هل أنت إنسان متحضر ؟ وقبل ان تتسرع مجيبا بنعم، احب ان انبهك الى ضرورة التروي قبل الاجابة حتى لا ينكشف امرك وتفضحنا امام المتحضرين الاصلاء ... !، أولئك الذين رضعوا الحضارة وترعرعوا في احضانها بمفهومها الانفتاحي الواسع، والذين تعودوا ان ينظروا الينا ـ اذا تكرموا بالنظر الينا ـ نظرة تحضر احتقارية تأكيدا للفاصل الحضاري الذي يبعدنا عنهم ويبعدهم عنا .. ! ويجب ان تعلم ـ رعاك الله ـ ان دخولك عالم التحضر الانفتاحي المذكور ليس سهلا .. وليس بسيطا، فسوف يستلزم ذلك منك اولا ان تجري عملية تغيير كامل لدمك، بحيث تستبعد منه كل الكرات الانفعالية الحمراء، وتزرع بدلا منها الملايين من كرات الدم البارد البيضاء، تلك التي تؤهل حاملها لخوض تجربة التحضر بنفس راضية واحساس هاديء، فالبني ادم المتحضر لايزعل .. ولا يتنرفز .. ولا يثور، مهما كانت الاسباب ومهما حلت به او بالآخرين الكوارث، البنى آدم المتحضر .. وباختصار .. هو الذي يؤمن ايمانا مطلقا بالمبدأ القائل: «من ضربك على خدك الايسر .. فادر له خدك الايمن .. وقفاك ان أمكن .. !!» التحضر سياسيا يعني اولا .. وبشكل حاسم .. انك مضبوط نفسيا، اي تؤمن بسياسة (ضبط النفس) طبقا للنصائح الواردة بكتاب (الهمس واللمس .. في اصول ضبط النفس»، وبمقتضى ما جاء بهذا الكتاب فانك يجب ان تكون مؤهلا لان (تأخذ على دماغك) فتضبط نفسك .. ولأن يؤخذ ما في جيوبك فتضبط نفسك .. ولان تطرد من بيتك فتضبط نفسك، وبتطبيق هذه المباديء السمحة فانك بالتالي ستكون مستعدا لضبط اعصابك ونفسك وانفاسك اذا أغارت اسرائيل على بلادك .. او نهبت بيتك وارضك .. او زرعت الجواسيس والعملاء والمخربين في كل شبر من بلدك، فانت متحضر، والسياسي المتحضر يرى بمنظار التحضر ان كل شيء قابل للحوار .. وان اللجوء الى مجلس الامن والامم المتحدة وكل من هب ودب من طوب الارض اجدى وانفع واسلم من التفكير غير الحضاري في رد العدوان بالعدوان .. او مقابلة العنف بعنف مماثل فقرار واحد من المجلس او الهيئة المذكورين كاف لجعل عدوك يذوب خجلا واسفا وندما، ولجعلك تبدو لصحافة العالم في صورة الانسان المتحضر، الذي ضاع حقه فابتسم .. ونهبت ارضه فاشتكى .. وضرب على قفاه فبكى، وهي الصورة المثالية للسياسي او الدبلوماسي المتحضر اذا كان من العالم الثالث، اما اذا كان من العالم الاول او الثاني فالصورة قد تختلف بعض الشيء .. ! المتحضر السياسي الغربي يتفق مع المتحضر السياسي العربي في نفس الصفات والمزايا، فهو ايضا يبتسم ... وهو ايضا هاديء الاعصاب .. وهو ايضا يرى ان كل شيء قابل للحوار وللتفاوض، الفارق الوحيد هو انه يضربنا ويبتسم .. وينهب حقوقنا وهو هاديء الاعصاب .. ويقف مع اسرائيل في عدوانها واستيطانها وهو يؤكد لنا ان كل شيء قابل للحوار .. وقابل للتفاوض. يقول مؤلف كتاب «الهمس واللمس .. في اصول ضبط النفس» موجها نصائحه الى كل سياسي عربي يسعى لتأهيل نفسه كدبلوماسي متحضر: «اعلم ـ حفظك الله ـ ان سمعتك كمتحضر اجدى وانفع لك من سمعتك كمناضل، فالنضال يجر الى الارهاب .. والارهاب يؤدي الى الاكتئاب، واعلم ايضا ان كسبك للرأي العام العالمي اشرف من كسبك لقضاياك، فاضبط نفسك تتحرر .. وامسك اعصابك تتحضر». التحضر الاجتماعي ايضا فن له اصوله وقواعده، وله لزومه والتزاماته، واول التزاماته ان تكون انسانا (هايا) في كل شيء، (هايا) في كل قطعة منه مرصعة باسم من الاسماء الطنانة في عالم الازياء، (هايا) في صوتك الذي يجب ان يكون ناعما ونابعا من ارق حبالك الصوتية ، (هايا) في الفاظك وتعبيراتك التي يجب ان تكون (كوكتيلا) منعشا، تمتزج فيه العربية بكل ما تسمح به درجة تعليمك من لغات اخرى، وكلما قالت نسبة العربية في المزيج اللغوي لحديثك كلما كان ذلك دليلا على بلوغك درجة الـ (هاي) بتقدير جيد جدا .. ! التحضر الاجتماعي ايضا يرشحك لدخول مجتمع الصفوة ومجالس الناس المهمين، واول شروط اقتحام هذا المجتمع (الذي يوصف عادة بأنه «مخملي» ) ان لا تكون (قفلا)، وكما جاء بكتاب «القيل والقال .. في ذم القفل والاقفال» هو الرجل (المنغلق) الذي يحاول الحد من حرية زوجته في لبس مالا يصح ان يلبس او خلع ما لايجب ان يخلع، والذي يصر على اعتبار زوجته حقا خالصا له وحده، وليست ـ حسب المفهوم الحضاري المعاصر ـ حقا عاما لرواد مجتمع الصفوة، تباسط هذا .. وتراقص ذاك، راضيا بوصفه الحضاري كـ (زوج المدام)، وعلى المتحضر الذي يريد ابعاد صفة (القفل) عن نفسه ان يكون قدوة صالحة لأولاده، وان يتعامل معهم وفقا للتوجيهات الحضارية التالية: لا تكن منغلقا مع اولادك وبناتك اذا لاحظت كثرة خروجهم بلا استئذان .. او عودتهم متأخرين ليلا دون ابداء الاسباب، فتصرفهم في الحالين ممارسة مشروعة للتحضر، وعليك ان تطمئن لانهم تأقلموا مع المجتمع و (انبسطوا) منه! لا تكن منغلقا اذا دخن ابنك سيجارته امامك او نفث دخانها في وجهك، وعليك ان تفرح لزوال كل اسباب الكلف والتكلف بينكما كأصدقاء .. او كزملاء .. ! لا تكن منغلقا اذا عاد ابنك يوما متأبطا ذراع الـ «جيرل فريند) ، او طرق بابك شاب وسيم قدم نفسه اليك باعتباره الـ (بوي فريند) تبع ابنتك المراهقة ..، وعليك ان تنشرح .. وتطيب نفسك لانك بذلك تكون قد بلغت الرسالة .. واديت الامانة، ووصلت الى مرحلة (الخيبة القوية)، وهي ـ كما هو معروف ـ اعلى درجات التحضر واسماها .. !