أنهى الممثل الجزائري المعروف عبد النور شلوش تصوير دوره في مسلسل تاريخي سوري، وهي التجربة التي وصفها بالمثمرة فنيا وماديا، كما أشاد به المخرج أنور قوادري. ولم يقع الاختيار على شلوش ليجسد شخصية الأمير عبدالقادر لأنه جزائري الأصل فقط بل لأنه صاحب موهبة فنية كبيرة ولا سيما في مجال الأعمال التاريخية، حيث جسد في أعمال تلفزيونية شخصيات عربية إسلامية كثيرة كعمر بن عبد العزيز، في المسلسل الذي أخرجه مصطفى بديع حول هذا العلم البارز ونال نجاحا جماهيريا كبيرا. كما شارك في مسلسل «شجرة الخلد» من عشر حلقات عن نص للروائي الجزائري مرزاق بقطاش حول العلامة جابر بن حيان، وشارك فيه نخبة من الفنانين الجزائريين أمثال محمد عجايمي وبهية راشدي وبوزيدة عبد الله وغيرهم. وقد ابتعد شلوش في الآونة الأخيرة عن جو المسلسلات الاجتماعية بعدما تعود المشاهد الجزائري أن يراه رفقة عدد من الممثلين في مسلسلات اجتماعية تبث خلال سهرات رمضان، لكنه لم يشارك في مسلسل «الوصية» الذي أنجز العام الماضي بعد خلاف نشب بين المخرج جمال فزاز والكاتبة والممثلة جميلة عراس بخصوص تجسيد الجزء الثاني من مسلسل «كيد الزمن» الذي بث في رمضان ما قبل الماضي وحقق نجاحا شعبيا لم يسبق إليه في الجزائر. وقيل حول غياب شلوش عن مسلسل «الوصية» أنه تعبير عن مساندة الممثلة عراس ضد فزاز. فعن هذه المسألة وتجربته في سوريا وقضايا السينما والتمثيل في الجزائر والمغرب العربي فتح شلوش قلبه في الحوار التالي: ـ غبت عن مسلسل الوصية فذهبت الصحافة الفنية في الجزائر الى أنك اتخذت موقفا تجاه الصراع بين المخرج جمال فزاز والفنانة جميلة عراس. ما صحة ذلك؟ ـ أنا فنان حيادي ولا أدخل في الصراعات بين الزملاء، وغيابي عن مسلسل «الوصية» يعود الى نظرة المخرج فزاز الذي ربما رأى أنني لا أناسب أدوار المسلسل والتي اغلبها أدوار الشر أو من النوع الذي يدخل في صراعات ومؤامرات. كما انني بطبعي أميل الى الأدوار التراجيدية الصعبة والمركبة أحيانا، ولعل ما يجهله المخرجون أنني أتقن أدوار الشر أيضا، والممثل لا يختار الأدوار من حيث أخلاقياتها بل من زاوية ملاءمة الدور لإمكانياته. ولماذا هذا الاهتمام الكبير بالأعمال التاريخية في وقت تأكد ان المشاهد الجزائري صار يبحث عن الأعمال الاجتماعية التي تعري واقع حياته؟ ـ نظرا لقناعتي الفنية وتكويني أيضا أرفض الطرح الارتجالي للقضايا والتناول السمج والسطحي للموضوعات، فأنا غالبا ما أهرب الى الأعمال التاريخية التي تكتب بأسلوب جدي وبعمق، وتجد الحوار فيها دسما ورفيعا، وهذه أشياء تغيب في الأعمال الاجتماعية ولهذا أنفر منها بالرغم من أن الجمهور يميل إليها كما قلت، وحينما يعرض علي دور في دراما اجتماعية جيدة ويناسبني الدور أوافق بلا تردد. ـ رغم امتداحك للأعمال الدرامية التاريخية في الجزائر لكنها لم تحقق نجاحا عربيا كما فعلت بعض الأفلام والتجارب العربية. ما تفسيرك لهذا؟ ـ هناك أسباب موضوعية لذلك، مثل نقص الإمكانيات المسخرة، ولا سيما التصوير الخارجي الذي يتطلب امكانيات ضخمة، وكذا اللباس، كما يتطلب مجموعة من الممثلين المؤهلين للدراما التاريخية كإتقان اللغة العربية الفصحى. والأكثر من هذا هو غياب مخرجين مطلعين بقدر كاف على التراث العربي الإسلامي، فالصفوة من المخرجين الجزائريين متكونين في مدارس غربية وأعني هنا إما المدرسة الروسية أو الفرنسية، ولا يمتلكون رؤية فنية كافية لمعالجة قضايا تتصل بالتاريخ الإسلامي كما نجد عند بعض المخرجين المصريين أو السوريين حاليا. ـ وهل يمكن الحديث عن مدرسة عربية قائمة بذاتها في مجال الدراما التاريخية يمكن أن نواجه بها المد الغربي الذي كثيرا ما قدم علاقات الشرق والغرب برؤيته الخاصة؟ ـ فعلا الأعمال التاريخية هي قراءة للأحداث من زاوية ما، وكثيرا ما شوه تاريخنا العربي الإسلامي من خلال الأفلام التاريخية الغربية، لكن أعمالنا ما زالت ناقصة كثيرا في مجال الصورة واللقطات «أكشن» والمناظر الخارجية قياسا الى الأعمال الغربية التي تسخر لها امكانيات هائلة. وفي أغلب الأحيان تعتمد الأعمال العربية على الحكاية التي هي عماد الفيلم أو المسلسل. ويمكن ملاحظة هذه المسائل في الأعمال المصرية باستثناء أعمال المخرجين الكبار مثل يوسف شاهين، وطالما أن المشاهد العربي متعود على الأسلوب السردي الحكائي فإنه يتذوق هذه الأعمال لكن هذه الأخيرة لا تحقق نجاحا عالميا حينما تترجم الى لغات أخرى ويشاهدها جمهور آخر تهمه اللقطة والحركة الدرامية. وفي الجزائر أيضا نحن في حاجة الى مخرج مثقف له رؤية جيدة للتاريخ وبالأساليب السينمائية الحديثة، وأن تخرج الأعمال من الإطار الضيق أي الدوران في العاصمة وهو ما يتضح من خلال اللهجة العاصمية التي هي خليط من الفرنسية والعربية والبربرية، بينما هناك لهجات جزائرية أخرى في الشرق والجنوب هي أقرب الى الفصحى ويفهمها كل الجزائريين وكل العرب أيضا، لنقضي بهذا على مشكلة طالما اشتكى منها المتفرج العربي، وهي صعوبة فهم اللهجة الجزائرية. ـ اذا عدنا الى مسلسل «سحر الشرق» الذي يتناول سيرة الأمير عبد القادر الجزائري، هل على هذا الأساس تم اختيارك؟ ـ العمل لا يقتصر على سيرة الأمير عبد القادر، وإنما يتعرض لبعض مواقفه بسوريا، فقصة الفيلم تدور حول سيدة إنجليزية تنتمي الى المجتمع المخملي حلت بسوريا في أواسط القرن التاسع عشر قصد السياحة، واستقرت ببادية الشام في تدمر، وهناك تأثرت ببساطة البدو العرب وبسحر الصحراء، وعشقت شيخ قبيلة وتزوجت منه. ولما تنقلت الى دمشق صادفت نشوب الحرب الأهلية بين المسيحيين والمسلمين، ويلعب الأمير دورا حاسما في نزع فتيل الصراع بحكمته وعدله، وكان الأمير عبد القادر أول من استعمل في تلك الفترة عبارة حقوق الإنسان في العالم، لحماية حقوق الأقليات والدفاع عنها. كما يجب ان أوضح أن المخرج لم يخترني لأنني جزائري وإلا هناك عشرات إن لم نقل مئات الممثلين الجزائريين، بل اختارني لأنه لمس لدي القدرة على تجسيد هذه الشخصية التي لها بعد عالمي وإنساني. ـ وماذا يبقى من شخصية الأمير لدى الفنان شلوش؟ ـ وجدت شيئا مهماً لدى الأمير في المسلسل وفي سيرته أيضا هو أنه بالرغم من كونه رجل سياسة وحرب،إلا أنه لم يفرط قط في العلم والكتاب، حيث كانت الخيل تحمل مع الجيش الكتب وتسمى «الزمالة»، فالحرب لم تمنع الأمير من نشر الثقافة وتحصين الناس بالعلم، لكن للأسف اليوم صار التفريط في القراءة والكتاب يثير الحزن والأسف. ـ لماذا ـ في نظرك ـ وصل نجوم الأغنية الجزائرية الى العالمية في حين لم يفرض التمثيل الجزائري نفسه ولو عربيا؟ ـ هناك اهتمام كبير بالنسبة للغناء على حساب السينما، فالأموال التي ترصد للسينما قليلة جدا، في وقت نتحدث عن صناعة السينما. فالأموال التي توجه للفن السابع في الولايات المتحدة تقارب المبالغ التي تأخذها الصناعة الحربية. ـ وأين يكمن الخلل؟ ـ لقد تخلت الدولة عن دورها في دعم السينما، فهي تعتبر أن اقتصاد السوق لا يستثني القطاع الفني من عدم الدعم، أو على الأقل لا ينبغي أن تترك الدولة دورها قبل أن تكون ثمة مؤسسات ثقافية قائمة بنفسها وتزدهر الحركة الفنية في بلدنا. وقد أصيب قطاع انتاج السينما عندنا بنوع من الشلل بعد الانتقال من الاقتصاد الموجه الى اقتصاد السوق، والتخلي عن الدعم المباشر للثقافة والفن، ولذا وجد الفنان نفسه في شبه بطالة مقنعة، وندرت أمامه فرص العمل والانتاج المفيد.