لسنا نكشف سرا عندما نقول أن الغابات في الأردن عانت من ممارسات جائرة قضت على معظمها في ظل غياب أي ملاحظة رسمية لهذا الموضوع خصوصا وان هذه الممارسات كانت مرتبطة بصورة أو بأخرى بتطور المملكة على جميع الصعد وتوسع المساحات المسكونة فيها. فقد تقلصت أعداد الغابات الاردنية خلال القرن الماضي بصورة مخيفة استدعت البعض التوقف وقرع الاجراس للتنبيه بان هناك ممارسات خاطئة يجب أن تصحح على الصعيد البيئي، فتلك الغابات التي بقيت مئات السنين حتى شكلت إحد المظاهر المهمة لكثير من المناطق بدت اليوم وكأنها شيء من الماضي، شيء لا يمت للعصر الحالي بصلة، فالتوسع العمراني وفتح الطرق، بالإضافة إلى تعدي المصانع ومخلفاتها على المياه والانهر والسيول، وما إلى ذلك من مظاهر التطور المجتمعي ساهمت إلى حد كبير بما يمكن وصفه التهديد بانقراض الغابات في الأردن بصورة كبيرة. وما يزيد من خطورة الموضوع أن عدد سكان الأردن وحسب الإحصاءات الرسمية تعدى لأول مرة نهاية العام الماضي الخمسة ملايين نسمة ليصبح خمسة ملايين و39 ألف نسمة،ـ مما يعني مزيدا من التوغل على الأراضي الزراعية والغابات. وحسب الإحصاءات الرسمية فقد بلغت مساحة الغابات في المملكة ما يقارب الـ 760 ألف دونم فقط جراء الاستخدام الجائر والظروف المناخية القاسية. وإذا كانت المناطق الترفيهية التي صنعتها ادوات الحضارة الإنسانية في بعض الدول هي مناطق حج المروحين عن أنفسهم في العطلات خصوصا فان الأردنيين دأبوا ومنذ عقود طويلة إلى اعتبار الغابات أو مناطق الأحراش المتنزه الطبيعي والمكان الذي يجدون فيه غايتهم للهروب من زحمة أيام الاسبوع الأخرى، وتشير الملاحظات المتصلة بهذا الأمر بان المواطنين الأردنيين لم يتخلوا بعد عن هذه العادة، حيث ما زالت الأشجار والغابات تلعب دورا ما في حياة المواطن الأردني. غابات اصطناعية ومنذ فترة تنبهت مديرية الحراج بان عليها في مقابل المحافظة على ما بقي من غابات تشكيل غابات أخرى اصطناعية ورغم أن الحكومة الأردنية ممثلة بوزارة الزراعة عملت في فترة الخمسينيات من القرن الماضي على تشجير المملكة، إلا أن هذه العملية كانت على نطاق محدود للغاية وضمن الإمكانيات المحدودة آنذاك أيضا، إلا أن ذلك بدأ يتطور إلى أن وصل في عقد التسعينيات إلى تشجير 30 ألف دونم سنويا، من خلال إنتاج 5 الى 7 ملايين غرسة حرجية ورعوية. وتحاول وزارة الزراعة أن تقوم بإضافة العديد من اصناف وأشكال وانوع الأشجار في مختلف المناطق المراد تشجيرها حيث يوجد أكثر من 50 نوعا من الأشجار، يتم التعامل معها خصوصا في الطرق الرئيسية والفرعية. وكانت لهذه الغاية قد رفعت الجمعية الملكية لحماية الطبيعة شعار «ساعد الناس تساعد الطبيعة»، تساهم فيه في مساعدة مشاريع الإنتاج الصغيرة المقامة حول محمياتها الطبيعية لتأهيل السكان للحفاظ على الحياة البرية الأردنية وإحياء المتضرر منها. وبالإضافة إلى ذلك فقد استضافت المملكة العام الماضي المؤتمر الدولي لحماية الطبيعة، الذي شارك في اعماله أكثر من 2000 شخصية مسئولين وعلماء وخبراء ورجال أعمال معنيين في حقل حماية البيئة من 140 دولة في العالم، وتدل استضافة المؤتمر الأهمية التي بدأت الدولة الأردنية توليها للمحافظة على البيئة في الأردن. وتعمل المؤسسات الأردنية في الوقت الحاضر بصورة جادة على إيلاء الموضوع البيئي أهمية قصوى. وبهذه الصورة تشكل في الأردن نوعان من الغابات النوع الأول غابات طبيعية حكومية مساحتها 354 ألف دونم ومملوكة مساحتها 47 ألف دونم وهي في معظمها مزروعة باشجار السنديان والبلوط والصنوبر الحلبي والزيتون البري والأكاسيا والنبق والثاني غابات اصطناعية تمت زراعتها من قبل مديرية الحراج تبلغ مساحتها 360 الف دونم تتكون بشكل رئيسي من الصنوبر الحلبي والأكاسيا والسنط الأزرق. ومن اشهر الغابات واجملها في المملكة غابات عجلون (شمال المملكة) التي تقع ضمن المنطقة التي يسود فيها نمط نباتي يسمى بنمط (غابات السنديان) الذي يعتبر قوامه الأساسي أشجار كثيفة من السنديان، وهو من أنواع البلوط دائمة الخضرة، وأنواع شجرية وعشبية أخرى. محمية طبيعية وللمحافظة على هذه البيئة عمدت الجمعية الملكية لحماية الطبيعة عام 88 على إنشاء محمية بمساحة 12 كيلومترا مربعا، تقع على بعد ثمانية كيلومترات شمال غربي مدينة عجلون حيث تتراوح الارتفاعات فيها ابتداء من 700 متر لتصل إلى 1050 مترا فوق مستوى سطح البحر، حيث تزخر المنطقة بالأحياء البرية النباتية بانواعها المختلفة والمتميزة، وجاء اهتمام الجمعية بهذا الأمر لما تؤكده الدراسات والدلائل من أن الغابات الحرجية كانت تغطي في الماضي مناطق واسعة من الأردن تزيد بأضعاف على المساحة المغطاة بالأشجار حاليا. وبالإضافة إلى الجمعية الملكية لحماية الطبيعة وتقوم مؤسسة نهر الأردن بالتعاون مع مديرية الحراج ومشروع مساقط إدارة المياه في وزارة الزراعة وبدعم من مرفق البيئة العالمي، وهو برنامج المنح الصغيرة التابع لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، بتنفيذ مشاريع متعلقة بالحفاظ على الغابات ومن ابزر هذه المشاريع مشروع «الأشجار المعمرة في الأردن» الذي يهدف إلى زيادة الوعي وتعريف المجتمع المحلي والجهات المعنية بالبيئة وطلاب الجامعات والسياح بالأهمية الحيوية لهذه الأشجار وتحديد مواقعها وحمايتها من خلال حملات توعية. وحسب الدراسات فان مناطق عديدة في الأردن كانت مغطاة بغطاء نباتي واسع من معان جنوب المملكة إلى اربد شمالا فالأزرق والصفاوي في عمق الصحراء جنبا إلى جنب مع الحصون والمدن التاريخية. وتواصل لهذه الغاية مديرية الحراج العمل على برامجها للمحافظة على الغابات ومنها الأشجار المعمرة التي ضربت عمرا في القرون، لتصبح بالتالي من المعالم السياحية الهامة فضلا عن تنفيذ أعمال الصيانة والإدامة ووضع اللوحات الإرشادية التي تبين الاسم العلمي والعربي وأعمار الأشجار ومعلومات تفصيلية لكل شجرة. ومما يهدف مشروع الحفاظ على الأشجار المعمرة كذلك جمع المعلومات عن حوالي 500 شجرة تاريخية موزعة على 45 موقعا مختلفا في المملكة، بالإضافة إلى حظر اصابتها بسوء من قبيل القطع والحرق والزحف العمراني، وقلة العناية من حيث التقليم والري ومكافحة الأمراض والآفات إضافة إلى العوامل الطبيعية المختلفة. وخبراء الغابات في الأردن لا ينظرون إلى هذه الغابات على أنها مساحة للجمال والبيئة الطبيعية الخالبة حسب، بل انهم يرون في هذه الغابات عنصرا ابرز في المعادلة البيئة السليمة، وناهيك عن أن الأشجار تعمل على التأثير على البيئة المحيطة وتحمي موارد الإنتاج وتحفظ التربة من الانجراف وتزيد مخزون المياه الجوفية وتقلل الترسبات في السدود والخزانات المائية وتحسن نوعية المياه السطحية وتحفظ قدرة الأراضي الإنتاجية وتقلل من حدوث الفيضانات وتخفض شدتها وتعدل درجات الحرارة وتؤثر إيجابيا على المناخ، وتقوم بدور فعال في توزيع مياه الامطار والحد من طاقتها الحركية فإنها أيضا وعلى سبيل المثال، تعمل أردنيا على تزويد الماشية بما مقداره 30 ألف طن من المواد العلفية (وزن جاف) سنويا وتعتبر مخزونا علفيا للثروة الحيوانية في الحالات الطارئة وفي سنوات الجفاف. وفي مجال المنتجات الطبية والصناعية تنتج الاشجار والشجيرات العديد من المنتجات الثانوية كمواد الدباغة والصمغ والاصباغ والالياف والمواد الصناعية والمستحضرات الطبية وغيرها من المنتجات التي تستعمل في العديد من الصناعات والحرف اليدوية وصناعة الادوية والاستعمالات المنزلية والزراعية ولا تخلو شجرة من المواد الطبية او الراتنجية او الاصباغ وغيرها. أما في مجال تربية النحل فتبرز اهمية الغابات اذ تعتمد تربية النحل في المملكة بشكل رئيسي على الاشجار الحرجية والمثمرة والاعشاب البرية حيث تنقل الخلايا إلى منطقة الأغوار الدافئة شتاء للاستفادة من ازهار النباتات البرية والحمضيات والاشجار المثمرة، علما بان إنتاج الأردن من العسل سنويا يتراوح ما بين 70 ـ 160 طنا حسب الموسم ومدى الإصابة بالآفات. اضافة إلى كل ذلك فإن هناك العديد من الحرف اليدوية المعتمدة على منتجات الاشجار والشجيرات حيث ان جمع بعض منتجات الاشجار والشجيرات وبيعها أو تصنيعها يدويا كان ومازال من النشاطات الاقتصادية الهامة لبعض سكان الريف وقد كان يتركز في الماضي على جمع الأحطاب والمنتجات الأخرى وبيعها وتصنيع الادوات المنزلية التي تحتاجها الأسرة اما حاليا فقد ازدهرت تجارة التحف والمنحوتات الخشبية التي يتم تسويقها في المدن وللسياح الذين يزورون المملكة كما يتم تصدير بعضها إلى الخارج. وعلى هذا الأساس فإن الاشجار في الاردن تعتبر مصدرا مهما لدخل عدد كبير من السكان وخاصة للطبقات الفقيرة والعمال غير المهرة ولبعض العمال المهرة حيث يعمل أكثر من عشرة آلاف عامل وحارس بصورة دائمة في نشاطات الغابات المختلفة كالمشاتل والتشجير والحماية والاستثمار والمراعي.