معانقة الطبيعة، العودة الى الحياة الهادئة والهائنة، الخضرة التي تعلو قمم الجبال، الاراضي التي تفوح بندى الزهور، المياه الزرقاء النابعة من عمق البحر الابيض المتوسط، الوجوه المبتسمة دوما، كلها عوامل تبعث في النفس املا بحياة مختلفة، باسلوب من الرفاهية له مميزاته، وبشكل من الممارسة اليومية له خصائصه، ان تجد الخضرة والماء يضجان امامك حيوية، فان الوجه الحسن لا محالة قادم. اتحدث عن بقعة تقع في اقاصي العالم في مكان غير بعيد من ايطاليا، فعندما هبطت بنا الطائرة في مطار ميلانو وجدنا الحياة العصرية التي تموج بالحركة ولا تعرف التوقف لالتقاط الانفاس وبمجرد ان عدنا الى الطائرة مرة اخرى لنستقلها حيث وجهتنا الى مطار اولبيا هيأنا انفسنا لحياة اخرى، فالطائرة صغيرة والرحلة قصيرة وقبل ان يسترد المضيفون اواني الماء والقهوة من على طاولاتنا كان موعد الهبوط قد حان في اولبيا وياله من مطار صغير ورغم حركة التحديث والاصلاح والتجهيزات التي تطال اركانه لكنه يبدو كأي مطار عادي لا تقلع منه او تنزل فيه غير طائرات محدودة وهو مطار خاص بمنطقة كوستا سميرالدا وطوال الرحلة من المطار الى فندق رومازينو او «الزهرة اليانعة» لا ترى سوى تلال من الرمال على جانبي الطريق والجبال الشاهقة والخضرة على ربواتها وكأنها ابتسامة يفردها ثغر طفل غرير وما ان اقتربنا قليلا من مقر اقامتنا حتى زرقة المياه حيث يتكيء الفندق على صدر البحر الابيض المتوسط وجميع الغرف تطل على البحر مباشرة والنسمات تهب على الوجوه ذات طعم مختلف لاناس ادمنوا الرطوبة التي سرت في عظامهم وعاشوا حرارة الطقس ولم تعد اجسامهم تتحمل حتى الرقيقة .. نعم الخضرة تحيط بالمكان من كل جانب وخرير المياه يأتيك كسيمفونية رائعة لكن اين الوجه الحسن؟ رجال ونساء تخطوا سن المعاش الاختياري، وعاندوا الزمن الاجباري لحياتهم فعانقوا السبعين وهم غير قانعين بالبقاء على رصيف الحياة. الراعي والنساء ورغم ان الرحلة التي نظمتها مجموعة ستار وود التي تتبلع لها سلسلة من فنادق شيراتون وغيرها من شتى انحاء العالم وشاركت الخطوط الايطالية في تنظيمها .. جعلتني هارون الرشيد (نسخة 2001) اذ وجدت نفسي فجأة بين ست سيدات وانسات وانا الرجل الوحيد بينهن وما باليد حيلة سوى ان اصبح الراعي والنساء. الفندق يعج بالعديد من السائحين الذين اتوا من بلاد عديدة في مقدمتها المانيا وبريطانيا وبعض القادمين من امريكا ولكن قبل الهجوم عليها .. والفندق حاله كحال معظم فنادق العالم قد تأثر باحداث الحادي عشر من سبتمبر اذ تم الغاء العديد من الحجوزات لاعداد هائلة من السياح. واللافت للنظر ان مستوى الرفاهية العالي الذي تتميز به مجموعة الفنادق في منطقة كوستا سميرالدا قد اسهم بشكل مباشر في استقطاب الكثير من السياح ومن ابرز تلك العوامل الطقس الرائع طوال اليوم مع اشتداد البرودة في المساء فالمنطقة تضم بالاضافة الى رومازينو هناك مجموعة من الفنادق الاخرى هي: كالا دي فولبي وبيترزا وسيرفو .. كما تضم المناطقة اكبر ناد للجولف يصل عدد المشتركين فيه الى عشرة الاف عضو برسم اشتراك سنوي يصل الى الف وخمسئة دولار وتقام فيه حوالي مئة وعشر بطولات سنويا تبلغ جوائز اكبرها حوالي مئة الف دولار ويشارك فيها نجوم من كافة انحاء اوروبا وامريكا والملعب به 81 حفرة. وهناك مركز المؤتمرات الذي يقع في اطار فندق سيرفو وهو يعتبر قلب منطقة بورتوسيرفو وبينما يحتوي الفندق على 108 غرف وخمسة ملاعب للتنس وحوضين للسباحة وملاعب للاسكواش وصالة للجمنزيوم وغرفة ساونا نجد ان المركز تمت تهيئته لاستضافة مؤتمرات تضم اكثر من ستمئة شخص .. وفي المقابل هناك فندق كالا دي فولبي الذي يشتمل على 123 غرفة وتم بناؤه عام 1963 وتم تجديده هذا العام .. وبالاضافة لما يضمه من مطاعم رائعة وملاعب تنس به ايضا مسبح اولمبي ومركز رياضي وشاطيء جميل يطل امامه برماله الناعمة. وفي مكان غير بعيد يقع فندق آخر هو بيتريزا في قلب الصخور والزهور حيث ربوة عالية تجعله كانه يبتسم من علِ لكل المارة ويدعوهم لدخوله والاستمتاع بما يقدمه من رفاهية ورغم انه شيد عام 1990 لكن شهد هذا العام بناء العديد من الغرف الخاصة (سويت) تصل في مجموعها الى 52 غرفة مختلفة الشكل و «السويت» يأخذ شكل الفيلا الخاصة التي تضم ستة اشخاص في اكثر من غرفة وعندما سألنا عن اجرة الغرفة في اليوم الواحد عرفنا انها تصل الى 13 الف دولار في الليلة الواحدة تشمل كل شيء وبالطبع فالقيمة ليست عالية لرجال امثال بيل جيتس او الوليد بن طلال وغيرهما اما بالنسبة لنا نحن فقراء الارض فلهم الشكر اذ سمحوا لنا بالفرجة فقط. وجه آخر للرفاهية واذا انتقلنا الى مستوى آخر من الرفاهية في المنطقة فهناك نادي بورتوسيرفو البحري الذي يصطف امامه اكثر من 650 يختا وهو ناد من اكبر الاندية في منطقة البحر الابيض المتوسط وهناك ناد آخر هو نادي كوستا سميرالدا لليخوت الذي ينظم عدداً من الفعاليات المهمة ابرزها بطولة العالم وبطولة كأس سوان العالمية وسباق الزوارق. كل تلك الاماكن والمميزات بالاضافة لزرقة المياه والرمال البيضاء وخضرة الاراضي والجبال الشاهقة التي نحتت الرياح في صخورها وجعلتها اشبه بلوحات تشكيلية فنية رائعة جعلت من سميرالدا منطقة لقضاء اروع العطلات ومكاناً لتقديم اجمل الخدمات وفرصة لاكتشاف ابهى الاماكن الطبيعية على شواطئ المتوسط ليس ذلك فحسب بل الاستمتاع ايضاً بالمائدة الايطالية الحافلة باشهى المأكولات البحرية والبيتزا والمكرونة والكابتشينو. ليس كافياً امام الذين يزورون منطقة سميرالدا ان يتمتعوا بما توفره لهم مجموعة ستار وود عبر فنادقها في المنطقة والتي هي واحدة ضمن منظومة فنادق يصل عددها الى 725 فندقاً في حوالي 80 دولة حول العالم بل المهم ان ينضم الزائر الى مجموعة الرحلات التي تنظم بالقوارب المختلفة الى عدد من الجزر التي تصل الى جزيرة سردينيا ومنطقة مالدينا وكورسيكا المتاخمة للحدود في الجنوب الفرنسي وجزيرة كابريرا وسانتو ستيفاتو وثلاث جزر صغيرة وهي: بوديللي وسانتا ورازولي ثم جزيرة سبارجي حيث صخور الجبال نحتت فيها الرياح وجوهاً واشكالاً فنية متعددة. ورغم ان منطقة سميرالدا هادئة هانئة تشهد سكوناً متميزاً في شوارعها عند المساء لكن ليلها لا يعرف الخمول او النوم وملاهيها ومراقصها تبدأ سخونة لياليها وضحت يومها بعد الثانية فجراً في ايام العطلات ولدى راغبي السهر وتوديع حياة الملل. وايطاليا ايضاً واخيراً تقفز العديد من الاسئلة، ايطاليا هذا البلد الجميل بشعبه الودود ومناطقه الرائعة ومطبخه العامر بشتى الوجبات الشهية ومواقعه السياحية والطابع الفني الذي يميز كل مكان فيه هل ظلم نفسه ام ظلمه الاعلام.. هل مسئولو السياحة فيه لا يحسنون التعامل مع وسائل الاعلام العالمية، ولا يدركون معنى الترويج السياحي بشكله العلمي المدروس؟ ولماذا السياحة لهذا البلد قاصرة على الاوروبيين والامريكيين فقط دون اهل الشرق الاوسط والخليج؟ ولذا يدمن العرب الذهاب الى لندن وباريس وبعض بلاد الشرق الاقصى وعدد من الدول الاسيوية دون الحضور اليه؟ ام ان اللغة الايطالية لا يتقنها الكثير من العرب هي الجدار الذي تتكسر عنده الرغبة في معرفة هذا البلد الجميل بشواطئه وناسه؟ اعتقد ان المسئولية مشتركة، ويكفي القول ان الوفد الاعلامي من صحافة الامارات يكاد يكون اول وفد لمجموعة تمثل الصحافة العربية والاجنبية من دولة خليجية لذا كان الترحيب بالوفد كبيراً والسعادة ارتسمت في العديد من الوجوه. لقد كانت الزيارة فتحاً جديداً لنا لمعرفة بقعة جميلة جداً في الاراضي الايطالية، ونافذة مشرعة امام المسئولين الايطاليين لتقديم بلادهم في شكلها الحقيقي علها تصبح نافذة جيدة يطل من خلالها مئات السياح من الامارات والخليج لتنضم ايطاليا لركب الدول التي يرغب الجميع في زيارتها خلال عطلاتهم الصيفية المقبلة.