بيان الكتب: «فرانسيس فيتزجيرالد» هي مؤلفة كتاب «نار في البحيرة» الذي خصت به الحرب الفيتنامية ونال شهرة كبيرة في امريكا وخارجها. وهي ايضا مؤلفة كتاب «امريكا: إعادة النظر»، وهذا الكتاب، مكرس لدراسة تاريخ الكتب المدرسية الامريكية في القرن العشرين وكتاب آخر بعنوان «مدن على الهضبة» حول الثقافة الامريكية المعاصرة. نالت «فيتزجيرالد» جائزة «بوليتزر» الشهيرة و«الجائزة الامريكية الوطنية للكتاب». وهي تعيش حاليا في مدينة نيويورك. «مخرج الى السماء» هو كتاب عن امريكا في ظل رئاسة رونالد ريجان الذي كان وراء مبادرة العمل على ايجاد «نظام دفاعي استراتيجي» امريكي عرفت باسم «حرب النجوم» والتي عاد الرئيس الامريكي الحالي جورج بوش الى احيائها من جديد. وقد يكون هذا الكتاب ذا اهمية خاصة في هذه الفترة التي تتوجه فيها جميع الانظار نحو الولايات المتحدة الامريكية. ان مؤلفة هذا الكتاب تحاول الاجابة عن العديد من التساؤلات الخاصة بالفترة الرئاسية لادارة رونالد ريجان... وخاصة برنامج «حرب النجوم» في اطار مفهوم دفاعي استراتيجي. لكنه برنامج يكلف عشرات المليارات من الدولارات رغم انه «لم يكن قابلاً للتحقيق تكنولوجيا» حسب آراء الاخصائيين، هذا فضلا عن استغلاله «لمخاوف» الجمهور الامريكي. وبهذا المعنى تمثل احد الجوانب الاساسية لهذا الكتاب في كونه بحثاً في المسائل الدفاعية والتسليح والامكانيات المالية للولايات المتحدة الامريكية، وذلك من خلال شخصية الرئيس «رونالد ريجان» الذي كان قد مشى الخطوات الاولى الرئيسية في سبيل «تخليص امريكا من العقدة الفيتنامية». ومن السمات الرئيسية التي يتم التركيز عليها في هذا الكتاب هناك القول ان رونالد ريجان هو الذي رمم المعنويات الوطنية الامريكية من خلال احيائه لعدة «حوافز» تعيد للمخيلة الشعبية حيويتها بعد السنوات «الداكنة» التي اعقبت الحرب الفيتنامية. وبدت مبادرة «حرب النجوم» التي كانت تعني في عمقها الوعد بحماية امريكا من الصواريخ النووية السوفييتية، بمثابة «اكبر انتصار بلاغي» حققه الرئيس الامريكي الاسبق رونالد ريجان. «انتصار بلاغي» لان التحليلات التي تقدمها مؤلفة هذا الكتاب تقول بـ «لا واقعية» مبادرة الدفاع الاستراتيجي بالطريقة التي طرحها ريجان.. لكن هذا لا يمنع «واقع» انها قد حققت وظيفتها لدى الجمهور الامريكي العريض الموجهة له في الاصل. وتؤكد المؤلفة ان فكرة بناء دفاعات استراتيجية تجد جذورها في الفترة التي تلت مباشرة الحرب العالمية الثانية، حيث «اظهرت تحليلات البرنامج الصاروخي الالماني ان تطوير صواريخ باليستية عابرة للقارات هي مسألة وقت فقط». في مواجهة هذه الرؤية خرج «رونالد ريجان» وادارته بفكرة مقابلة تقول بـ «اعتراض» الصواريخ عابرة القارات وهي في الجو وهكذا تولد مشروع «حرب النجوم» كدعامة «مثالية» في اطار منظومة الدفاع الجوي الامريكي. وقد قدمت ادارة ريجان هذا المشروع للكونجرس ضمن اطار خططها للدفاع الاستراتيجي بغية الحصول على موافقة رصد الاموال الضرورية لتنفيذه. تبدأ المؤلفة تحليلاتها بفصل عن سيرة حياة رونالد ريجان وبيئته العائلية والظروف التي رافقت نشأته، وخاصة التأثير الكبير الذي مارسته والدته عليه منذ سنوات طفولته وتربيته الدينية. وقد تعلم ريجان منذ سن مبكرة ان تحقيق اي هدف يتطلب توفير «مختلف عناصر نجاحه». كما انه اظهر براعة في توليف المعطيات ولكن ايضا في التعامل مع الواقع بكثير من المرونة. من هنا تؤكد المؤلفة ان مبادرة «حرب النجوم» لم تكن من «صنعه شخصياً» وانما كانت حصيلة «مشروع جماعي» شارك فيه الكثيرون ممن كانوا يحيطون به. واذا كانت تلك المبادرة قد «فاجأت الكثيرين من اعضاء ادارته فإنها لم تفاجيء مساعديه في البيت الابيض. هذا الى جانب انها «أثارت سخرية» العديدين في واشنطن عند اعلانها عام 1983. لكنها اصبحت بعد عامين احدى المعطيات الاساسية في منظومة الدفاع الاستراتيجي الامريكي. لكن بالوقت نفسه ناشد المفاوضون الامريكيون للرقابة على التسليح والحد من اسلحة الدمار الشامل السوفييت لقبول انتشار الدفاعات المضادة للصواريخ والتقليص الجذري، بل وربما التدمير الكامل للاسلحة النووية». لقد كانت المنافسة بين المعسكرين الغربي والشرقي، الرأسمالي والشيوعي، في ظل الحرب الباردة بمثابة مسألة «مصيرية» كرس لها الاستراتيجيون، في الطرفين، كل جهودهم وقدموها في احيان كثيرة على انها مسألة بقاء او زوال لاسيما وان السلام الذي كان يسود العالم انما كان «سلام الرعب» حيث كانت كل قوة من القوتين العظميين، اي الولايات المتحدة الامريكية والاتحاد السوفييتي ـ السابق ـ على قناعة تامة بأنهما تملكان، كلتاهما، قدرة تدمير القوة الاخرى، او ما عرف بمفهوم «التدمير المتبادل المؤكد». مثل هذه المقولة شكلت الارضية التي طور على قاعدتها رونالد ريجان المفاهيم الدفاعية الاستراتيجية الامريكية في ظل ادارته. وكانت العقول جاهزة لـ «تقبل» اية اطروحات ذات طابع دفاعي في مواجهة الخطر. وكانت ازمة الصواريخ الكوبية لعام 1962 في ظل ادارة الرئيس الامريكي الراحل جون كيندي بمثابة حجة دافعة للتدليل على واقعية التهديد السوفييتي. تجدر الاشارة الى ان تلك الازمة كانت تتعلق باكتشاف صواريخ سوفييتية في قواعد كوبية اصرت امريكا على تفكيكها واعادتها الى حيث جاءت، وقد نجحت في ذلك. باختصار لم تترك الادارة الامريكية في ظل الرئيس ريجان اية امكانية تتيحها السياسة الدولية الا واستخدمتها من اجل اقناع الرأي العام الامريكي بضرورة تعزيز ترسانة التسليح الامريكية. لقد أظهر الرئيس رونالد ريجان وادارته طموحات كبيرة على مختلف المستويات الاقتصادية والاستراتيجية مما دفع بعض المحللين الى الحديث عما اسموه بـ «الثورة المحافظة»، كما قيل ان «سنوات ريجان» تعيد الى الذاكرة «سنوات ايزنهاور» مع فارق ان المواجهة التي خاضتها ادارة ريجان كانت في اطار «حرب باردة» اما ايزنهاور وادارته فقد خاضوا الحرب العالمية الثانية، بعد الهجوم الياباني الشهير في شهر ديسمبر من عام 1941 على قاعدة «بيرل هاربور» الامريكية في جزيرة هاواي بالمحيط الهندي. وكانت ادارة ريجان قد بدأت منذ عام 1983، وهو عام اطلاقها مبادرة الدفاع الاستراتيجي المضادة للصواريخ عابرة القارات، مفاوضات مع الاتحاد السوفييتي للتفاوض حول اتفاقيات للحد من الاسلحة النووية. كان هناك اذن توجه مزدوج في «احلام» ريجان ببناء دفاع امريكي مضاد للصواريخ من جهة والوصول الى عالم خال من السلاح النووي من جهة اخرى ولكن في الحالتين كان المقصود هو تثبيت مواقع القوة الامريكية العظمى في العالم. وفي الحالتين اذن، كان هناك بين مستشاري ريجان والاعضاء الرئيسيين في ادارته مؤيدين لهذا الاتجاه وذاك. وقد اثارت هذه «الازدواجية» شيئاً من الالتباس والتشوش كما بدا في تحليلات الصحفيين الامريكيين التي تقدم المؤلفة نماذج منها، وحيث انهم لم يستطيعوا ان يحددوا بوضوح التصريحات الرسمية التي كانت تبدو متناقضة احياناً. احد فصول هذا الكتاب يحمل عنوان «نيازك» حيث تتم معالجة عدد من القضايا و«الفضائح» التي شهدتها ادارتا ريجان ما بين عام 1980 و1988، وتراوحت بين التأكيد على لسان البعض بأن ريجان كان رجلا يؤمن «بالخرافات» وبأنه «يقرأ ما تخبيء له الابراج عبر هذا الباب في الصحف الى توجيه الاتهامات الصريحة في قضايا مثل بيع الاسلحة لمجموعة «الكونترا» في نيكاراجوا والتي كانت قد لجأت الى السلاح في معارضتها للنظام «السانديني» ذي التوجه الاشتراكي، او مثل فضيحة «ايران جيت» التي فجرتها مجلة اسبوعية لبنانية حين اكدت في الثالث من شهر نوفمبر عام 1986 بأن البيت الابيض الامريكي قد وافق على بيع اسلحة لايران مقابل الافراج عن الرهائن، وحيث كانت حرب الخليج الاولى بين العراق وايران لاتزال دائرة مما كان يخالف السياسة الامريكية الرسمية المعلنة. وتنقل المؤلفة عن احد المدراء السابقين في البيت الابيض قوله عام 1987 ان «حذر» الرئيس ريجان كان «عميقاً حيال هذه القضية». لكن هذه القضايا كلها لم تؤثر فعليا على شعبيته، لا سيما وانه يعتبر ان فترة ادارته الثانية «1984 ـ 1988» كانت ذات فاعلية كبيرة فيما يتعلق بالتطورات التي شهدتها القوة العظمى المنافسة، اي الاتحاد السوفييتي، وهذا ما تشرحه المؤلفة في فصل يحمل عنوان «ريجان وجورباتشوف» وترى ان قمة واشنطن في شهر ديسمبر من عام 1987، التي كانت القمة الامريكية ـ السوفييتية الاولى في واشنطن منذ اربعة عشر سنة، انما مثلت منعطفاً في العلاقات الامريكية ـ السوفييتية». وهنا تفتح المؤلفة قوسين لتؤكد ان «روبرت جيتس»، مدير جهاز الاستخبارات الامريكي انذاك، اكد لجورج شولتز، وزير الخارجية انذاك، ان «السوفييت» يحضرون جولة اخرى من «الحرب الباردة» وبعد قمة واشنطن كانت هناك قمة موسكو التي اعتبرها الرئيس ريجان بمثابة انتصار شخصي له حيث اظهر 77% من الامريكيين انذاك تأييدهم لسياسته حيال العلاقات الامريكية ـ السوفييتية. بعد اشهر قليلة من نهاية الفترة الرئاسية الثانية لادارة رونالد ريجان انهار جدار برلين وانهار الاتحاد السوفييتي اثر «نهاية الحرب الباردة» كما جاء في عنوان الفصل الاخير من هذا الكتاب، وذلك بعد ثماني سنوات من وجود رونالد ريجان على رأس السلطة، بدا خلالها، كما تصفه مؤلفة هذا الكتاب، سياسياً بارعاً وخبيراً في فهم «الذهنية الجماعية» الامريكية، وعلى اساس هذا الفهم اطلق مبادرة للدفاع الاستراتيجي المعروفة بـ «حرب النجوم»، لكنه عندما «تطلع» نحو السماء كان هدفه هو الارض.. و«المخيلة الامريكية». لقد بدأ ريجان رياضياً ثم ممثلا سينمائياً في هوليوود وناشطاً نقابياً وسياسياً منذ عام 1947 ومقدما للاعلانات في التلفزة لصالح «حرية عمل الشركات» منذ عام 1954 ليصبح حاكما لكاليفورنيا خلال سنوات 1967 ـ 1975 ثم رئيساً للولايات المتحدة ما بين 1980 ـ 1988 حيث كان الرئيس الجمهوري الاربعين لأمريكا على اساس برنامج محافظ ليبرالي اقتصادي، وناشط على صعيد السياسة الخارجية على اساس اعلان العداء العميق للشيوعية والدعم الكبير لاسرائيل «ان العديد من المعلقين اعتبروا في المرحلة الريجانية مرجعية اساسية لادارة الرئيس الحالي جورج بوش». كتاب اختارته كل من لوس انجلوس تايمز وواشنطن بوست لعالم الكتب وكريستيان سياينس مونيتور كأحد افضل الكتب للعام. «الكاوبوي» الرئيس الاربعون للولايات المتحدة الامريكية.