هناك نشيد بسيط في ألفاظه .. عميق في معناه، يردده اطفال مدينة حلب على امتدادها يقول: طيارة طيري في الجو.. فحيا عسكر .. فحيا ضو.. فحيا ابراهيم هنانو.. مركب ابنه قدامه.. سوريا شدي حالك.. قوة الله ورجالك.. تعيش تعيش سوريا.. تعيش الأمة العربية. وهكذا كنا نردد جميعا ونحن صغار.. وما ان نكبر حتى نسأل ونستفسر عن ابراهيم هنانو هذا، فنعرف انه بطل فدائي كبير وانه زعيم الثورة السورية أيام الانتداب الفرنسي على سوريا. يستوقفنا قبره وسط مدينة حلب، فنقف امامه بخشوع واحترام نقرأ الفاتحة على روحه الطاهرة، ونمضي مستنيرين بخطاه الثابتة ومواقفه البطولية. فمن هو ابراهيم هنانو؟ ولد ابراهيم هنانو في ايام حالكة، الذل يغمر تلك الروابي والجهل يضرب البلاد، وذلك في عام 1869 في قرية قريبة من حلب هي «كفر تخاريم» ذات الصخور الشامخة التي اكسبت ابراهيم القوة والصلابة. درس هنانو على يد المفكر الكبير عبدالرحمن الكواكبي الذي انار له سبل الكفاح وعلمه الصبر على طرق ابواب الحرية، فكان القائد في الخطوب، يوزع الادوار ليصنع منهم رفاق دربه، وكان يتدرب وهو يافع على الحرب وفنونها، والسلاح واقسامه. سافر هنانو إلى استانبول وعاد عام 1326هـ بعدما درس الحقوق، واطلع على مناهج التعليم والنظريات الحديثة، كما تعرف على رجالات الفكر وتحدث إليهم مطولا عن العدل والمساواة، وحضر المناقشات التي قامت في اروقة الجامعة وعلى منابر الخطابة، واختزن في ذاكرته تلك المعلومات حتى عاد إلى وطنه، فكانت له نبراسا في حياته. وهناك عانى كثيرا من شظف العيش، وتزوج من حسناء تركية ورزق منها بولد وبنت. وعندما احتلت فرنسا اراضي سوريا هب الثوار يقاومون وعلى رأسهم البطل «ابراهيم هنانو». ولقد ساعد الاتراك هنانو في بداية ثورته، ولكنهم انسحبوا وتركوه، وعندما يئس من النصر على فرنسا التي حشدت قواتها الكبيرة، ونضبت المعونات التي كانت تصل اليه غادر البلاد إلى الاردن طلبا للمساعدة، ولكنه وجد في الطريق العنت الشديد، فقاوم بقلب عنيد إلى ان قبضت عليه القوات البريطانية في القدس، فسلمته إلى الجيش الفرنسي في سوريا، فألقي في السجن، ثم اقيمت له محكمة في حلب، فانبرى المحامي الحلبي المعروف «فتح الله الصقال» ليدافع عن المناضل الكبير بحجج برأت ساحة المجاهد. ووقف بعض ضباط المحكمة من الفرنسيين إلى جانب المحامي عندما سمعوا حججه، فانصاعوا إلى الحق ومنهم «لوكلير» فما كان من الحكومة الفرنسية الا ان استدعت هؤلاء المتعاطفين واعادتهم إلى بلادهم عقابا لهم. ولما افرج عن ابراهيم هنانو خرجت حلب فرحة لهذا الحدث الكبير، محيية البطولة التي مثلها، فأقيمت الزينات في الاحياء ونحرت الذبائح في الشوارع، وكانت النساء فرحات، فنثرت ماء الزهر على موكب البطل الذي سار من السراي «دار الحكومة» إلى بيته. وفي عام 1928 اختير رئيسا للجنة الدستور، وعندما انتزع منه سلاحه جرد لسانه للكفاح، وشكل مع سعدالله الجابري، والدكتور عبدالرحمن كيالي «الكتلة الوطنية» وكان اهم اهدافها تحرير سوريا من الاستعمار، فظل يناضل بلسانه ويقود الاضطرابات، كما سافر إلى بعض المدن ليشارك في احتفالات الحرية، فكانت لخطاباته دوي الصاعقة على الاعداء. وقف على منبر جامع بني امية الكبير في حلب يلقي حممه اللاهبة فكان لها اعظم الاثر في استنهاض الهمم حتى ظفرت البلاد ـ بعد موته ـ بالحرية. لقد اعطى ابراهيم هنانو نفسه وماله إلى وطنه فأكرمه الوطن إذ صنع منه مشعلا ينير للاجيال، اصيب بالسل من عام 1925 إلى ان توفي متأثرا بمرضه عام 1935. وعندما مات خرجت حلب وراءه وقورة حزينة، ابطال الحرية وفود الامة وقفوا جميعا امام نعشه خاشعين. ولقد عبر الاهالي عن حزنهم الشديد لرحيل البطل العظيم، فأغلقت الحوانيت ابوابها، وابتهلت المآذن، واقيمت الصلوات في المساجد، ولبس الوطن السواد، ثم اقيمت حفلات التأبين في حلب ودمشق وبعض المدن، فكانت مهرجانا للحرية، واشادت به المنابر وتعالت القصائد التي كتبها اعلام الشعر الحديث «كعمر ابي ريشة، الاخطل الصغير، بدوي الجبل، شفيق جبري»، الذين بكوا هذا القائد بكلمات حزينة، الا ان اقوى ما قيل من شعر هو ما قاله عمر ابوريشة ابن حلب، وكيف لا؟ والجراح جراحه والألم ألمه، فراح يصف هنانو منذ كان صغيرا على مهاد الشعر، إلى طفولة رضع فيها حليب الشموخ، حتى وصل بالبطل إلى قمة المجد، فوصفه ممتطيا جواده، يحارب ويساجل وذلك بشاعرية خلاقة ووصف رائع. وفي ذكرى وفاته قال الشاعر عمر ابوريشة اجمل قصائده، تلك التي يقول فيها: اقسى جراح المجد جرح لم تكد تقوى على تضميده الاحرار يقول الباحث «حسن بيضة» الذي بحث في سيرة البطل: «علمت من اقارب هنانو ان القائد كتب مذكراته عن الثورة، وما مر بها من محن وانتصارات، وتضمنت شيئا من سيرة حياته ولاسيما دراسته في استانبول.. ولكن المذكرات كانت عند ابنه طارق واضاعها بسبب حالته الصحية التي مر بها. خاض ابراهيم هنانو سبعا وعشرين معركة لم يصب فيها بهزيمة، حيث حارب الفرنسيين، واسر عددا منهم، فأكرمهم واعطاهم دروسا في عظمة العربي المسلم، فانضم اليه بعض الاسرى لكرم نفسه ونبل خلقه. وعندما اساء لسمعة الثورة بعض المتطفلين عليها «كالسرقة وانتهاك الحرمات» شكل محكمة واعدم بعض الاوغاد فكانت درسا قاسيا للنفوس الضعيفة وصورة رائعة للبطل القائد. ولابراهيم هنانو عدد كبير من الخطابات السياسية اللاهبة والنداءات القومية الثائرة التي استنهضت الهمم واستنفرت الطاقات، فكان لها اثرها القوي في نفوس الاهالي، إلى ان نالت البلاد استقلالها على أيدي المخلصين من ابنائها.