل على العكس يمكن لهذه المنافسة ان تكون مقدمة للتعاون المالي والسياسي بين الولايات المتحدة الامريكية واليابان واوروبا الغربية (بلدان الاتحاد الاوروبي). وذلك كأول انجاز ممكن للتعاون بين القوى الاقتصادية الدولية الرئيسية وليس فقط تعاونها السياسي. من جهة اخرى ادى تحرير رأس المال وتنامي قوة الاسواق المالية الى نتائج هامة بالنسبة للاقتصاد العالمي، لكن عملية تحرير حركة رؤوس الاموال ادت من جهة اخرى، الى تعقيد، بل وربما الى تقليص ـ كما يعتقد البعض ـ هامش الاستقلال الذاتي السياسي وكذلك تقليص صلاحيات الحكومات في مراقبة اقتصاداتها نفسها. وقد شكلت تدفقات رؤوس الاموال الدولية احد اهم العوامل الحاسمة، هذا اذا لم يكن العامل الاكثر حسماً حسب رأي البعض، في تحديد معدلات مبادلة (على المدى القصير على الاقل) النقد. هنا يبرز ايضاً دور الشركات متعددة الجنسيات. وزادت حرية الاسواق المالية في تداخل التجارة والنقد مع جوانب اخرى من الاقتصاد العالمي لاسيما وان هذه الشركات تلعب دوراً متنامياً في تكامل وتنظيم الاقتصاد العالمية. الامر الذي لا يمنع واقع ان النشاطات الاقتصادية تقوم بغالبيتها على اسس وطنية. وكان المؤرخ الاقتصادي «وليام باركر» قد اشار الى ان النظام الرأسمالي الدولي كان قد بدأ يعرض بعض الانكفاءات منذ القرن التاسع عشر بسبب المزاوجة غير الناضجة بين شركات رأسمالية عملاقة ومصالح بعض الاوروبيين»، اما اليوم فهناك اعتراف بوجود عدة اتفاقات ومصالح اقتصادية. بكل الحالات تبقى التنمية الاقتصادية هي احد الرهانات الاساسية لأية منظومة تريد ان تقدم حلولاً ناجعة للمشاكل المطروحة على مجتمعاتها. لكن الكثيرين يرون بأن حرية التجارة والانفتاح الاقتصادي لا يمكنهما ان يشكلا وحدهما حلاً مناسباً لمشاكل التخلف، وللمشاكل التي يطرحها اي اقتصاد يمر بحالة انتقالية، مثل الانتقال من الاقتصاد المخطط الاشتراكي الى اقتصاد السوق الرأسمالي. المطلوب هو ايجاد نوع من المصالحة بين اطروحتين متطرفتين تقول احداهما بالتخلي الكامل عن الليبرالية الجديدة بينما تطالب الثانية بالتبني الكامل والشامل لاقتصاد السوق. وكان الاقتصادي جيفري ساتش قد اقترح حلولاً على المدى الطويل لبعض المشاكل الكبيرة وذلك بأن تشارك المجموعة الدولية مثلاً في استصلاح الاراضي وجعلها قابلة للزراعة في المناطق القطبية والجرداء وبحيث تتضافر جهود العلم والتكنولوجيا في مثل هذه المهمات، ان مثل هذا العمل سيكون منه امكانية تقليص اثار التخريب للبيئة وللصحة العامة (الامراض وغيرها)، هذا اذا لم يكن التغلب عليها نهائياً. ان تمويل بعض المشاكل يمكن ان يكون مفيداً للاغبياء والفقراء بنفس الوقت، يقول مؤلف هذا الكتاب هذا وللتجمعات الاقليمية دور كبير في هذا المضمار من اجل تنشيط اقتصادها الاقليمي.