بيان الكتب: هناك عدد كبير من الكُتاب الذين يحجمون عن طباعة كتب انجزوها ويحبذون الاحتفاظ بها حبيسة الادراج بدلاً من دفعها إلى المطبعة لترى النور. تلك الكتب هي نتاج فترة زمنية معينة تدل على طريقة الكاتب واسلوبه في التفكير والبناء الفني والمحاكمة المعرفية، والابتعاد عنها لفترة طويلة سيضعف من علاقة منجزها بها، لذلك نجد عشرات الكتاب لا يعقدون اواصر محبة مع بداياتهم الكتابية ويتمنون لو انهم كتبوا كتابهم الفلاني بشكل افضل قبلما نشره.. الا ان الحقيقة الأكيدة ان علاقة الانسان بماضيه ليست محل اعجاب على الدوام خاصة عندما يتعلق الامر بانجازات كتابية بشكل عام، فكلما تقدم الكاتب خطوة في العمر تصبح رؤيته للأمور اكثر وعياً وعمقاً، ولذلك لا يشعر بالرضى لانه انجز ذلك الكتاب يوماً ما، او يشعر بالسعادة لانه لم يدفع بمخطوطه ـ حبيس الادراج الى المطبعة. ان المخطوط ـ على اختلاف اوجهه ـ يمثل وثيقة مرحلية في حياة الكاتب، بل ان كتاباً كثر بنوا مجدهم على كتابهم الاول وكل ما تلاه كان اثباتاً لوجود الكاتب على قيد الحياة، ان الوثيقة التي يمثلها المخطوط ليست شأنا طارئاً في حياة الكاتب انه اشبه ما يكون بمرحلة او محطة يجب المرور فيها قبل الانتقال الى المحطة التالية، ورغم العلاقة غير الودية التي تربط الكاتب بمخطوطه بعدما ابتعد عنه، يظل خيط رفيع من الحنين يشد الكاتب الى تقليب صفحات مخطوطه، وربما اجرى قلمه فيه تعديلاً وتدقيقاً ليتناسب مع ما وصل اليه الكاتب من فن وفكر متقدمين. الحنين الذي اشرنا اليه سيظل قائماً طالما الكتاب لم ينشر، لكنه سرعان ما سيتحول الى سعادة لو سارع الكاتب الى نشر ما لديه من مخطوطات وتوقف عن التفكير بآلية المنتج الجديد. فلولا الطفولة ماكان الشباب ولولا الشباب ما كانت الرجولة.. المرور في المحطات الآنفة الذكر سيجعل الكاتب اكثر مصداقية مع قارئه وسيضع في رصيده كتباً كان يعتقد انها غير ذات فائدة، ترى لماذا لا يترك هذا الحكم للقاريء فهو المقصود في نهاية المطاف وهو الذي سيمنح الكتاب أهميته او هو الذي سينصرف عنه. ان اعطاء الحياة لمخطوطات الادراج يعني منحها فرصة عادلة للدخول في سباق المعرفة لان الخيول الحبيسة في مزارعها لا أمل لها بالفوز طالما هي بعيدة عن الميدان. حسين درويش