بيان الكتب: تأتي أهمية هذا الكتاب «الانتخابات الاسرائيلية 2001» مأزق الصهيونية وأزمة أسس الدول العبرية ليس فقط من مجرد متابعته وتحليله للانتخابات الاسرائيلية التي جرت في فبراير 2001، والتي صعد فيها على خشبة مسرح رئاسة الوزراء في اسرائيل أبرز مجرمي الحرب في القرن العشرين شارون، إنما تأتي الأهمية من التناول العميق للمأزق الذي تعانيه الدولة الاسرائيلية ويعانيه المشروع الصهيوني الذي أفرزها. فهذه الانتخابات التي أسفرت عن فوز أرييل شارون، كانت بمثابة الانتخابات الثانية على التوالي التي تجرى قبل موعدها، وهي الانتخابات الثالثة والأخيرة التي جرت وفق قانون الانتخاب المباشر لرئيس الوزراء والذي تم التراجع عنه اعتبارا من الانتخابات القادمة المقرر لها مايو 2003 وقد كشفت الانتخابات عن حالة التمزق التي تسود التجمع الاسرائيلي والتي تمثل محصلة لتمزق على أسس الانقسام الأولى أيضا الثانوي، والتي أفضت جميعها الى بلورة ملامح العجز عن الفعل وعدم القدرة على اتخاذ قرار واضح تجاه مختلف قضايا الخلاف المطروحة من داخلية وخارجية. وتفاقمت أزمة العجز بفقدان القيادة السياسية التي تمتلك الرؤية وشجاعة الحسم، فمن بيريز الى شارون مرورا بنتانياهو وباراك غابت مؤهلات القيادة السياسية وغلب التخبط وعدم القدرة على الحسم، والقضية تتعلق بأزمة حادة تمسك بتلابيب المشروع الصهيوني التي كانت الدولة أحد أفرازاته ، وفي اطار ذلك يرصد د. عماد جاد مستقبل التسوية والاستقرار الاقليمي في ظل حكومة شارون ويحدد أهم التحولات الجارية في التجمع الاسرائيلي وعلى رأسها تراجع دور الكيبوتز والموشاف وهما من أهم مصادر دعم اليسار الاسرائيلي وحزب العمل تحديدا، ويضاف لذلك ظهور أحزاب اليهود الروس التي جاءت لكي تعبر عن ازدياد عددهم الى أن وصل حوالي 800 ألف شخص محافظين على لغتهم باحثين عن مصلحتهم الحياتية والاقتصادية، ومن أجل ذلك تم تشكيل أول حزب سياسي في اسرائيل تحت مسمى اسرائيل بعاليا بزعامة ناتان شارنسكي، كما شكل أفيجدور ليبرمان حزب آخر كان تحت اسم اسرائيل بيتنا وقد حصل حزب اسرائيل بعاليا على 165 ألف صوت ومقاعد سبعة في الكنيست، وحصل اسرائيل بيتنا على 82 ألف صوت وأربعة مقاعد في الكنيست. ومن ثم فقد رفع اليهود الروس حصتهم في الانتخابات الأخيرة الى أحد عشر مقعدا مشكلين القوة الرابعة في الكنيست بعد العمل والليكود وشاس. كما كان من أهم التحولات تزايد قوة ونفوذ الأحزاب الدينية حيث حققوا 27 مقعدا في الكنيست الأخير واللافت هو نجاح حزب شاس الذي يمثل المتدينين من يهود الشرق المغاربة في زيادة حصته بنحو 70% من 10 مقاعد الى 17 مقعدا. كما تزايدت معدلات التطرف المدعومة من الأحزاب الدينية. وأخيرا من اللافت أيضا تراجع ثقل الحزبين الكبيرين في اسرائيل. وقد بدا واضحا من الاتفاقات الائتلافية التي وقعها شارون مع الأحزاب التي شاركت في الحكومة، أن الخطوط العامة لها لا تختلف كثيرا عن سابقاتها من الحكومات والتي تمثلت في الآتي: ـ الحفاظ على يهودية الدولة. ـ رفض فكرة عودة اللاجئين الفلسطينيين. ـ اهمية تشجيع الهجرة واستيعاب المهاجرين الجدد. ـ رفض السيادة الفلسطينية على القدس الشرقية. ـ محورية العلاقة مع الولايات المتحدة. ـ رفض ازالة الكتل الاستيطانية الرئيسية. ـ محورية سياسة الأمن وتقوية الجيش. ـ محورية التنمية الاقتصادية وإقامة اقتصاد سوق متطور بشكل يتناسب مع التوزيع الديموجرافي لليهود في الدولة. هذه الخطوط العامة تمثل ثوابت تحظى بموافقة الأحزاب الاسرائيلية الصهيونية الرئيسية، وفيما وراءها يجري الاختلاف حول السبل والأدوات والوسائل لبلوغ هذه الأهداف والخطوط العامة. واقع الصهيونية ومستقبلها في هذا الفصل يكتب سعيد عكاشة عن الجدل الدائر في اسرائيل حول وضع الصهيونية بالأمس واليوم وغدا. موضحا أسباب نجاح الحركة الصهيونية في هدفها الأول، وهو اقامة دولة لليهود على أرض فلسطين، أي منذ ظهور الحركة الصهيونية للوجود عام 1897 في صيغة منظمة دعت في مرحلة أولى الى تجميع الحركات الصهيونية المتناثرة في شرق وغرب أوروبا في اطار تنظيم واحد، إلا أن الحركة الصهيونية لم تحقق انجازات عملية تذكر خلال عهد هرتزل «1904 ـ 1860م» وقد انقسمت آنذاك الى تيارين رئيسيين، عرف الأول باسم الصهيونية السياسية والثاني باسم الصهيونية العملية، وخلاصة الخلاف بين وجهات نظر أصحاب هاتين النظريتين هو أن السياسيين كانوا ينادون بضرورة حصول الحركة الصهيونية أولا على ضمانات سياسية واعتراف علني من قبل دولة أو مجموعة من الدول المعنية بسيادة المنظمة الصهيونية على فلسطين وجوارها وحقها في اقامة دولة لليهود فيها، وبعد ذلك تبدأ عملية نقل اليهود من بلادهم باشراف وحماية تلك الدولة ويتم التوطين على أرض فلسطينية، أما العمليون فكانوا يطالبون بتشجيع الاستيطان الفعلي لفلسطين مهما كانت الظروف ثم السعي في نفس الوقت للحصول على الضمانات. ولقد كان من جراء هذا الخلاف وجودة أربعة تيارات داخل الحركة الصهيونية، وبعدها بقى فكر هذه التيارات الأربعة حتى يومنا هذا: الصهيونية الثقافية أحدها عام ـ «الصهيونية السياسية» هرتزل «الصهيونية التصحيحية» جابوتنسكي «الصهيونية الدينية» يهودا قلعي. وبعدما يرصد الباحث كثيراً من التفاعلات داخل الصهيونية وحركتها وحركة الدولة الناشئة عنها ومن بعد ذلك انطلاق مسيرة التسوية الى أن يصل الى أن الصهيونية مأزومة نعم ولكنها لم تستسلم بعد، كما أنه يبدو أن التجمع الاسرئيلي لا يجد حتى الآن وسيلة أخرى للتعبير عن هوية مشتركة أثناء ارتفاع حدة التوترات الداخلية أو في حالة ظهور خطر خارجي سوى الهوية الصهيونية، كما أن صعود القوى الدينية والقومية المتطرفة في اسرائيل يعني بوضوح أن اسرائيل تقف في مفترق طرق بين السلام الذي يعني الاندماج، وبين التمسك بالأرض المحتلة والذي يعني العزلة. وهذا يتكشف لنا أن الفكرة الصهيونية ظلت تتنقل من الصهيونية الثقافية الى الصهيونية التوفيقية الى الصهيونية التصحيحية الى صهيونية اليمين المتطرف الجديد ومنظرها بنيامين نتانياهو. ان ما تمر به اسرائيل حاليا هو لحظة فارقة في تاريخها فإما أن تذهب الأمور الى الأسوأ حيث هيمنة الأحزاب الدينية والقومية على الحياة السياسية والتي ربما تقود الى حرب مدمرة في المنطقة بين العرب واسرائيل، وإما أن يعود المجتمع تدريجيا الى رشده وتنخفض حدة الغلو والتطرف. بعد ذلك ينتقل الباحث أكرم المفتي الى الكيبوتزات ومستقبلها بين البقاء والتفكيك ووفقا لعالم الاجتماع كانتير فإن الكيبوتزات هي ثاني أنجح تجربة لمجتمع مشاعي في تاريخ الانسانية، والذي أوعز نجاحها الى دعم الدولة الاسرائيلية لها. ورغم ذلك فإن هذه الحركة - التي مثلت أحد أهم دعائم الحركة الصهيونية طوال القرن الماضي تواجه اليوم صعوبات بالغة اقتصادية واجتماعية وسياسية وايديولوجية، مما يهدد بقاءها، وهو ما دفع البعض الى التأكيد - في بداية عقد التسعينيات - على أن مسألة تفكيك الكيبوتزات، هي مسألة وقت لا أكثر. إلا أن الباحث يرى من منظور تطور الدولة الصهيونية، أن نموذج الكيبوتزات سيستمر، لعدد من الأسباب، منها الحفاظ على أحد الأسس التي قامت عليها الدولة العبرية، بالاضافة الى صعود الأحزاب الدينية والصهيونية التصحيحية، الى جانب استمرار الكيبوتزات في لعب أدوار هامة خاصة في مجال الاستيطان في المناطق ذات الأهمية السياسية للدولة، ودورها في توفير الشباب للجيش الصهيوني. وبغض النظر عن أي السيناريوهات السابقة من الاستمرار أو الدمج أو الفشل، فيجب أن نؤكد على أن حركة الكيبوتزات كأحد أذرع الحركة الصهيونية لعبت دورها بكفاءة سواء في مجال الدفاع أو الاستيطان أو في رسم صورة ملهمة للأيديولوجيات الصهيونية. ينتقل بعد ذلك باهر شوقي في دراسته الهامة عن الهستدروت إلى تقلص القاعدة الاجتماعية وأزمة الدور لاستكمال رصد ملامح التغيير في خريطة القوة الاسرائيلية بعدما عمت التغييرات الكبرى عالم اليوم، وقد جرى ذلك على الهستدروت أحد أذرع اسرائيل الهامة في المشروع والدولة والمستقبل. وكان أثر ذلك على الطبيعة والتكوين والدور، فتحت وطأة الضغوط البنيوية التي نجمت عن سياسات الاصلاح الاقتصادي بدأت عملية فك الارتباط أو حسم التناقض البنيوي للهستدروت كرأسمالي واتحاد عمالي في الوقت ذاته. وبالتوازي مع ذلك بدأ الهستدروت يفقد هيمنته على الطبقة العاملة وعلى علاقات العمل الصناعية، فكما أن خصخصة وتصفية الوحدات الاقتصادية التابعة له كانت بمثابة نفي موضوعي لوجوده كرأسمالي فإن تصفية هذه الأصول قد قلص من قدراته الادماجية وهو الأمر الذي انعكس على أصعدة متعددة كان من أهمها: أولا: تقلص القاعدة الاجتماعية للهستدروت خاصة داخل الطبقة العاملة، فبعد أن كانت عضوية الهستدروت تضم قرابة 90% من اجمالي العمالة الاسرائيلية تقلصت الى حوالي 40% مع نهايات التسعينيات مع تطور مسيرة الخصخصة. ثانيا: تفجر التناقضات العضوية داخل هيكل الهستدروت، فمع تصفية الأصول الرأسمالية للهستدروت تزايدت حدة التناقضات بين ادارة الهستدروت والنقابة العامة. فإدارة الاتحاد العمالي هي البنية الوحيدة التي لا يمكن خصخصتها، بل إن مصالحها الحيوية ترتبط بمعارضة سياسات الخصخصة. ثالثا: تهدد احتكارية الهستدروت لتمثيل الطبقة العاملة، حيث فقد دوره التاريخي باعتباره الممثل والمتفاوض الرسمي باسم العمال في تعاقدات العمل الجماعية مع الشركات والمؤسسات الصناعية فاحتكاره لهذا الدور كان مرتبطا تاريخيا بوزنه الاقتصادي وقدرته على وضع شروط ومعايير لعلاقات غالبية العاملين بأجر بالاتحادات المختلفة للهستدروت مما كان يمكنه من التفاوض ولكن بعد التغييرات التي حدثت حول بنية الهستدروت وهيكل عضويته بدأ مركز النقل في تمثيل العمال واللجان العمالية ينتقل من الاتحادات الوطنية الى المستويات المحلية واللجان العمالية. هكذا مع تطور عملية الاصلاح الاقتصادي وتفاقم الضغوط البنيوية على هيكل الهستدروت بدأ هذا الأخير في رسم ملامح أخرى لدوره. وأخيرا يتناول الباحث أيمن السيد عبدالوهاب فلسطينيو 1948 بين أزمتي الهوية والمواطنة حيث هناك مليون مواطن عربي في الدولة العبرية يعيشون مشاكل عديدة أهمها أنهم لا قادرين على الحصول على المواطنة الكاملة في دولة لكل المواطنين وليست دولة يهودية ولا هم غير قادرين أن يكونوا خالصي الهوية العربية حيث الصراع قائم بين الأسرألة والعروبة. ولعل ذلك يؤكد مرة أخرى خيار الرفض والنضال الشعبي سواء فيما يتعلق بالمحافظة على الهوية وافشال مخطط الأسرألة أو دعم القضية القومية أو لتحسين أوضاعهم كمواطنين من الدرجة الثانية. القاهرة ـ امين اسكندر