الدنيا من أقصاها الى أقصاها تؤيد الرئيس جورج بوش الابن في حربه ضد الارهاب. ومثلي لا يترك هذه الفرصة لابد أن أشارك في هذا التأييد وأعلن ولائي لأمريكا، والا فمن يدري ربما اعتبروني عدوا لابد من ضربه بالقنابل النووية وأنا لا أحتمل أصغر قنبلة يدوية. والتهم تلقى جزافا وبيسر شديد في هذه الأيام. وقررت أن أكتب رسالة الى الرئيس. وانتابتني الحيرة فأنا لا أدري الى أين أبعث رسالتي. في الماضي كنت أعرف العنوان، والبيت الأبيض أشهر من أن يتجاهله أو يجهله أحد. ورغم القصور الشهيرة في تاريخ البشرية مثل الاليزيه والكرملين وعابدين والحمراء وغيرها من القصور القديمة والفخيمة الا أن البيت الأبيض تميز بأنه مركز الأرض وأعجوبة الزمان، ومكان القوة والقرار. ولكنني في شك من أن الرئيس متعه الله بالصحة يعيش الآن في البيت الأبيض. حقا أنهم يصورونه احيانا هناك، ويتحدثون عن أنه فعل كذا وكذا في البيت الأبيض، الا ان مثلي يشك في هذا، فلقد عشت أزمانا كان الرئيس يسافر أسابيع لاسباب مختلفة، ويقال انه في قصره لم يتحرك منه. بل عشت ازمانا كان الرئيس يموت ويوضع في الثلاجة أياما حتى يرتب الورثة أوراقهم. ولا تقل لي أن هذا من سمات العالم الثالث، فلقد تغيرت الأمور، وفي زمن العولمة وتحول الدنيا الى قرية واحدة تداخلت الاشياء، وكما اخذنا من أمريكا العلم والتكنولوجيا والهامبورجر وسلفستر ستالوني أخذت أمريكا منا بعض سمات العالم الثالث مثل القاء التهم دون دليل، حتى لو اتضح فيما بعد أن المتهم المقصود ليس على قيد الحياة أو أنه لم يولد بعد. وعندما كانوا يفعلون ذلك كنت أشعر بسعادة كبيرة، وكيف لا أحس بالسعادة وأنا أرى الأمريكيين يأخذون بأساليبنا أليس هذا بدليل على أننا أصحاب حضارة عريقة؟ أغلب الظن كما فكرت أن الرئيس ليس موجودا في البيت الأبيض. وأول ماخطر على بالي انه ربما كان في منتجع كامب ديفيد. واستبعدت الفكرة فورا ليس والله لكراهيتي التي لا أنكرها لكامب ديفيد، بل لأن الرئيس يعرف انه كانت هناك محاولة أثيمة لاغتياله في هذا المنتجع والرئيس رجل مثل بقية البشر يتشاءم ويتفاءل. وبالتأكيد سيتشاءم من هذا المكان. قال لي صديقي ضاحكا: ليس مهما عنوان البيت، لكنه بالتأكيد تحت السرير! ولم أضحك ليس فقط لولائي لأمريكا ورئيسها المحبوب. وليس فقط لعدائي لبن لادن ولطالبان، ولكن لأن صديقي يقول كلاما غير منطقي. فالرئيس اذا أراد أن يختفي من الضربات الارهابية المجنونة فهناك عشرات الأماكن غير تحت السرير. مثلا يمكن أن يختفي في خزانة الملابس، أو حقيبة السيارة، أو حمام الخدم، فضلا عن أماكن اخرى من الممكن أن تدله عليها المخابرات المركزية، وقد يكون لديها اختراع لم يحن بعد مثل خاتم في أصبع جيمس بوند يلمسه الرئيس فيكون مخبئا أوتوماتيكيا مبطنا بالفولاذ. والتكنولوجيا في أمريكا مثل الأساطير. استبعدت فكرة صديقي الحمقاء. ولكنني ازددت حيرة. وفي تلك الليلة كنت مشغولا بالموضوع حتى حلمت به، وكان حلما عبقريا أهديه الى الرئيس العزيز. فلقد حلمت أن المخابرات المركزية فكرت في أذكى مكان لاخفاء الرئيس فلم يجدوا غير افغانستان!!! وأرجوا أن يبقى مراجع هذا الكلام علامات التعجب الثلاث رغم مافيها من مبالغة، لأنني أريد أن ألفت بها النظر الى عبقرية الفكرة ومافيها من مزايا أكثر من أن تتسع لها هذه السطور. فهو والحمدلله سيكون مختفيا عن اعداء الديمقراطية، وفي نفس الوقت سيكون قريبا من ميدان العمليات، وسيعاين بنفسه أثار ضربات الصواريخ والقنابل. وفكرت أن اسأل عن عنوان الرئيس في السفارة، ولكنني استبعدت الفكرة فلقد كنت أحس بالرعب وأنا اقترب من السفارة وكان الامن الأمريكي اسطورة زمانه، فكيف الآن ولقد تغيرت الأمور؟ وبالمناسبة نتيجة خوفي من الاقتراب من السفارة الأمريكية في زمن السطوة، قررت أن أعيش حياتي وأموت دون السفر الى أمريكا. وكان قرارا فظيعا فأنا أريد السفر اليها، وأحب ذلك كثيرا. ولكنني قلت لنفسي لقد حرمتني الدنيا من أمنيات كثيرة مثل أن أرى الوحدة العربية، أو أن أرى شارون وصحبه جالسين الى جوار حائط المبكى ينحون الهزيمة، أو أن أحضر زمانا يصدر فيه قانون يحرم الاغاني الهابطة، أو أن أحصل على نسخة من كتاب وصف مصر، أو أن أن يقول الوزير الفلاني الصدق ولو مرة. أعرف انني سأعيش وأموت وأنا لم أحقق امنية واحدة من هذه الامنيات فضلا عن أمنيات اخرى لم أكتبها خشية أن تقرأ زوجتي العزيزة هذا المقال! بالمرة لن أذهب الى أمريكا، ولا أدري هل هذا سيكون في حساب حسناتي أو في حساب سيئاتي. المهم أن هذا ماسيحدث، وسبحان مغير الأحوال. وأخيرا قررت أن تكون «البيان» وسيلتي لايصال رسالتي وصدقوني فعلت ذلك على مضض. فأنا أخشى ماأخشاه سوء الخطاب، وليس لي خبرة بمحادثة الرؤساء ومن في مستواهم. وربما أسأت الأدب دون قصد والله. ماذا سيحدث إذن؟ أخشى أن الصواريخ والطائرات والقوات ستتحرك لضربنا. ما ذنبهم معي، وأنا من اساء التقدير دون قصد كما أذكر للمرة الثانية. ولكنني قلت لنفسي، والنفس امارة بالسوء، أن «البيان» تحملتني كثيرا، فلتتحملني في هذه المرة أيضا. وأنا أنوي بكل ما أملك من قدرة أن أخاطب السيد الرئيس بكل الأدب والاحترام والخشوع. ولكني خائف ليس فقط من أن اخطئ، لكنني خائف لانني عربي وهناك أيضا دليل على انني أحب أهل لبنان وليبيا واليمن، وسيادة الرئيس لا يحب أهل هذه البلاد. وبالتأكيد له اسبابه المقنعة. ولكن قلبي، واللعنة على قلبي، متعلق بأهل هذه البلاد، وبالمناسبة أطلب من الرئيس أن يبتكر علماؤه دواء نتعاطاه فنكره أهل هذه البلاد. وهذا يسهل المطلوب منا. القلق أيضا من أنني مسلم مثل ابن لادن وأعرف انني لن استطيع التنصل من هذا التهمة، فشهادة ميلادي مكتوب فيها انني مسلم، وبالتأكيد تعرف أمريكا انني حججت بيت الله. وكان ذلك أيام كانت أمريكا تعرف (دبة النملة) أي قبل أن تتدرب النملة على خداع الأجهزة الأمريكية. أنا أمام الرئيس عربي مسلم وايضا والعياذ بالله مؤمن بالقومية العربية. لهذا كله أخشى اتهامي بمالم أفعله. وأريد أن أوضح لفخامة الرئيس مافعلته في أحداث 11 سبتمبر وهو المقصود من هذا الحديث جعله الله خفيفا ولطيفا. كنت في الاسكندرية حيث حضرت مهرجان الاسكندرية السينمائي ورآني مئات من الفنانين والمسئولين والصحفيين والأصدقاء. وأظنهم يشهدون انهم رأوني اذا لم يروعهم أحد. في هذه الحالة لا أضمن ماسيحدث. وفي يوم 11 سبتمبر وفي العاشرة صباحا أفطرت افطارا «كونتنتال» وشربت قهوة سادة في مقهى الفندق. وعندئذ رآني وزير الثقافة فسلم علي، وأظنه يشهد بذلك. بعدها خرجت بالسيارة مع أحد الأوروبيين لأوصله الى القاهرة. أي أن لدي شاهدا من أهلها. ولم نفتح راديو السيارة وهذا يدل على أنني مواطن صالح. وتحدث صاحبنا الأوروبي في كل شئ وسألني عن أجري في العمل السينمائي أو التلفزيون، لكنه لم يتحدث في السياسة. وبالطبع لم أفعل ذلك. ووصلنا الى مكان بديع في منتصف الطريق تناولنا فيه طعام الغذاء واخترت الفطير المشلتت واذا كان الرئيس شاهد فيلما مصريا قديما سيعرف ماهو وتناول صاحبنا الأوروبي طعاما أوروبيا فضلا عن الفطير المشلتت! وفي هذا المكان قابلت المخرجين سمير سيف وعادل الأعصر كلا على حدة. وكان ذلك من نعم الله، لأن سمير سيف كان يرى أنه يستحق جائزة الاخراج منفردا في حين أن عادل الأعصر شاركه فيها بقرار اللجنة، ورفض سمير الذهاب لاستلام الجائزة. وأظن أن سمير وعادل يشهدان بأنني كنت في هذا المكان وكانت الضربات المجهولة تنال من المؤسسات الأمريكية. ولم نكن جميعا - وبالطبع صاحبنا الأوروبي نعرف مايحدث. أيضا هناك شاهدان من المستبعد تقديمها الى فخامة الرئيس. الأول هو محمد ولنسميه محمد الأول وهو السائق الذي صاحبني الى هذه الكافيتريا عدة مرات من قبل. وأعجبه كثيرا. وتمنى أن يعمل فيها ليستمع بهذا الجو الصحراني الجميل. أما محمد الثاني فهو جرسون في هذه الكافيتريا قال لي انه معجب بما أكتبه®. تخيلوا! وفي النهاية طلب مني أن أسعى له للعمل في القاهرة لأنه سيتزوج ولم يعد يطيق الحياة في هذا المكان. ولما سألته عن العمل الذي يتصور انه يستطيع عمله قال: سائق! وناديت محمد الاول: وقلت لهما أحدكما سائق يتمنى أن يكون جرسونا هنا. والثاني جرسون يتمنى أن يكون سائقا هيا ليتبادل كل منكما الآخر بعمله. وضحكنا وضحك الناس. وأظن أن هؤلاء الناس يشهدون بأنني حتى هذه اللحظة كنت أجهل ماحدث. وأخذت صديقنا الأوروبي الى الفندق. وذهبت الى البيت قبيل السادسة مساء، ولم أكن أعرف أن ماحدث حدث، وجلست أمام التليفزيون لأرى أخبار السادسة، فرأيت مارأيت. وبالتأكيد رأيته يافخامة الرئيس، فلو كنت مختبئا تحت السرير كما يقول صديقي وأنا أعرف أن هذا كذب صريح. تستطيع أن ترى البعيد لو كان موضوعا على طاولة قريبة. ولا أصدق يافخامة الرئيس مايقال اننا قلنا لتشرب أمريكا من الكأس الذي سقته لبلاد الله. ولا تصدق يافخامة الرئيس أننا احسسنا بالشماتة لأن أمريكا أذلتنا من قبل ألف مرة. فنحن لا نكره أذلالنا من أمريكا. وضربك شرف ياأفندينا! ولا تصدق النكت التي قيلت فهي من صناعة ناس لا تعرفهم. واذا كنت خفيف الظل - ولا أظنك كذلك سأقول لك ماقاله زميل لنا تعليقا على الأحداث بعد أسبوع كامل: أسوأ ما حدث انه بنظام التمثيلية، لماذا لم يكن بنظام المسلسل؟ ولست في حاجة لأن أقول لك يافخامة الرئيس أنني لم أضحك على النكتة السخيفة. فأنا حزين جدا على ماحدث لأمريكا وأبرئ نفسي كمسلم وعربي من المشاركة فيما حدث، وأتمنى أن تصلوا إلى من فعل بكم ذلك حقا ليس لتبرئة العرب والمسلمين فقط. بل لكي لا يتكرر مرة أخرى. وأنا والله العظيم بريء يابيه!