في الرحلة الجوية من احد المطارات الى حاملة الطائرات الاحدث من نوعها في البحرية الامريكية وهي «هاري ترومان» التي تزن 97 الف طن، لم تستغرق طائرة النقل الخاصة بالحركة من الحاملة واليها سوى ثانيتين للوقوف تماما على سطح هذه المدينة العائمة، ومع ان معظم طياري العالم يستطيعون الهبوط بطائراتهم ضمن مساحة مماثلة لسطح الحاملة على الارض، الا ان المشكلة هي ان سطح حاملة الطائرات ليس سطحا ثابتا في اغلب الاحيان، حيث يرتفع وينخفض بمعدل 7 الى 8 امتار. وما ان تصبح على سطح الحاملة بعد هبوط الطائرة، حتى تحس بانك في مكان من النوع الذي تصوره افلام الخيال العلمي، حيث العالم هناك اشبه بخلية نحل يعمل الجميع فيها بنظام دقيق من دون توقف، يرتدي كل منهم بزة بلون خاص لتميز مهمتهم على سطحها، فاصحاب البزات الحمراء هم ضباط التسليح، اما الزرقاء فهي للمسئولين عن ادارة السطح والزهرية للمسئولين عن توزيع الوقود على الطائرات والبنية للطيارين والخضراء لادارة اقلاع الطائرات. وبين الحين والآخر، وعلى الرغم من واقيات الاذن التي يضعها الجميع، ينطلق صوت انفجار كالرعد يليه دفق من الهواء الساخن يغطي الحاملة عند اقلاع احدى الطائرات او هبوطها وازدحام المكان يجعل الجميع يتحرك وهو يدير كتفه او ان يمشي بشكل جانبي لافساح المجال للآخرين. من بين 800 الف جندي يعملون في البحرية الامريكية على متن 300 سفينة حربية، تحمل حاملة الطائرات «ترومان» طاقما مكونا من 5137 فردا بينهم 650 امرأة. الحركة تحت سطح «ترومان» تتم عبر ممرات اشبه بالانفاق التي تحفرها الارانب لتشعبها وضيقها اما الادراج فهي مثل السلالم في انحدارها الشديد وضيقها، والقانون العسكري الذي يحكم المكان يقضي بان آخر فرد في مجموعة تعبر احد الابواب يجب عليه ان يغلق الباب وراءه كما ان اول فرد يصل نحو باب ما يكون من حقه الدخول، ولايجوز ان يحصل اي تجاوز لهذه القواعد، حتى لو كان احدهم مثقلا باحماله فعليه ان ينتظر دخول من وصل قبله. الاجنحة الداخلية في «ترومان» صنعت باتقان شديد. فالارضيات شديدة الصقل والتلميع لكنها غير زلقة، والاسطح المعدنية تلمع وكلها ذات صبغ متقن جدا. وشأن طاقمها باكمله فان كل شبر فيها مصمم بشكل وظيفي تام ومنظم بقدر عال من الانضباط العسكري. والموجود في الاسفل تحت السطح، تصله بين الحين والآخر اصوات انطلاق وهبوط الطائرات الهادرة فمحركات اصغر طائرة مقاتلة تنتج حين الاقلاع قوة دفع تبلغ 40 الف رطل. ويقول تيد براون ضابط الشئون العامة في الحاملة «هاري ترومان» ان هذا هو اكثر مكان عمل خطورة في العالم، فمن غير المسموح به الدخول او الخروج من اي مكان الا بأمر ومن لا يحترس في حركته او يتصرف دون معرفة الآخرين التامة بحركته فانه اما ان يكون ضحية لمحرك طائرة يبتلعه الى داخله او ان يجد محركا آخر يدفع به نحو البحر بضربة واحدة. وهذا قد حصل قبل الآن فعلا. وقبل انطلاق كل طائرة، يجب على كل من على السطح ان يمشطوه بالكامل بحثا عن اي جسم غريب قد يكون عليه من برغي او سلك او نابض او اي شيء مماثل لانه في حال وجوده سيندفع نحو المحركات التي تبتلع الهواء من امامها ابتلاعا، ولذلك فان على كل شخص ان يحافظ على ما بيده ايا كان خوفا من سقوطه على الارض وكأنه داخل غرفة عمليات جراحية. على متن «ترومان» هناك 5 مطاعم مفتوحة طوال 24 ساعة يوميا تقدم حوالي 18150 وجبة في كل يوم، وكونها على حاملة طائرات لا يعني ان وجباتها محدودة النوعية ابدا بل هي في غاية التنوع من الدجاج والسمك وانواع اللحوم والمعجنات والجبن والفواكه ويعتمد النظام في المطبخ على مبدأ «الاكل حتى الاشباع» لكنها ليست كذلك، اذ ان مطابخ البحرية على السفن تعطي كلها الى شركات المطاعم الامريكية بنظام المقاولة لتقديم افضل خدمة ممكنة باعتماد المنافسة بين المطاعم للحصول على هذه المقاولة مع فارق وحيد هو ان المشروبات الحكولية ممنوعة على سفن البحرية الامريكية. وتتضمن الحاملة ايضا مستشفى داخليا الى جانب عيادة اسنان يعمل فيها خمسة اطباء اسنان الى جانب فنيي اسنان يتعاملون مع مشاكل امراض الفم بين الطاقم، وفي حال احتاج احد الافراد لخدمة طبية غير متوفرة فان مروحية ستقله الى اقرب مستشفى متخصص على البر. جلال الخليل