بلل المطر العشب الأخضر في الحديقة، كنت جالسة على مقعدي انتظر «جبار» غريبان التقينا في ارض بغداد.. غريبان لم تستطع الثواني والايام والساعات والذكريات طرد غربتي معه، لم أنا غريبة معه؟ انه نصف التفاحة التي قضمها آدم وسلمها لحواء.. فطرد من جنته انه جنة.. انه نار.. لا سلام الجنة ولا لهب النار استطاعا ان يمحيا غربتي معه. انتظرته يوم السبت والاحد ولم يأت.. وكلما زدت انتظارا كان الجحيم يقرب دمه من روحي.. تذكرت اني طرف مهمل في علاقة غريبة ومسحورة حدثت معي.. وتنفست رائحة المساء الذي يحتويني ولون الصيف الذي يشرق على روحي وعقلي.. كنت جالسة على مقعدي في مساء الاربعاء الكابي حين رأيته يسير ببطء عينيه على جميع نساء الارض وعلى شفتيه ابتسامة مقيتة قلت له: ـ انتظرتك طويلا.. ـ كنت أكتب قصة ـ قصة ! عن ماذا؟ ـ سأصعد الى القمر بالسلم وابني قصرا هناك.. ـ حتى القمر! قلت هازئة بان الغضب في وجهه، لم يكن في الحديقة سوانا والمطر والعشب المبلل.. وطير من رماد يحاول التحليق ولا يستطيع، ينظر الينا وفي عينيه خيبة الطيران.. نهضت لكي اذهب وتركت الطير في الحديقة يبحث عن جناح مستعار لكي يطير في الأفق.. سارت السيارة بي تذكرت هدايا «جبار» كتاب مذكرات كل صفحة سوداء تقابلها صفحة بيضاء.. ومرآة سوداء وسيارة رمادية لم استطع قيادتها ابدا.. كان الشلل يتسرب الى جسدي حين كنت اجلس وراء مقودها.. كنت اقرأ احيانا في عينيه كل النظرات الهازئة والساخرة، صحوت على صوت السائق وهو يقول لي: ـ اهذا هو بيتك؟ ـ نعم انه بيتي بعد ذلك المساء المليء بالمطر والطير ذي الجناح المنكسر والعشب المبلل وقصة «جبار» عن الصعود الى القمر كنت مبللة بغربة الحديقة والليل والمطر.. ذهبت الى غرفتي ووجدت النافذة مفتوحة رأيت مطر الليل يتساقط على نوافذ غرفتي.. شممت رائحة العاصفة البعيدة صوت البرق كان يخترق كياني اغلقت النافدة وها هو الليل بدأ.. البعوض يرقص على دمي.. هبطت اصوات الكلاب السائبة في الشوارع.. وابتدأ مواء القطط يقترب من روحي.. بدأت اسمع تغريد عصفور لاينام ويأرق معي.. وبانت القيامة ترعد في دمي.. ارتميت على الارض، قلبي امام النافذة المفتوحة وعيني على سقف الغرفة.. وبدأت احتضر احتضارا رهيبا.. وادري ان موعد نومي لن يحين ما دام «جبار» داخل رأسي، كأن السماء بثقل نجومها الظاهرة والمخفية ستسقط على روحي.. آه الليل وطن الذكريات الحارقة، باللقاء الغريب. كنت ذات مرة انتظر الباص، وتموز يفتح ابواب الجحيم.. كل باب يندلع بجسدي فاغتسل بالعرق.. كل شيء في حالة انتظار.. انا والحافلة والسيارات والجميع.. نساء صبايا.. رجال.. اطفال وحرارة الصيف.. كانت عيون الجميع تنتظر قطرة مطر.. ولم يكن هناك مطر.. ترى اين الباص الازرق؟ تراه يأتي؟ متى يتوقف الباص الاحمر عن المجيء؟ فجأة وانا تعبة مرهقة يكاد يغمى عليّ من شدة الحر.. وقفت امامي سيارة حديثة جدا هبط منها شاب ذو شاربين غليظين قصير القامة كانت عيناه مخيفتين وقف امامي وهتف ـ مرحبا سلمى ـ من أنت؟ كيف عرفت اسمي؟ ـ انا «جبار» عرفتك من دمك ـ عن اي دم تتكلم؟ ـ دمك يحتل جسدي ـ أنت مجنون ضحك بطريقة اربكتني وقال.. ـ هيا معي لأوصلك ـ سيأتي باصي الازرق ـ لن يأتي.. ـ اذهب عن طريقي.. ـ طريقنا معا بقانون الجاذبية الدموية وقانون القوة ذهبت معه.. بذلك القانون الذي تماشيه في الظاهر وتثور عليه في اعماقك.. ركبت الى جانبه في السيارة، الحر كان يسقط ثقله على الشر والحدائق والعصافير التي غادرت السماء وعلى روحي التي بدأت تلوب حين رأيته يسير في الطريق المؤدي الى بيتي. بدأت ارتجف وروحي معلقة بأسلاك شائكة احقا منحته دمي كيف؟ متى؟ واين؟ كان «جبار» يقود سيارته بسرعة جنونية.. قال لي: ـ هل تعرفين كيف اتى دمك الى جسدي؟ ـ لا ـ حين كنت في الجامعة طُلب منك قنينة دم.. فقد وصلت حياتي الى مرحلة الخطر.. وبدأ الدم في جسدي يساوي صفرا.. جسدي رفض كل الدماء التي أعطيت له.. دمكِ الوحيد الذي سار في جسدي حتى ان جميع الاطباء تعجبوا.. كيف انقذتِ حياتي حدث ذلك في الماضي تذكري وستعرفين من انا ـ لا أتذكر اي شيء. ـ ماذا تعمل؟ ـ أدرس واكتب.. و.. وقفت السيارة قرب بيتنا.. وبهدوء قال لي: ـ هذا هو بيتك الأزرق ـ كيف تعرف بيتي؟ ـ حنين دمك في جسدي. قالها بهدوء غريب افزعني.. شهر بإيامه.. بساعاته.. بإمطاره بخريفه.. بهجره الطيور عن اعشاشها ومغادرة الارواح عن اجسادها.. شهر والسلام النفسي والروحي غادرني ولم يمر بعيني.. يجب ان اترك هذا الرجل الغريب الاطوار.. انه يلعب لعبة شطرنجية معي.. لعبة الصعود الى القمر ولعبة الجاذبية الدموية.. تلك اللعبة التي جعلتني محمومة دائما اهذي واستسلم كاحلام يقظة تهبط عليّ في اقوى لحظات سكوني. (أنا بجسد احمر على رأسي منديل زفاف تسير به افاع حمراء.. هناك شمعة حمراء قرب يدي اليسرى وشمعة كالذئب قرب يدي اليمنى يأتي جبار بإكليل الألم ويغرقني به ثم تتفجر عيناي من اسى ودموع ودم.. تحت اقدامي زجاج مكسر.. شعري مليء بالشوك والحصى والندم» اجلس مذعورة من نبوءة يقظتي اصرخ بأعلى صوتي: ـ يجب ان اترك جبار ..... قلت له: ـ «جبار» هلوسات اليقظة تفترسني.. قال هازئا: ـ لماذا؟ ـ اشعر بالغربة والخوف معك.. ـ انتِ دمي ـ أنا لا أنام.. ـ الا تحبينني؟ ـ أنا احتضر ولا أنام؟ حملت حقيبتي كي امضي، اجلسني بقوة على المقعد وصرخ بوجهي ـ دمك ودمي نهر واحد.. سنتزوج رأيت نظرته السوداء.. كانت كاوية حارقة.. مثيرة للاشمئزاز.. يا الهي من أين اتى رجل الدم هذا؟ .... بدأ الاحتفال بزواج الدم.. ارتفعت الاشرطة الملونة وانطلقت الموسيقى الصاخبة.. جاء جبار بشيخ كبير ووضعني في الغرفة.. وضعوا على رأسي ربطة بيضاء ووضعوا قدمي في الماء المغسول بالأس.. اشعلوا الشمعة.. كانت نارها تأكلني.. شيئا ما سيحدث شيئا اجهله ويعلمه قلبي.. ردد الشيخ ورددت وراءه.. ـ قولي.. قبلتك زوجا.. ـ قبلتك زوجا على مهر من الدم.. انطلقت زغاريد النساء في الغرفة وارتفع صوت الاغاني وبدأ الرقص المسعور في لحظة الجنون هذه.. كنت اعاني من يأس غريب، ارتديت بدلتي البيضاء واحكمت اغلاقها، رتبت شعري ووضعت برقع الزفاف على رأسي.. حملت الورد في يدي.. وضعت الخاتم في أصبعي.. لبست العقد الذهبي.. سمعت طرقات خفيفة على الباب.. دخل جبار ومد يده الى يدي لم يكن امامي خيار سوى الذهاب معه. .... وقفت سيارة جبار امام باب حديدي كبير.. وجدار على جانبي الباب اصفر.. فُتحت الباب.. دخلت السيارة ببطء.. وعبرت على جسر ترابي موشى بالزهور الحمراء.. تحت الجسر كان هناك ماء من جهة اليمين ومن جهة الشمال.. خرج من الماء ومن الحوريات.. وقفن بخشوع وانصات وابدين التحية بأغنية غريبة لم افهم منها شيئا.. قفزت واحدة دمى الحوريات على الجسر ورمت الوردة على السيارة.. وقفزت حورية اخرى على جبار وقبلته. عادت الحوريات المكونات من جسد نصف بشري..نصف حيواني.. ووقفن بانتظام في الماء.. ظللن محنيات الرأس الى ان عبرنا الجسر.. قلت له: ـ ماهذه الحوريات؟ ـ انها دمى متحركة ـ قصر من هذا؟ ـ انه قصري.. بدأنا المرور بعد ذلك بشوارع كثيرة وكبيرة.. تهت فيها ولم اعرف الطريق .. كان الشارع الاول يصطف فيه النخيل والشارع الثاني تصطف فيه اشجار البرتقال والليمون.. ثم مررنا بشوارع لا اعرف عددها.. سوى انها كانت متشابهة ثم انحدرنا بعد ذلك نحو شجرة حمراء قريبة من الباب الرئيسي يتدلى منها التفاح الاحمر.. سألته: ـ اهذه غابة؟ ـ بل هي الجنة.. ـ عن هذه الشجرة ـ انها شجرتنا ..... عاد «جبار» الى البيت ذات يوم بحالة غريبة.. في يده كأس.. قال لي: ـ تعالي بسرعة.. ـ ما بك؟ ـ كل شيء.. مشى يترنح امامي.. جلس على الطاولة وكان يرتجف بدا الشحوب والاصفرار واضحا على وجهه، قلت له: ـ أنت ترتجف.. ـ اريد بعض الدم.. ـ اي دم.. ـ دمك.. انسل بسرعة واتى بابرة رفيعة وسحب يدي بقوة.. ـ اترك يدي. وخز يدي بالأبرة صرخت وظل يوخزها في اماكن عدة مستمرا دون وعي منه.. وضع فمه على يدي وابتدأ يمتص دمي.. اريد دمك؟ هو ما اريد.. هو قلبي.. روحي.. عقلي.. طفولتي. خزني.. سحبت يدي منه بقوة وهربت وبكيت.. ركض ورائي، بقوة امسك بي ـ لماذا تهربين؟ اتخافين مني؟ اني مريض بك.. بدأ «جبار» يتلوى على الارض بشدة... ويصرخ صرخات لا حدود لها.. امسك بقدمي وبدأ ينتحب نحيبا دمويا.. عيناه اغتسلتا بالدموع وجسده ملقى على الارض بدون حراك لا حياة في هذا الرجل.. لا روح، اصبح جبار يغلق الابواب بالحديد.. رغم انني ضائعة في القصر ولا اعرف منه سوى غرفتي.. بقيت وحيدة في هذا السجن أقضي ايامي ببطء..، بقيت ادور في القصر الكبير ابحث عن الابواب المغلقة.. وقعت يدي ذات يوم على اكرة باب مليء بالمرايا السوداء.. فتحت الباب.. كانت الغرفة غابة من الوحوش الصغيرة.. قفص للذئاب كانت تعوي، امامه سجن للقطط كانت تموء مواء وحشيا وسجن آخر للكلاب السودا.. حين التقت عيناي بعيونهم.. اصبت بالصمم لان الاصوات التي هجمت على اذني كانت قوية ومختلطة.. صوت الذئاب مع صوت الريح في الخارج.. مواء القطط والمطر العنيف.. نباح الكلاب السوداء مع نباح الكلاب السائبة.. هجم ذئب شرس على القفص ليكسره فهربت مسرعة من نظرته الوحشية وصوته القاتل.. دخلت اركض واصطدمت بجبار.. نظر الي بغضب ووحشية... قال: ـ لم فتحت الغرفة المغلقة؟ ـ لقد تعبت من وحدتي.. لم لاتعيش في هذه الاقفاص.. ـ لا تسخري مني ـ أين الضوء قال بسخرية واستهجان ـ سأشعل لك الشموع.. كل مرة يفعل الشيطان ما يفعل.. يأخذني اليه واستسلم له كأستسلام الوادي لاصوات الليل المبهمة.. أفيق بعدها لا ارى شيئا.. ارى ظلا من الندم والرماد يملئان قلبي.. قال لي وبراحة ـ أنتِ بيتي.. ـ أنتَ لعنة.. لعنة.. أنتَ لص.. ـ بماذا ستحاكميني.. حاكميني أذن ـ سرقت حياتي قال لي وهو يلعب بمفاتيح قصره ـ انت جاريتي.. دلني على الطريق.. اريد الخروج ـ اينما تهربين... ستجدين وجهي امامك.. ...... ـ بدأت ارتجف منه ومن القصر.. جلست صامتة يداي ثابتتان في جسدي وقدماي بلاحراك.. هجمت الطيور الرمادية من افق الشمس نحو زجاج النافذة وظلت تنقر بشدة.. سمعت صوت اقدام تنزل من السلم.. ناديت: ـ من هناك؟ من في الاعلى؟ من ينزل من السلم ـ الا تعرفين.. الرجل ذو المعطف الاسود والكفوف الحمراء ظل صوت اقدامه يمتزج بصوت المطر.. وصوت المطر يتحد بنقر العصافير على زجاج النافذة توهجت الزهور الحمراء خلف الضوء.. رأيت هذا الرجل ينزل من السلم.. يسير امامي يغرق كل اشيائي الساقطة على الارض.. ساعتي السوداء المحطمة.. ورقة الخمسة وعشرين دينار.. قلت له وانا مصابة بالرعب ـ من أين اتيت؟ ـ من دم جبار، أين هو؟ ـ لا ادري اين ذهب؟ ـ لماذا تطاردني دون توقف ـ أنا الذي عقدتك على جبار.. كنت واقفا بينكما.. أيام اللقاء الاول في ذلك الصيف الحار كنت اصرخ به: هذه الفتاة قدر غامض في حياتك.. كل ليلة امر برأسه واصرخ.. اذهب ارفع الابواق ورقص الحيوانات.. سترى اهازيج ترقص على جسدك ـ اخرج من هنا... ـ لن ارحل عنكِ.. منذ بدء الخليقة وانا احيا.. ارحل من كوكب الى نجمة.. ومن قمر الى زهرة.. اجوب كل البلدان.. الزهور والفراشات.. والبحار والجبال الممتدة تكرهني، سكنت سنين ضوئية وغير ضوئية.. سكنت مع الشيطان في بيت واحد.. تحاورنا حول قيامة الألم في الارض.. ارتفعت الحمى في جسدي واصفر وجهي.. بدأت الثعابين تنطلق من جسده وتنفذ سمومها نحوي.. صرخت به.. ـ أأنا في كابوس أم انها هلوسات اليقظة؟ ـ لست حلما ولا كابوسا.. أنا حقيقة الارض ولا حقيقة غيري.. حين تفتحين عينيك كل صباح وتجدين مدينتك مهجورة وشوارعها تنادي الراحلين.. تأكدي انني جئت مقيما لا زائرا ـ لكن من أنت؟ ـ انا الحب... انا الحرب.. ـ التمع القرد الزجاجي الموضوع على الطاولة.. اعتدل في جلسته وابتسم لي.. رعدت الدنيا وسقط القمر وفي حمى ذهولي.. رأيت القرد يسقط والرجل ذو المعطف الاسود والكفوف الحمراء.. يتقدم نحوي.. قمت لكي اصفعه ـ فتهاويت على مقعدي..، بدأ ضوء الشمعة يخفت وارتفع صوت فيروز قادم من مكان بعيد.. اصبح الظلام رهيبا وموحشا..، رجل رأيت وجهه وروحه تحمل وشما كبيرا لا شفاء منه.. قلت له وانا احتمي بروحي.. ـ انت تعذب ذاكرتي.. ـ ذاكرتك رماد.. ـ ذاكرتي جمر ـ ذاكرتك عجوز ـ اريد ان امزقك.. ـ خذي.. ما هذا؟ ـ مفتاح اغلقي به الذاكرة ـ لن اغلقها؟ أهي القيامة؟ اني لا ارى حشرا.. ـ اتيتك من قيامة الارض.. حين قال لي انه أتى من قيامة الارض...هرعت الى جميع الابواب كي افتحها.. لكني ضعت بين ابواب القصر المتشابهة.. ظللت اسمع صوت اقدامه وهو يصعد السلم.. كلما حاولت ان افتح بابا كنت ارى جدارا.. مرت قطتي السوداء وهرعت اليها لكنها انشبت مخالبها في وجهي.. ونزف وجهي دما.. وتحولت القطة الى كتلة نارية حمراء اللون... يبدو انني قتلت قطتي.. لا.. لا.. لم اقتل قطتي.. رأيت سيلا من الدم يخترق القصر.. ويجلس عند النافذة،و يتكور.. الطيور تلصق فمها على زجاج النافذة تدق وتحاول ان تكسر النافذة..انكسرت النافذة وظهر الشفق الاحمر في بداية السماء.. اغمضت عيني وسقطت على الارض.. فتحت عيني ووجدت جبارا أمامي.. قال لي.. ـ مابك؟ ـ لقد كنت هنا.. لقد كان هنا ـ من هو ـ الرجل ذو المعطف الاسود والكفوف الحمراء. ـ وضع يده على جبيني وقال.. ـ انت محمومة.. لنخرج من هنا قليلا ....... سارت السيارة وبدأ جبار يقودها بسرعة.. القمر مغبر على غابات النخيل.. الظلام قرب الزوراء.. مطار المثنى ودخان في بغداد.. ثم محطة القطار في كل مرة كنت احمل حقائبي الى القرى البعيدة لأمارس عملي كطبيبة.. تذكرت ذلك الذي كان يقف في محطة القطار.. طاردني بصورة مستمرة.. لكن بصمت، لم أكلمه ولم يكلمني رغم حبي له وحبه لي.. كأن الرجال الذين يمرون بطريقي.. احدهم صامت والاخرون اسطورة شيطان.. لم أفق من محطة القطار الا على صوت توقف السيارة بصورة قوية وجبار يتكلم بعصبية.. ـ أين كنتِ؟ لقد مررت بكل الجسور.. ـ معك في مقعد السيارة.. ـ طلبت مني العبورعلى الجسر ـ كنت في القطار لم أر جسرا ـ هذه بغداد.. ـ لم أر بغداد.. نظر اليّ بغضب وشرارة.. ـ «سلمى» سأرميك من المقعد.. ـ القطار لا يمضي ـ «سلمى» سأمزقك انتِ والقطار.. نظر جبار اليّ من جديد .. كانت عيناه تقولان اني امرأة بدأت تستلم اولى بوادر الجنون ...... هربت من قصر (جبار) لا اعرف كيف.. كنت اركض في الشوارع حافية القدمين.. لم يعترض طريقي احد.. وصلت الى محطة القطار.. ودخلت بسرعة، الربيع يملأ أنفاسي، الحياة الماضية الى حتفها.. رأيت رجلا يقف داخل المحل سألته وانا ألهث.. ـ أين رجل القطار الصامت؟ ـ من هو؟ ـ انه يقف قرب القطار.. ـ اعني ما أسمه؟ ـ لا اذكر اسمه.. ـ كثيرون يقفون قرب القطار.. ـ عدد لي الاسماء.. ـ هناك محمد.. لقد ذهب قطاره قبل مدة الى نهاية محطة العراق.. قطار محمد سيتأخر هذه المرة في عودته.. ـ وبعد.. ـ أنا.. ـ لست انت.. ـ هل يعود القطار اليوم! ـ لا.. القطار سيتأخر.. ـ ما أسمك؟ ـ «سلمى» ـ أين هويتك؟ ـ اسير حافية وتحت اقدامي نهر من الألم والحقيقة الثابتة هي السماء والنجوم والارض.. هويتي وهم.. ـ من أي مدينة انت؟ ـ مدينتي بعيدة.. ـ أين بيتك؟ ـ لا بيت لي.. ـ تعال معي لاريك أين كان يقف هذا الرجل.. ـ تقصدين سلام ـ نعم سلام.. ـ انا آسف.. ـ على ماذا؟ ـ لقد سحق تحت عجلات القطار.. ـ ماذا؟ مات سلام.. ـ نعم سحق تحت عجلات القطار.. لخطأ من عامل المحطة.. ـ اذا مات سلام وبقي جبار فلماذا ابقى انا..؟ ما ضرورة بقائي؟ هرعت راكضة من محطة القطار عائدة الى قصر جبار.. دخلت القصر، عبرت الجسر المليء بالحوريات الوهميات.. نظر جبار الي.. قال لي.. ـ ماذا تفعلين؟ ـ الا تحب دمي..؟ ـ نعم «يا سلمى» ـ سأجعلك تغرق به حتى النهاية.. سأقتل نفسي بنفسي.. ضغطت على الزناد واطلقت الرصاص على رأسي.. على جسدي.. على يدي.. على عيني اللتين اغرورقتا بالدم والدموع.. سقطت على الارض.. وسقط جبار الى جانبي يشرب من دمي.. ـ قاصة عراقية تقيم في السويد عملت في الصحافة منذ مطلع التسعينيات وفازت بعدة جوائز أدبية