بيان الكتب: حوار الأمم، عنوان موفق لهذا الكتاب المهم الذي قام بتأليفه الباحث محمد عبدالحميد الحمد.. فعملية التقدم الانساني برمتها مرتبطة أشد الارتباط بالحوار، والحضارات السالفة لم تكن لتصبح حضارات فاعلة في التاريخ لولا انها تأسست حضاريا على لغتين او اكثر، فالحضارة اليونانية، كما اشار الباحث كانت مرتبطة اشد الارتباط بمنطقة الشرق الاوسط ومصر، والتراث اليوناني العلمي والفكري ما كان له ان يظل خالدا الى يومنا هذا لولا الترجمات العديدة لكتب الفلسفة والطب والرياضيات والفلك وغيرها ابان الحضارة الاسلامية، والحضارة العربية الاسلامية، بدورها ما كان لها ان تتأسس وتزدهر بالشكل الذي نعرفه لولا ترجمات الاوائل الذين تفضل الباحث ليعرفنا على جهودهم في هذا المجال، فالترجمة إذن هي المحرك الامثل لحوار الشعوب بين بعضها، والتوصل الى صيغ حضارية جديدة تدفع دائما نحو التقدم. ومن ينظر اليوم الى الرموز الثقافية الاولى في حضارتنا العربية الاسلامية، سيلتمس ان العناصر غير العربية كانت فاعلة فيها اشد الفاعلية، وما كان هذا يشكل عائقا بل كان سببا في اغناء الحضارة، فماذا عن جهود المترجمين الاوائل، وما الكتب التي نقلوها الى لغتنا او الى اللغات الاخرى، وما دورها في حياة المجتمعات؟ عن كل ذلك سيجيبنا الباحث من خلال كتابه القيم هذا. ينقسم الكتاب الى قسمين كبيرين، ومدخل، وكل قسم يضم خمسة فصول، حيث تناول في القسم الاول: تاريخ الترجمة عند اليونان والسريان، حيث عاد الى البدايات الاولى لنشوء الفكر الفلسفي والعلمي في اثينا مدينة الحكمة، فعرف بأفلاطون وارسطو، ومنهما نحو استقرار العلم في الاسكندرية البطلمية.. هناك حيث تنافست اللغات القديمة من عربية وسريانية وفارسية ويونانية في حوار مثير نتج عنه اول ترجمة للتوراة عرفت بالترجمة السبعينية، وكان من اعلام الاسكندرية: فيلون الاسكندري، وديونيسيوس التراقي، واريستاخوس الاسكندري واقليدس الاثيني، وابولونيوس البرجماني، وارشميدس، وجالينوس البرجمامي وغيرهم، وقد ترجمت كتب هؤلاء جميعا الى اللغة السريانية عبر مجموعة من العلماء والفلاسفة السريان، لتنطلق بعدها شرارة الترجمة نحو انطاكية، الخزان الثقافي السرياني بالاضافة الى العديد من مناطق الجزيرة السورية مثل «الرها ونصيبين والرقة ورأس العين ومنبج، ودير قنسرين» لتزدهر هناك على ايدي الاساتذة السريان الذين كانوا على صلة وثيقة بمدرسة الاسكندرية، ولتتأسس معهم حياة ثقافية جديدة لم تكن لتقتصر على المنقولات فقط، وانما سيتناول المؤلف مجموعة مهمة من العلماء ورجال الدين من مثل: ساويرا سابوخت، الذي ترجم كتاب «المجسطي» الذي ضم ثلاث عشرة مقالة في الفلك والرياضيات، ثم ترجم كتاب «المقالات الاربع» الذي الفه بطليموس، وهو في فن التنجيم، وكتاب بطليموس الجغرافي المسمى «صورة الارض» والى جانبه سنتعرف على المترجم مار يعقوب الرهاوي، واسقف العرب مارجرجس اللذين قاما بترجمة العديد من الكتب المهمة من التراث ليوناني الاسكندري. اما القسم الثاني من الكتاب فقد تناول تاريخ الترجمة عند العرب والمسلمين، تناول في الفصل منه بدايات الترجمة والتأليف عند العرب خلال العهدين الاموي والعباسي، حيث وظفت الدولة مجموعة من التراجمة في جهازها الاداري، لتبدأ الترجمة بدواوين الخراج مع خلافة عبدالملك بن مروان الى اللغة العربية، ثم سرعان ما بدأ التعريب العلمي والادبي لكتب الفلك والطب، ومن اشهر العلماء الاطباء الذين عاشوا في العصر الاموي، الطبيب اهرون بن اعين القس الذي الف كتابا في الطب، هو من الجوامع التي كانت تدرس في جامعة الاسكندرية، من مؤلفات ابقراط، وجالينوس، وقد اشتهر هذا الكتاب باسم «كناش اهرون» وكان مؤلفا باللغة السريانية، وهو اول كتاب في الطب يترجم الى العربية على يد مارسرجيس البصري، وظل هذا الكتاب مرجعا في الطب لقرن كامل، والى جانب «اهرون» كان هناك مارسرجيس الطبيب، وعبدالملك بن ابجر الكناني الطبيب العربي الذي كان مقيما في الاسكندرية، يتعلم في دار الحكمة، ثم انتقل الى دمشق ومنها الى قنسرين. اما الترجمة في العصر العباسي، فيبدأ المؤلف مع عبدالله بن المقفع، وترجمة «كتاب كليلة ودمنة» عن السريانية، وكتاب «سيرة الملوك الفرس» وكتاب «الرسوم» وغيرها، ومع استقرار الاوضاع السياسية وازدهار الدولة بدأ عصر الترجمة المنظمة وخصوصا في خلافة المأمون الذي تمم ما بدأه جده المنصور، فانفتح على ملوك الروم، وسألهم ان يرسلوا له ما لديهم من كتب الفلاسفة، فبعثوا اليه ما حضرهم من كتب افلاطون، وارسطو، وابقراط، وجالينوس، واقليدس وبطليموس وغيرهم، فاختار لهذه المهمة امهر التراجمة، وكلفهم احكام ترجمتها، فترجمت له على غاية ما أمكن. ويوضح المؤلف ان تقاليد الترجمة في ذلك العصر كانت جماعية، بين المترجمين والمفسرين والمؤلفين الذين يتمثلون ما يترجم ويؤلفون منه الكتب، ومما زاد في دقة العمل تنوع الخبرات، وتنافس الجماعات، لتوفر الحوافز الفردية، فكثر اقبال الناس على طلب الكتب، وبالاضافة الى ذلك سيرسل المأمون مجموعة من مترجميه الى بلاد الروم من امثال: الحجاج بن مطر الحراني، ويحيى بن البطريق، وسلم الحراني، ويوحنا بن ماسويه، وقسطا بن لوقا البعلبكي لانتقاء الكتب القديمة، كما انفذ حبيب بن بهريز الى مدن الجزيرة لانتقاء كتب المنطق والفلسفة المترجمة الى السريانية. ومن اهم مدارس الترجمة في ذلك العصر، مدرسة «حنين بن اسحق» الذي يعتبره المؤلف احدى قنوات الحوار بين الشعوب، حيث عن طريقه تم نقل كتب الطب اليوناني الى العربية، ومدرسة ثابت بن قرة الحراني الذي ابدع في ترجمة كتب الرياضيات والفلك الفلسفة والطب، وقد عدد المؤلف كلا من مترجمات حنين وثابت في دراسته، والى ذلك فإنه سوف يعتبر الجاحظ من افضل منظري عملية الترجمة في الفكر الاسلامي، فتحدث عن صفات المترجم الجيد، والكتاب الجيد الترجمة وغير ذلك. وفي الفصل الخامس والاخير من الكتاب، يتوقف المؤلف عند البيروني والحضارة الهندية، فأشار الى العلاقة الحضارية بين الهند وشعوب المتوسط وما بين النهرين عبر التاريخ، ومن ثم سيتوقف عند اشهر العلماء الهنود الذين وصلتنا علومهم عن طريق السريان، والبعثات التي اوفدها الخلفاء العباسيون، ثم سيتطرق الى رحلة ابي الريحان البيروني الى الهند مع السلطان محمد الغزنوي في مطلع القرن الخامس الهجري، فتعلم الهندية هناك، ثم قام بأبحاثه في الرصد، وتأليف كتابه العظيم «القانون المسعودي» ثم ترجم العديد من الكتب الهندية في النجوم والحساب والفلسفة. وان دل هذا السعي من قبل التراجمة والعلماء الاوائل على شيء، فإنما يدل على ان حركة الترجمة المنظمة التي رعتها الدولة العباسية، تعكس وعيا اجتماعيا متقدما، اذ انه لولا النمو الحضاري والمديني تحديدا في منطقتنا، لما كان لهذه الترجمة المكثفة ان تتم، والوعي الذي نشير اليه في هذا المقام انما هو وعي مزدوج: وعي لشروط التقدم الحضاري، ووعي اخر بحضارة الاخرين والاعتراف بها، فكان ان ازدهرت الحياة الثقافية والعلمية والفكرية الازدهار الذي نعرفه، فدشن علماؤنا الافذاذ دروبا جديدة في مختلف فروع المعرفة، والمخطوطات العربية في مكتبات العالم تشهد بذلك حتى هذا اليوم. والسؤال المهم الذي يطرح نفسه في هذا المقام هو: هل بإمكان الترجمة عن اللغات الاخرى في حياتنا الراهنة ان تقوم بذات الدور الحضاري الذي قامت به في عصر المأمون ومن تلاه؟ ان دور النشر العربية منذ دخول المطبعة وحتى الان، ما انفكت لحظة عن ترجمة كل ما يصدر في الغرب من الكتب، واذا كان ثمة تقدم، فإنما هو تقدم نسبي وبسيط، فلم اذن فعلت الترجمة الحالة المجتمعية والثقافية في ذلك الزمن، ولم تفعلها في زماننا هذا؟ نعتقد ان الازدهار لا يأتي من الترجمة مهما كانت الكتب المترجمة مهمة، ومها كان دور الترجمة مساعدا للتطور المعرفي، وانما يأتي من خلال مجموعة من عوامل ذاتية وموضوعية يقف في مقدمتها: الوعي، والتخطيط والثقة بالنفس. عزت عمر