يستمد هذا الكتاب احد ابعاد اهميته من كونه في جوهره عبارة عن ثلاث محاضرات القاها مؤلفه الروائي النيجيري الشهير شينوا اتشيبي، الذي يعد الروائي الاكثر بروزا في افريقيا جنوب الصحراء في عام 1998 في جامعة هارفارد الامريكية، ولم ينطلق فيها من عالمه ، الروائي ولا من عمق ابداعه الشعري وانما من تأملات دامت طويلا، وهناك خيط رفيع يربط بين هذه المحاضرات ويحاول ان يجعل من هذا الخيط الرفيع ستاراً حديدياً يراه الجميع، هذا الخيط او الستار يجسد محاولة جديدة للاجابة عن السؤال القديم: لماذا يصر الغرب على ان ينظر الى افريقيا على أنها قارة سوداء وسلبية ومجردة من الانسانية؟ وعلى امتداد الصفحات المئة والخمس عشرة التي يتألف منها الكتاب نجد انفسنا امام استكشاف مطول لابعاد التأثير الاوروبي على الثقافة الافريقية. وذلك من منظور التجربة الاكثر توهجاً بالحيوية والمتوافرة للمؤلف وهي حياته نفسها. هكذا فإننا سنجد انفسنا امام استحضار مدهش لطفولة كاتب كبير، وحيال محاولة مكثفة لالقاء الضوء على جذوره كفنان ومبدع قدم لنا ما يصفه بعض النقاد بالرواية الاكثر اهمية في افريقيا جنوب الصحراء وهي رواية «الاشياء تتداعى» ومزج بين الرواية والشعر ليقدم لنا جسراً للعبور الى تأكيد صادق لاهمية العدالة السياسية وضرورة اضاءة الابعاد الحقيقية للقارة، ان لم نقل صدام، افريقيا بأوروبا، والنتائج المأساوية التي نجمت عن هذا اللقاء. ويناقش شينوا اتشيبي تعليمه الانجليزي والعلاقة بين الكتاب المنتمين الى المستعمرات والعرف الادبي الاوروبي، وهو لا يتردد في الذهاب الى القول ان هؤلاء الكتاب اذا حاولوا تقليد الامبراطورية التي احتلت بلادهم وهيمنت على وجودها فإنهم يخاطرون بالتقليل من قيمة بلادهم والشعب الذي ينتمون اليه. وهكذا فإنه في غمار طغيان العولمة، فإن اتشيبي يرى ان من الضروري على كتاب العالم الثالث التركيز على المكان الذي قدموا منه، وهو يشدد على ضرورة القاء الضوء على الانساق القيمية التي يضربون جذورهم فيها، وبالنسبة له فإن القصص هي مصدر حقيقي للقوة في العالم وان تقليد ادب ثقافة اخرى يعني التخلي عن تلك القوة. ذكريات قديمة احدى الذكريات القديمة التي لا تزال محفورة في عقلي في بدايات طفولتي هي انني كنت عائداً الى بيت اجدادي واسلافي لاول مرة، كان عمري وقتها لا يتجاوز خمس سنوات وكنت انطلق بدراجتي لاول مرة ايضا، وقد تأملت كثيرا هذه التجربة لكنها كانت بلا جدوى. جلست في مؤخرة العربة اواجه ما كان يبدو لي وقتها انه الطريق الخطأ، لم اكن اعرف وقتها الى اين نحن ذاهبون، بل لم اعرف من اين نحن آتون. انطلقت بنا العربة في الشارع حيث لفح الغبار وجوهنا ومضت الاشجار تلقي بظلالها علينا احيانا وبالاتربة احيانا اخرى، وشعرت بالسعادة اخيراً عندما توقفت بنا العربة لاخذ قسط من الراحة في موطني ومدينتي، بعد ان كاد الخوف يسيطر علّى. كان مصدر هذا الخوف من هذه الرحلة المرعبة هو ان والدي ـ بعد ثلاثين عاماً قضاها في العمل الكنسي ـ وجد اخيراً كنيسة جديدة لكي يعمل بها يحصل من خلالها على قسط من الراحة ومبلغ ثلاثين شلنا كأجر شهري، وعاد بأسرته الى منزل العائلة، وهو منزل واسع ذو سطح حديدي، مختلف تماما عن المنزل الذي كنا نسكنه، وتركناه قبل فترة قصيرة. من بين جميع افراد عائلتنا، كان والدي فقط هو الذي عاش في مدينة أوجيدي، التي قام بتنشئتنا فيها، ولم يقم فيها منذ ان بدأ العمل الكنسي عام 1904، كان ذلك عام 1935. اما والدتي التي خدمت بجواره منذ زواجها ولمدة خمس سنوات فقد كبرت وترعرعت في مدينتها التي تبعد عن اوجيدي مسافة عشرين ميلاً. وكان والدي يشرح للناس الكثير عن رحلاته التي بدأها عام 1904م. وقد تأثروا جميعاً بما كان يقول لهم عن هذه الرحلات حتى انهم اطلقوا عليه اسم «مستر ناينتين فور» اي «السيد 1904» والاسوأ من ذلك هو انني انا واخوتي كانوا يطلقون علينا في المدينة لقب «ابناء السيد 1904». لم يكن سكان مدينة اوجيدي لطفاء او ظرفاء، وكانت المدرسة بالنسبة لنا مكاناً لا يتسم بالود او الحب اما مدينة «اجبو» في جنوبي نيجيريا فيبلغ عدد سكانها عشرة ملايين نسمة، ويعتبرون من اهم الشعوب الافريقية. ومن الناحية التقليدية يمكن ان يطلق عليهم لقب «قبيلة» لكنني لم أعد اتبع هذا التقليد، حيث اسميهم شعباً وليس قبيلة، وها نحن نعود اليها مرة اخرى. لماذا اسمي سكان «الاجبو» شعبا وليس قبيلة؟ انني اجيب انا عن السؤال بقولي ان قاموس اوكسفورد يعرّف القبيلة بأنها «مجموعة من العائلات البدائية او الجماعات تربط بينها روابط اجتماعية ودينية او رابطة الدم، وغالبا ما يجمع بينها ثقافة مشتركة ولهجة واحدة ويقودهم قائد معترف به». ولو طبقنا هذا التعريف على الشعب الاجبو فسوف نصل الى النتائج التالية: أ ـ ان شعب الاجبو ليس بدائيا، ولو كنا نحن شعب الاجبو بدائيين لما كانت هذه السطور ستمثل امامكم. ب ـ شعب الاجبو لا تربط بين ابنائه رابطة الدم على الرغم من انهم يتشاركون في العديد من الثقافات المشتركة. ج ـ شعب الاجبو لا يتحدث لهجة واحدة لكن ابناءه يتحدثون لغة واحدة تتفرع منها العشرات من اللهجات الرئيسية والفرعية. د ـ اما عن القائد المعترف به فإن ابناء شعب الاجبو يعتبرون ان عدم وجود هذا القائد يعد احد المعالم الرئيسية لهويتهم الاجتماعية والسياسية. ولكن ان اطلق عليهم «أمة» كما افضل انا الآن ـ فهذا التعريف تعتريه الكثير من المشكلات، فقاموس اوكسفورد يعرّف الامة بأنها: «مجتمع من الناس ينحدرون من اصل واحد وذوي تاريخ واحد، ويتحدثون لغة واحدة، ويشكلون في مجموعهم دولة او اقليما مسكونا». وهذا الوصف لا ينطبق بدقة على سكان الاجبو، ولكنه الاقرب للدقة مقارنة بكلمة قبيلة. حكاية عن الاجبو مدينة اوجيدي التي عادت اليها عائلتي عام 1935 كانت واحدة من مئات المدن، التي كانت في الواقع دويلات صغيرة تتمتع بهوية خاصة، مثل تلك التي يتمتع بها شعب الاجبو. هذه المدن كانت تمارس السلطة السيادية التي تتمتع بها عملياً في القرى التابعة لها، والتي يبلغ عددها اكثر من 800 قرية. كان التنافس بين هذه الجماعات احد الملامح الاساسية في حياة الاجبو منذ العصور القديمة وحتى الآن، وبالطبع خلال العصور الاستعمارية التي مرت بها. هناك حكاية خيالية مثيرة عن الاجبو ربما يكون من المناسب سردها ولكن بشيء من الاختصار، فذات صباح، كانت الحيوانات في طريقها الى اجتماع دعا اليه منادي البلدة الليلة السابقة وكانت المفاجأة عندما رفضت الدجاجة التوجه الى الميدان العام مثل الباقين، لكنها اتجهت الى مكان بعيد وعندما سألها جيرانها واصدقاؤها عما اذا لم تكن قد سمعت نداء منادي البلدة الداعي للاجتماع قالت لهم، انها سمعت النداء بالفعل ولكن لسوء الحظ فإنها مضطرة الى التوجه لقضاء مسألة شخصية مهمة حلت فجأة، وطلبت منهم ابلاغ تحياتها وتمنياتها الطيبة للمجتمعين، كما انها اعلنت عن تأييدها والتزامها بكل القرارات التي ستصدر عن الاجتماع. كان موضوع الاجتماع هو بحث الطلب المقدم من البشر بضرورة ايجاد حيوان للتضحية به لآلهتهم فأصدر المجتمعون قراراً بالاجماع بأن تكون الدجاجة هي ذلك الحيوان الذي سيقدمونه للبشر للتضحية به. ان النظرة العالمية الى الاجبو كحالة فردية هي حالة فريدة وكمدينة ايضا هي حالة فريدة، فكيف يصيغون هذه الادعاءات المتناقضة في هاتين الحالتين؟ الى ان نوع من القرارات يميلون؟ تقول اجابتهم ان اجتماعاً شعبياً هو شيء صغير بالنسبة لأي شخص يرغب في الحضور ويعبر عن رأيه. ان شعباً يريد ان يشارك في خرافة مثل خرافة الدجاجة المهملة واجتماع رفاقها، لابد ان يكون ابناؤه بالفعل ديمقراطيين. فهذا الشعب ـ شعب الاجبو ـ لايريد بالتأكيد ان يعيش تحت حكم الملوك، انهم لايرغبون في ذلك، ولا يخفون ذلك، بل ان كثيرين من ابناء شعب الاجبو يطلقون على ابنائهم اسم: «ايزيب ويلو» وهي تعني «الملك عدو» فهل يمكن ان نتخيل رجلاً ينادي على ابنه قائلا: «الملك عدو.. اعطني كوباً من الماء!». لقد عاشت الاجبو دائما في عالم من الصراعات المستمرة والحركة والتغيير. الكتابة عن افريقيا والافريقيين بأقلام المسافرين الاوروبيين وغيرهم لها تاريخ طويل، من بينهم دوروثي هاموند وآلتا جابلو اللتان نشرتا دراسة للكتابة الافريقية حول افريقيا جنوب الصحراء على مدى اربعمئة عام، بدءاَ من القرن السادس عشر وحتى القرن العشرين. قامت هاتان الكاتبتان بقراءة وتحليل اكثر من خمسمئة مجلد في مختلف المجالات ثم خرجتا علينا بكتاب عنوانه «افريقيا التي لم تكن» اكدتا فيه ان الخرافات والاساطير عن افريقيا تحولت الى تقليد ومستودع للرؤى والافكار التي يلجأ اليها الكتاب والمؤلفون للحصول على مادة لما يكتبون. الرحلة التي قام بها القبطان جون لوك على ظهر مركبه عام 1561 الى غرب افريقيا توضح المراحل الاولى لهذا التقليد، حيث يقول عن السود: «انهم اناس يعيشون كالبهائم، بلا إله أو قانون او دين، نساؤهم مشاع ذلك لانهم لا يفضلون الزواج الرسمي.. ولا يحترمون العفة ولا الطهارة.. يعيشون في كهوف ومجرات صغيرة فهذه هي بيوتهم ولحوم الثعابين طعامهم على نحو ما ذكر بليني وديودور الصقلي، وليست لهم لغة وانما هم يبتسمون ويبربرون، وهناك ايضا اناس بلا رؤوس، وعيونهم وافواههم موجودة في صدورهم. هذا هو نوع من الكتابات عن افريقيا والافريقيين التي لاتزال حتى اليوم تستهوي الاوروبيين. الامبراطورية تضرب مجدداً يقول المؤلف شينو اتشيبي في محاضرته الثانية: سوف أبدأ السؤال التالي: ماذا افعل بخبرتي عن تمرد الفصل الدراسي على الشخصية الروائية «مستر جولسون»؟ ان اي شخص مطلع على الادب الافريقي يعرف ان هذا الكتاب هو الذي جعلني اتجه للكتابة، واثار فيّ الحماس للتعبير عن الذات. ونحن، بالطبع، في حاجة الى مثل هذه اللحظات والاشياء التي تثير فينا الحماس والرغبة في العمل او التغيير في حياتنا.. ولكن في اوقات اخرى فيجب ان نقنع بحياتنا والمستوى الذي نعيش فيه. ان ما فعلته بي رواية «مستر جونسون» ليس مجرد تغيير مجرى حياتي وتحويلي من شيء ما الى كاتب، فهكذا خلقني الله، لكن ما فعله هذا الكتاب هو انه فتح عيني على حقيقة ان وطني كان عرضة للهجوم. وبالنسبة لي فإن هناك ثلاث أسباب هي التي جعلتني اتجه الى الكتابة: السبب الاول: ان لديك رغبة ملحة لكي تجيش عما في صدرك. السبب الثاني: ان لديك ما ترغب في الافصاح عنه من قصص وحكايات. السبب الثالث: ان هذا المشروع يستحق العناء والمعاناة والتي اطلق عليها «شروط السجن» فعليك ان تتحمل الكثير حتى ترى هذه القصص والحكايات النور. هاموند وجابلو اكدتا لنا ان جميع الشخصيات الافريقية في كل القصص والروايات التي درساها محدودة للغاية، وليست انسانية على الاطلاق وان النتيجة المنطقية التي توصلنا اليها هي ان مؤلفي هذه القصص والروايات ربما يكونون قد جاءوا لكي يروا الاشخاص الذين يعتزمون الكتابة عنهم، لان هذه هي الطريقة الوحيدة للكتابة عن افريقيا. اربعمئة سنة مساحة زمنية واسعة، ومئات الكتب التي تمخضت عنها المطابع في بريطانيا وأوروبا وفي كل مكان لرسم ملامح افريقيا المسكونة بأشخاص لايعرفون بالكاد معنى الانسانية كانت بمثابة الجرس الذي يدق ناقوس الخطر. لكن هل هذه هي الطريقة الوحيدة للكتابة عن افريقيا؟ بالطبع لا، لان الاساءة ليست مقرونة بفترة زمنية أو كثرة، ولكنها تظل باقية الى الابد، كما ان لعنة هذه الاساءة حلت في وقتنا الحاضر، ونحن محظوظون بهذه الميزة. ما دمت قد استخدمت نتائج بحث دورثي هاموند وألتا جابلو لتدعيم الحجج التي اسوقها في هذه المحاضرة: فلابد ان اعرض جزءاً مما جاء في هذا البحث: ان التقليد الادبي الذي شاع وانتشر طيلة القرون الاربعة للاتصالات البريطانية الافريقية اصبح الآن هزيلاً. قليل من البريطانيين كتبوا عن افريقيا، ذهبت الامبراطورية الى غير رجعة، وذهب معها البريطانيون الذين كانوا يعيشون في افريقيا. ان افريقيا لم تعد ذلك «المجهول العظيم» الذي ينتظر من يكتشفه! لقد اصبحت افريقيا شيئا آخر، وتحولت في عصر ما بعد الاستعمار الى مكان يجب ان يعيش فيه شعوبها حياة كريمة ويتعاملون فيه مع تقلبات الحياة شأنهم في ذلك شأن اي شعب آخر. ان معظم الكتابات البارزة عن افريقيا يكتبها الآن كتاب أفارقة مثل اموسي توتولا وشينوا اتشيبي ووولي سوينكا وغيرهم.. ولقد وضعت اسمي ضمن هذه القائمة القصيرة لانني احب ذلك، اما هؤلاء الآخرون فهم كثر. وكل يوم تظهر طرق جديدة للكتابة عن افريقيا تعيد اكتشاف واستثمار القارة وشعوبها، وتتسم هذه الكتابات عنهم بالانسانية وتحرر كاتبوها من قيود المراجع التي كانت تذكر ان الشعوب الافريقية ليست انسانية على الاطلاق التي سيطرت على الكتب الاوروبية التي تناولت افريقيا على مدى مئات السنين. الادب الجديد الذي نشأ بقوة وبوفرة في الخمسينيات والستينيات اوضح تنوعاً كبيراً لتناول هذا الموضوع سواء من حيث اسلوب الكتابة او مستويات المهارة في العرض والتناول، لكن هناك خيطاً من الانسانية المشتركة يربط المؤلف بعالم ابداعه، حيث اصبح هذا المؤلف وامثاله يعرفون ان الاشخاص الافارقة الذين يكتبون عنهم من دم ولحم ومشاعر واحاسيس، مثلهم تماماً. ان هذا الادب الجديد عن افريقيا ادهش الكثيرين، واظهر تجاوباً وتأثيراً على اناس كثيرين في اماكن مختلفة. افريقيا التي اعرفها اتساع الانشطة الاوروبية في جميع انحاء العالم في المرحلة الزمنية التي تطلق عليها عصر الاكتشاف، جاء بأوروبا على اعتاب افريقيا وكان من أهم آثار ذلك تجارة العبيد عبر الاطلسي والاحتلال. الانسان هو حيوان قصصي، نادراً ما يفّوت الفرصة سواء في عمله او حياته من دون ان ينسج قصصاً وحكايات. لكن هناك فرقاً شاسعاً بين القصة التي تنسجها مجموعة لتبرير او للتمويه عن اعمالها وبين تلك القصص التي يرويها اولئك الذين يدافعون عن تاريخهم. دعونا نتخيل ان شخصا جاء لكي يغتصب ارضي، اننا لا نتوقع منه ان يقول انه يفعل ذلك بسبب طمعه او بسبب انه اقوى مني، لان مثل هذا الاعتراف سوف يصنفه باعتباره وغداً او مستأسداً، فيلجأ الى مؤلف قصص يتمتع بخيال واسع لكي يؤلف قصة مناسبة تحّمل ما فعله فمثلاً تقول القصة ان الارض موضوع النزاع ليست ارضي، لانني لم اظهر استعداداً لزراعتها بطريقة تجعل انتاجها وفيراً، وقد تستمر القصة لتقول ان سبب عجزي هو ذكائي المتواضع ومحاولة اثبات ان عقلي توقف عن النمو وانا في سن العاشرة. ان اي انسان يعتقد ان هذه نكتة لم يقرأ كتب اليزابيث هوكسلي عن افريقيا، واليكم جزءا مما كتبته في كتابها: «بلد الرجل الابيض» حيث تقول: «ربما يكون ـ كما قال له بعض الاطباء ـ ان عقله مختلف، فالمسافة الزمنية المتنامية اقصر وبه خلايا اقل تكويناً وتنظيماً عن عقول الاوروبيين.. بمعنى آخر هناك فرق شاسع بين قدرات عقل الافريقي وقدرات عقولنا». هذه الآراء والانطباعات لم تخترعها هوكسلي، فهي قد اخذتها بالنص من الفولكلور او الموروث الشعبي الاوروبي عن افريقيا، لكي تدعم بها ما تدعيه من ان كينيا كانت تنتمي الى الرجل الابيض، وان اللورد ديلامير هو مؤسسها. واذا لم يكن هذا الادعاء واقعياً لكتبت هوكسلي: «ان كينيا لا تنتمي الى الرجل الاسود او الرجل الابيض ولكن تنتمي للحيوانات المتوحشة» وليكن تبرير المؤلفة في ذلك: «اذا لم استطع اغتصاب كينيا.. فلن اجعل السود يحصلون عليها». وكما عرفنا بعد ذلك ان اللورد ديلامير توجه من مدينة في بريطانيا الى رحلة صيد في كينيا فأحب المكان وقرر الاقامة فيه، هكذا ببساطة وقد سعدت ادارة الاحتلال البريطاني بزيارة اللورد ديلامير خلال شهر اغسطس وسعدت بقراره بالاقامة في كينيا فمنحته مئة الف فدان من الاراضي الجيدة التي استولت عليها عندما اعلنت بريطانيا ان كينيا مستعمرة تابعة للتاج البريطاني عام 1902، وسرعان ما قام ديلامير بتشغيل مزارعين بيض من كينيا في هذه الاراضي لمواجهة اي اعتراف بحقوق الافارقة في هذه الارض او مشاركتهم المستقبلية في اي نشاط سياسي، وقد دفعه ذلك الى معارضته لاية قرارات في هذا الخصوص صادرة من الحكومة البريطانية ذاتها. في عام 1986 كتب احد الكتاب الذين يعيشون في بريطانيا عن نيجيريا يقول: الكتابة الآتية من نيجيريا تأتي من افريقيا التي اعرفها. وتبدو هذه الكتابة رسمية اكثر مما ينبغي، فبعد قراءة الصفحة الاولى تقول لنفسك انك مرهق بسبب القراءة، ولكني عندما تقرأ الموضوع نفسه وقد كتبه شخص بريطاني او اي شخص آخر يعيش هنا فسوف تستمتع به لان اللغة ستكون اكاديمية وسليمة وحتى عندما تنزع الغلاف فإنك تستطيع ان تتعرف على كاتب هذه السطور. نايبول والرولزرويس في اول ابريل عام 1991 نشرت مجلة فوربس مقالاً بعنوان: «شكسبير وافلاطون وباقي الخنازير العنصريين» وتحدث المقال عن العديد من الاكاديميين في الجامعات الامريكية الذين يتهمهم المقال بأنهم يحاولون ان يصرفوا طلبتهم عن القيم الغربية، ويحاولون ان يدخلوا في رؤوسهم ثقافات وقيم اخرى. لكن كيف حدث ذلك؟ وهل استجاب احد لذلك؟ هل رأى هؤلاء الاكاديميون ان الثقافة القريبة مليئة بكل امراض العالم؟ هل هذا حقيقي؟ كتب هذا المقال سير في. اس. نايبول، احد اعظم الكتاب المعاصرين في بريطانيا، وبعد ايام من هذا المقال شاهدنا هذا الكاتب يركب سيارة رولزرويس ذات سعر فلكي، «فهل هي صدفة ان يتزامن هذا المقال مع هذه السيارة الرولزرويس؟» ربما، ولكن ما مناسبة هذا المقال؟ المناسبة هي محاضرة القاها نايبول في معهد مانهاتن بعنوان «حضارتنا العالمية» وكان جوهر المحاضرة ان الحضارة التي بدأت في اوروبا وانتشرت الى الولايات المتحدة اكتسبت الحق بالاعتراف بها كحضارة لكل شخص لانها قامت بمحاولة لتشمل بقية العالم. ان مشاركة نايبول فيما يطلق عليه «الحضارة العالمية» كانت معروفة قبل محاضرته في مانهاتن، فقد سافر عدة مرات الى مناطق نزاع في انحاء كثيرة من العالم وكتب عنها الكثير: الفقر في الهند «موطنه الاصلي» جعله يشعر بـ «الاشمئزاز» ودفعه رد فعله الى الدخول في صراعات مع الكثير من الهنود الذين وجدوا موقفه هذا متسماً بالصلف والغطرسة. وتستطيع ان تربط بين هذا الموقف ودعوته الى الحضارة العالمية والتي اثرت على كتاباته حيث بدأ روايته «منعطف النهر» «العالم كما هو: رجال تافهون سمحوا لانفسهم بأن يكونوا كذلك، وليس لهم مكان في هذا العالم» ويحاول نايبول ان يخدع قراءة بمثل هذا الكلام الكبير! فأين تجد مثل هؤلاء الرجال التافهين الذي يتحدث عنهم؟ ومهاذا يقصد بكلمة تافهين؟ وهو يقول في موضع آخر من الرواية نفسها: طلبت فنجانا من القهوة، كان رجلاً عجوزاً ضئيل الجرم هو الذي يخدمني، واعتقدت، ليس للمرة الاولى ـ انه في ايام الاحتلال كان يتم اختيار الندل لضآلة جرمهم ولهذا السبب كانت تتم تجارة العبيد في الايام الخوالي، كان هؤلاء العبيد انصاف رجال في كل شيء، ماعدا شيء واحد وهو قدرتهم على انجاب اجيال جديدة. ان مثل هذه الكتابات تمثل عاراً على كاتبها، علاوة على تفاهتها وتجردها من القيمة. ويسوق المؤلف نوعاً آخر من كتابات في. اس نايبول 1980 ففي حوار اجرته معه صحيفة «نيويورك تايمز» قال: «انني لا اعّول كثيراً على القراء الافارقة، ولا اعتقد ان اي كاتب لابد ان يفعل ذلك فأفريقيا هي ارض الاشجار وليست ارض المثقفين». أما عن الآسيويين فلم يكن اكثر تعاطفا معهم حيث قال: انهم لا يقرأون واذا قرأوا فعن السحر فقط. الحزن وجوازات السفر ويقول المؤلف عن علاقته بلندن: انني تذكرت جيدا اول يوم وطئت فيه لندن كان ذلك في اوائل عام 1957 وكنت وقتها مذيعاً شاباً جاء من مستعمرة نيجيريا لكي يتدرب كمذيع محترف في محطة الـ بي. بي سي. انها كانت رحلة لها بدايات عديدة: اول بداية كانت الخروج من نيجيريا الى لندن واسعدني ان القى الترحيب اللازم في المطار وان اسعدني اكثر ان اركب سيارة يقودها سائق ابيض. وقضيت الشهور السبعة التالية في تعلم الخبرة الاذاعة والتجول في جميع انحاء بريطانيا وزود نفسي بالخبرات عن الخطط الاستعمارية وذلك من خلال المدرسة الاذاعية التي انشأتها الـ بي. بي سي للمذيعين الجدد. ولا انسى ذلك اليوم عندما كنت اتلقى تدريباً عملياً كمعلق كنت واقفا فوق احد الجسور واحمل الميكروفون في يدي وطلبوا مني ان اصف للمستمعين ما اراه الآن حولي. وكل ما اعطوه لي من معلومات عن هذا المكان هو ان الجسر يقع في منطقة تسمى ميدل سكس، وقلت ما استطعت ان اقول. ومرت ايام طويلة يشوبها القلق عندما جاء المعلم لكي يعيد التسجيلات لكي نسمع ما قاله كل مذيع في ذلك اليوم واحداً تلو الآخر. وكانت دهشتي كبيرة عندما اشاد بتعليقي وبكلماتي القوية، وبدأت احب لندن وهدوءها. ولكنني لم استطع ان اتأقلم مع هذه المغريات حيث كنت ابحث في اعماقي عن جزء عزيز وغال ضاع مني.. اقصد بلدي. شيء آخر احزنني وهو ان جواز السفر الذي احمله مدون فيه في خانة الوظيفة: شخص تابع للحماية البريطانية.. وكانت تلك كذبة متغطرسة لسبب بسيط جداً وهو انني لم اطلب من احد ان يحميني. وكونك تحمي شخصاً لم يطلب ذلك او يقبل ذلك. اما الآن فإن جواز سفري مدون فيه عبارة: مواطن نيجيري وفي عالم اليوم لم تعد نيجيريا كما مهملاً او خبراً لا قيمة له. والى اولئك الذين يعتقدون ان اوروبا وامريكا الشمالية قد اخترعت تعبير الحضارة العالمية وكل ما هو مطلوب من ان نهرع خلف هذا التعبير اقول: ان تحولي من مجرد شخص تحت الحماية البريطانية الى مواطن نيجيري يعني انني احببت «حاضر» عندما نودي على اسماء الحاضرين عند اعادة ميلاد العالم، كما يقول الشاعر سنجور.