الحفاظ على التراث وحمايته من الاندثار والتلاشي من اجل اجيال المستقبل مسئولية ومهمة جسيمة ملقاة على اجيال الاباء والاجداد الذين عاشوا حياة الماضي وغاصوا فيها وشاركوا في صنعها بكل تفاصيلها ومفرداتها التراثية الجميلة التي اصبحت تشكل اليوم الارث الحضاري وتاريخ دولتنا الفتية.

وفي الواقع ان الدولة اولت كل الاهتمام والرعاية بهذا المخزون التراثي الرائع من اجل تشكيل الهوية التراثية للدولة وتمثل ذلك من خلال الدعم والتوجيهات المباشرة والاهتمام الشخصي من صاحب السمو رئيس الدولة بهذا الامر وذلك بانشاء الجمعيات والاندية التي تعتني بالتراث الشعبي وتنظيم المسابقات وغيرها من اشكال المحافظة على تراثنا وحمايته.

وقد حرصت هذه الاندية والجمعيات على تحقيق ذلك من خلال احتضانها واستقطابها لاصحاب الخبرة في مختلف مجالات الحياة القديمة بتقاليدها وعاداتها والمهن والحرف والالعاب الشعبية التي كانت تمارس في السابق حيث ساهم هؤلاء في ترسيخ تلك المفاهيم التراثية في حياتنا وحفظها لنقلها لاجيال الحاضر والمستقبل.

ولعل من اهم تلك العادات والحرف والمهن القديمة التي كان الآباء والاجداد يعتمدون عليها بشكل يكاد يكون اساسيا في تسيير عجلة الحياة ومختلف الشئون الحياتية بل ان بعض تلك المهن كان مصدر الرزق الرئيسي والوحيد حينذاك كمهنة صيد الاسماك والغوص وصيد اللؤلؤ والتي كان يمتهنها معظم سكان البلاد في فترة ما قبل الطفرة النفطية التي شهدتها وأنعم الله بها على البلاد بالرزق والثروة الوفيرة.

وانطلاقا من المساحة التي يحتلها التراث في حياتنا واهتمام المسئولين به على اعلى المستويات عملت الجهات المعنية واندية التراث المختلفة على اعادة بعث المهن القديمة من خلال تدريب ابناء الجيل الجديد من شباب وأطفال الوطن «بنين وبنات» عليها وتعريفهم فنون تلك الحرف والمهن على ايدي مدربين متخصصين من اجل ربط اجيال جديدة بتراث وماضي وطنهم.

ويمتلك الوالد خميس راشد زعل الرميثي خبرة كبيرة ومعرفة بالفنون والمهن التراثية هائلة الامر الذي اهله ليكون احد مدربي المهن البحرية بنادي تراث الامارات والتي اكتسبها عبر سنوات طويلة من الاتصال والتعامل المباشر والممارسة لكل تلك المهن ليقوم بدوره بنقلها الى جيل اليوم ليرسم بذلك ملحمة رائعة في التفاني وبذل الجهد رغم تقدمه في العمر من اجل الحفاظ على هذه الكنوز من المهن البحرية التي كانت تشكل العمود الفقري لكافة جوانب الحياة في الماضي.

ويقول ان المهن البحرية تعلمها واتقن فنونها ومهاراتها في فترة مبكرة من حياته عندما كان شابا صغيرا في مقتبل العمر باعتبار البحر كان قبل كل شيء في حياة ابناء امارات الدولة قبل تأسيسها وكذلك دول منطقة الخليج بأثرها مشيرا الى انه بدأ في تعلم تلك المهن وعمره 6 سنوات عندما كان يذهب مع والده وبعض افراد العائلة الى البحر لصيد الاسماك التي كانت تشكل الغذاء الرئيسي لذا كان معظم الناس يتوجهون للصيد في ايام ومواسم معروفة.

ويضيف انه بعد ان بلغ عمره اثني عشر عاما ازداد ارتباطه بالبحر الامر الذي جعله يتعلق اكثر وأكثر بالمهن البحرية وكان الغوص وصيد اللؤلؤ هي المهنة الاكثر بروزا ورواجا وانتشارا حيث كانت منطقة الخليج وقبل ظهور النفط هي الاشهر عالميا في استخراج وصيد اللؤلؤ الطبيعي من مياه الخليج العربي حيث كنت اذهب مع الاهل في هذا العمر الصغير في رحلات الغوص وعملت في مهنة «نهام» وفليق محار وكنت اتمتع بصوت شجي وجميل وكان النواخذة يتسابقون فيما بينهم لاجتذابي للعمل معهم على قواربهم حيث كنت احفظ الكثير من المواويل والأغاني التراثية القديمة وكان النهام يردد تلك المواويل التي كانت سائدة في ذلك الوقت وكان البحارة والغواصون يجدون في سماعهم لصوت النهام وسيلتهم الوحيدة للترفيه والتسلية عن انفسهم طوال رحلات الغوص التي كانت تستمر لمدة 3 أشهر كاملة.

وتابعت عملي في هذه المهنة لسنوات طويلة ولكن بعدها تدرجت في جميع الاعمال المرتبطة بالغوص وبجانب ذلك عملت في بعض الوظائف بالقطاع الخاص ومنها عملي كوكيل لورشة المرحوم ثاني بن مرشد ورئيس مجلس ادارة لشركة ثاني مرشد وأولاده والشركة الافريقية الشرقية المحدودة لمدة 12 عاما هن كبر أولاد المرحوم ثاني مرشد واستلموا التركة والشركة الخاصة بالمرحوم والدهم.

ويعود الوالد خميس راشد الرميثي بذاكرته للوراء عدة سنوات ويقول الغوص مراحل عدة فهناك غوص الصف ويكون عند اكتمال البدر والصحو والجو دافيء ويستمر لمدة شهر واحد ويأتي بعده غوص الملازيم لمدة 3 أشهر ويتزامن مع بداية موسم الصيف وارتفاع درجة الحرارة او عندما يستوي الرطب على النخيل.

واطلق عليه غوص الملازيم لان بعض الغواصين او الغيص، «السيب» او البحارة يكونون «مدينين» لبعض النواخذة لذا فانه يقرض عليه او يلتزمون بالذهاب في رحلة الغوص «الملازيم» مع صاحب الحق «النوخذة» الدائن ان يكون الزاميا عليه الذهاب معه ليسدد له الدين من عمله خلال الرحلة وكان هناك شخص يطلق عليه «السردال» وهو مخول من قبل الحكومة ويرافق رحلة غوص «الملازيم» طوال مدة الغوص ليتأكد من قضاء «الاشخاص» المدينين مدة الرحلة كاملة وقضاء الدين الذي بحقهم ولو عاد احدهم من الرحلة قبل اتمامها يعاد مرة اخرى لاستكمال الرحلة حتى يسدد الدين الذي عليه للنوخذة الدائن.

ويضيف: بعد العودة من رحلة غوص «الملازيم» يتم فلق «المحار» الذي تم جمعه او ما يطلق عليه «بالرزق» ويحدد نصيب كل غيص او سيب او بحار مشارك في الرحلة واذا كان المقابل المادي كبيرا فانه يغطي الدين الذي يحق كل منهما واذا كان المحصول قليلا يتبقى هناك جزء من الدين باق مشيرا الى ان هذا الدين هو نتيجة حصولهم بموجب قانون حكومي حينذاك على بعض الاموال والمواد الغذائية من عيش «ارز» وتمر وطحين يتركوها لعائلاتهم للعيش منها اثناء رحلة الغوص، مشيرا الى انه حتى اذا لم يسدد اي منهم الدين فانهم يحصلون من النواخذة على اموال ومواد غذائية تكفي احتياجاتهم لحين بدء رحلات الغوص الاخرى ويطلق على ما يحصلون عليه «بالرودد» تتم اضافتها لحين الحصول على مصدر رزق جديد.

ويوضح الوالد خميس زعل الرميثي انه بعد انتهاء غوص «الملازيم» هناك غوص الصغير او ما يطلق عليه «بغوص الردة» حيث يمكن لاي غيص او سيب حتى ولو كان مدينا الخروج في تلك الرحلات وهو نوع من الغوص الحر وكل شخص يغوص في اي مكان لمدة 15 يوما ويكون ذلك في ايام الشتاء الباردة وبعد انتهاء هذه الفترة يعودون الى البلاد ويتقاسمون الرزق ويكون لكل شخص مشارك في الرحلة نصيب منه، اضافة الى ذلك هناك غوص اخر يسمى غوص الرديدة ويكون لمدة تتراوح بين 7ـ 10 أيام وذلك في الايام شديدة البرودة ويخرج في تلك الرحلات من يستطيع ان يتحمل البرد ويحصل كل شخص على ما يرزق به من محار.

وهناك كذلك «غوص المينة» ويكون قبل حلول فصل الصيف وفي حالات الجرز تكون هناك اماكن كثيرة تسمى «المينة» والتي يصل ارتفاع المياه فيها الى حوالي نصف متر اي انها تكون «ضحلة» جدا ويمكن الحصول على محار اللؤلؤ بسهولة ويستخدم فيها القوراب الصغيرة «البوانيش» ثم يتوالى بعد ذلك انواع الغوص الاخرى التي سبق ذكرها من قبل. ويقول الوالد خميس الرميثي ان مهنة صيد الاسماك كانت من المهن الرئيسية في البلاد .

وكان يمارس بهذه صيد صغيرة من اجل الحصول على الاسماك لتغطية احتياجات الناس كل يوم بيوم، وهناك صيد «العاملة» او الليل حيث يخرج الافراد في مجموعات من 15ـ 25 شخصا لصيد الاسماك ثم يملحونها لحفظها وبيعها بعد ذلك مقابل الحصول على التمر والملابس والعيش وغيرها بالاضافة الى الاموال وهناك صيد «الصكار» ويكون في موسم الصيف بعد رحلات الغوص ويتم ذلك في «البزوم» او الجرز قبل صير بني ياس ومقابل المرفأ.

ومن المهن البحرية القديمة هناك صيد بالعملة، وهي عبارة عن قطعة خشبية طويلة في مقدمتها قطعة حديد تسمى السلالة او «الكابر» تستخدم لصيد القرش، حيث كنا نصطاد بواسطتها اعداد كبيرة من اسماك القرش وكنا نحصل منها على الزعانف والتي كانت تباع بأسعار مرتفعة ومن اكبادها نستخرج نوع من الزيوت يطلق عليه «الصل» يستخدم في دهان السفن والقوارب الخشبية وتأكل لحمها الذي يسمى «العوال» ويبيع ما يتبقى منه وكانت هناك مواسم صيد الكنعد والصدفة او السردين الصغير.

ويضيف ان حياة الامس كانت تتسم بالحب الشديد بين الجميع والتعاون فيما بينهم حيث كنا نقوم بغزل اشباك الصيد سويا وتمليح الاسماك وكل فرد يحصل على نصيبه من محصول الصيد حسب نشاطه وجهده وعدد الشباك الخاصة به مشيرا الى ان الظروف المعيشية ايام زمان تختلف كثيرا عن الايام الحالية حيث كانت الحياة صعبة وقاسية جدا وكان الجميع سواء الشاب او الشايب كبير السن يعمل ويكد ويتعب في اعمال ومهن شاقة من اجل الحصول على المال الذي يكفي بالكاد الاحتياجات الضرورية ولكن الشيء الباقي كما هو لم يتغير حاليا عن الماضي هي العادات والتقاليد العربية الاصيلة وكانت هناك «حمية» على بعضنا البعض فاذا اصاب احد منا ضرر صحي او مادي يتعاون ويتكاتف الجميع مع بعضهم البعض لحل ما يعاني منه من مشاكل ونتمنى ان يقتدي ابنائنا والاجيال المقبلة بما كنا عليه من حب وتعاون.

واخيرا يرى الوالد خميس الرميثي ان هناك اقبالا كبيرا من جانب ابناء الجيل الجديد من الاطفال والشباب لتعلم التراثية القديمة والتعرف عليها وكيف كانت حياة الاباء والاجداد في الماضي مما سيكون له ابلغ الاثر في حمايتها والمحافظة عليها من الاندثار حتى لا تنقرض، مشيدا في هذا الصدد بالدور الكبير والرائد الذي يقوم به نادي تراث الامارات باعتباره احدى ابرز الجهات والمؤسسات المعنية بالتراث الشعبي بالدولة وحقق مكانة هامة على هذا الصعيد بالدولة ودول منطقة الخليج، ومؤكدا ان تعليم هذه المهن والحرف لابنائنا واجب على كل شخص لديه معرفة والمام بها من اجل الحفاظ عليها لاجيال الحاضر والمستقبل.