عندما قدم الرئيس الصيني جيانج زيمين الى وو ون جيون عالم رياضيات الصيني ويوان لونج بينج ابو الارز الهجين، شيكا لكل منهما بمبلغ خمسة ملايين يوان «600 الف دولار امريكي» في فبراير الماضي، كان ذلك رسالة واضحة الى ملايين الصينيين: البحث العلمي لم يعد قضية تتطلب تضحية فقط، فلابد من مكافأة البحث البارز، وان العلماء لن يلقون التشجيع على الابداع، فحسب بل يجب تحقيق الضمان لهم ليستفيدوا اقتصاديا عن طريق مساهماتهم بما لديهم من معارف. جائزة الدولة العليا للعلوم والتكنولوجيا لا تمنح لاكثر من عالمين بارزين كل عام وبدأت الحكومة الصينية تمنح هذه الجائزة في العام 1999 للعلماء الذين حققوا انجازات هامة في ميادين العلوم الحديثة، او انجزوا منجزات بارزة في تطوير العلوم والتكنولوجيا، او في افادة الصناعة من النتائج العلمية التي تحقق ثمارا اجتماعية واقتصادية عظمى. وو ون جيون «82 سنة» حقق منجزات علمية باهرة حيث ابدع «صيغة وو» المشهورة بتأثيراتها على بحوث وميكانيكية الرياضيات، اما يوان لونج بينج «71 سنة» فبدأ اعماله في الأرز الهجين في ستينيات القرن 20، ونشط في تطوير وحفز تقنية هذا الارز في عموم الصين، محققا انجازا تاريخيا في الانتاج الزراعي، ومساعدة البلاد على توفير الغذاء على نحو فعال لأكبر تعداد سكاني بالعالم. ولسنوات طويلة وقادة الصين يعتبرون العلوم والتكنولوجيا القوة المنتجة الاولى، ولكن عند دفع الاجور، كان العلماء يتلقون اقل كثيرا مما يستحقون وقد ازدادت حدة التناقضات في ثمانينيات القرن الماضي حين سمح للافراد بان يزاولوا التجارة وان يحققوا ثروة بسيطة لانفسهم فحدثت شكوى واسعة الانتشار مفادها ان عالما كان يزاول البحوث في القنابل النووية «يوان تسي دان» لم يكسب مثلما يكسب بائع متجول يبيع بيضا مسلوقا. لم يعد وجود لهذه القضية حاليا فإلى جانب الجوائز العالية القيمة التي تمنحها الحكومة على مختلف المستويات للعلماء البارزين مثل وو ويوان فإن مجموعة من القوانين التي وضعت منذ العام 1999 تتيح للتكنولوجيا ان تشكل حتى 35% من الاسهم الاجمالية لاية شركة جديدة. في مارس الماضي تعهد رئيس مجلس الدولة تشو رونج حي في تقريره الى المجلس الوطني لمجلس الشعب بان الحكومة ستسمح للاموال والتكنولوجيا وعناصر الانتاج الاخرى بان تدخل في توزيع الدخل. تشانج تينج بي «استاذ علوم الاحياء بجامعة ووهان في مقاطعة هوبي» بحوزته الان رصد يزيد على 120 مليون يوان اذ انه كبير المهندسين لشركة ووهان هونجتاو وهي شركة خاصة طورت احد المكتشفات البحثية لهذا الاستاذ قبل ثماني سنوات، وجعلت هذا الاختراع منتجا رائجا. وقد بلغت مبيعاته 1.2 مليار يوان بالعام الماضي والاستاذ تشانج ليس الا واحدا من الاثرياء الجدد بين العلماء في الصين، وان اعدادا متزايدة من العلماء والفنيين يصبحون اعضاء اغنياء بالمجتمع، بفضل اصلاح هيكل العلوم والتكنولوجيا. د. وو شيانج بينج «39 سنة» عالم فيزياء فلكية بمرصد بكين الفلكي، ازداد راتبه خمسة اضعاف باعتباره المحقق الرئيسي للاعمال النظرية حول المواد السوداء في الفضاء وهو مشروع وقع الاختيار عليه لدخول برنامج الابداع لاكاديمية العلوم الصينية، وفي حين ان راتبه يزيد على 130 الف يوان «17 الف دولار امريكي» في السنة، يتلقى ايضا 750 الف يوان «93700 دولار امريكي» لمشروعه من ثلاث هيئات حكومية. وبين 1998 و 2000 قدمت الحكومة 4.8 مليارات يوان دعما لبرنامج اصلاح اكاديمية العلوم الصينية، وستزيد من استثماراته باكثر من عشرة مليارات يوان «1.2 مليار دولار امريكي» في الاعوام الخمسة المقبلة ويهدف هذا البرنامج الى تبسيط الفريق الوطني القيادي للبحوث العلمية، ويخفض اجمالي العاملين من 40 الف شخص الى 20 الفا ويقلل عدد المعاهد التابعة لها من123 الى 80 لأجل رفع قدرة وكفاءة البحوث. يقول أي قوة شيانج مدير مرصد بكين الفلكي ان الاصلاح في واقع الامر قد شجع العلماء على العمل بجدية فائقة للتوصل الى المزيد من مكتشفات البحوث، وقد وصل عدد البحوث المنشورة في مجلات صينية واجنبية حسب احصاء «فهرس التفوق في العلوم» من اعداد معهد المعلومات العلمية في فيلادفيا على اعتبار انه مقياس خارجي لجودة البحوث وصل الى 50 في العام 1999 اي ضعف رقم العام 1998. وفي عام 2000، تجاوزت بحوث العلماء في مرصد بكين الفلكي 70 بحثا. وأعمال العلوم في الصين تدر ايضا ارباحا من البرامج الحكومية الرامية الى صد استنزاف العقول بالبلاد. ففي العام 1999، حين اكمل تشو تشونج رسالة الدكتوراه في علم الفقاريات القديمة بجامعة كانساس، كان لديه منجزات اكاديمية جعلته في موقف جيد لحياة اكاديمية بالولايات المتحدة. ولاجل تشجيعه على العودة تمكن معهد علم الفقاريات القديمة والاحافير التابع لاكاديمية العلوم الصينية من ضمه الى «برنامج المئة» الذي يستهدف العلماء الصينيين بالخارج والذي قدم راتبا «محزيا» ومليوني يوان (250 الف دولار امريكي) لثلاث سنوات لمزاولة وادارة بحثه. وتشو ليس وحده في هذه الناحية. فكبار علماء الاحافير القديمة يتمتعون بمستوى دعم يثير الحسد بين الزملاء في دول اخرى. فبين عامي 1996 و2000، ازدادت جوائز البحوث التي منحت لمعهد نانجينج للجيولوجيا والاحافير القديمة التابع لاكاديمية العلوم الصينية، ثمانية اضعاف. والى جانب ذلك.. ارتفعت ميزانية المعهد السنوية للرواتب والصيانة بمقدار الثلثين. قال منج جين من متحف التاريخ الطبيعي الأمريكي «حتى في أمريكا الشمالية، لا تحصلون على هذا القدر من المال». وجذب الاصلاح عددا متزايدا من الطلبة الصينيين الذين يدرسون بالخارج مثل تشو تشونج للعودة الى الصين. في العام 1999 وحده، انشأ الطلبة الصينيون العائدون اكثر من 3000 شركة علوم وتكنولوجيا، قيمة انتاجها عشرة مليارات يوان (1.2 مليار دولار امريكي) حسبما ذكرت وزارة التربية والتعليم. كما سافر نحو 320 الف طالب صيني الى الخارج لمواصلة دراسات متقدمة منذ انتهجت الصين سياسة الاصلاح والانفتاح في العام 1978. وعاد 140 الف طالب بعد اكمال دراساتهم بالخارج. اما في السنوات الاخيرة، فازداد عدد الطلبة الصينيين الذين درسوا بالخارج ثم عادوا لانشاء شركات او للعمل في الصين بمعدل 13 في المئة في السنة. وكثيرا من الطلبة العائدين ينسبون عودتهم الى حقيقة انهم في غاية التأثر من التقدم الذي احرزته الصين في مجالات كثيرة لاسيما في كفاءة العمل، وانهم على ثقة من الافاق والطاقات الكامنة في سوق الصين الضخم. وحتى الآن، تم تخصيص اكثر من 40 حديقة نموذجية للتكنولوجيا العالية في عموم الصين للطلبة الصينيين العائدين من الخارج لانشاء مشاريع جديدة. وقد شرعت اعمال حفز العلوم والتكنولوجيا ترى آثارها المجزية في الدور الذي تلعبه في النمو الاقتصادي الصيني، وحسب شوي جوان هوا وزير العلوم والتكنولوجيا فان مشاريع العلوم والتكنولوجيا الاساسية الوطنية قد حققت للبلاد 430 مليار يوان «51.8 مليار دولار امريكي» قيمة عائدات اقتصادية في السنوات الخمس الماضية. ان التقدم في العلوم والتكنولوجيا يشكل مساهمات كبرى للنمو في الاقتصاد الوطني اذ ان مقاطعات كثيرة حققت ما يزيد على 40% من النمو السنوي للاقتصاد المحلي بزيادة 10 نقاط مئوية بالمقارنة مع ما قبل خمس سنوات. هذه المساهمات ادت الى تحسن كبير في الادراك العام لدور العلوم، وجعلت ميادين العلوم تجذب اعدادا متزايدة من الشباب واظهر استطلاع اجراه اتحاد النساء لعموم الصين على 3500 طفل بين سن السادسة والثامنة عشرة في مدينتي بكين وشانجهاي وخمس مقاطعات اخرى في وقت سابق من هذا العام ان يصبح الانسان عالما جاء على رأس القائمة لبضعة عشر اختيارا في تلك المجالات، واختارها 28.12 % من الذين اجابوا على الاستطلاع. واعرب كثيرون عن الرغبة في ان يحتذوا وو ون جيون ويوان لونج بينج ويأتي بعد ذلك على قائمة اختيار المجالات: المعلم، واختاره قرابة 18% ممن اجابوا على الاستطلاع. وقبل سنوات قلائل، كان النموذج الذي يجذب الشباب يتمثل في كبار رجال الاعمال او نجوم السينما وهي مهن تحقق ثروة سريعة او شهرة. اما امهات الاطفال اللواتي تلقى اغلبهن تعليما ثانويا او عاليا اجبن ايضا على اسئلة مخصصة للكشف عن الملكات الحالية والاتجاهات الجديدة للعائلات في تعليم الاطفال، واظهرت الامهات اعتقادا جازما بان تحقيق الثروة من خلال المعرفة سيقود المجتمع الصيني على الوجه الصحيح الى المرحلة التنموية الثانية. وابرز الاستطلاع تحولا كبيرا في القيم لدى عامة الناس، ومفاهيمهم المتحسنة حيال التعليم، هذا ماجاء على لسان البروفيسور جوان هونج يوي مدير شعبة الادارة التعليمية لمعهد بكين للتربية، واضاف «ان ذلك لنتيجة منطقية لجهود البلاد في دفع العلوم والتعليم، ويتماشى مع استراتيجية الحكومة لنهوض الصين اعتمادا على العلوم والتعليم.