أصبحت أزقة وشوارع بلدة البويطي، وهي اكبر بلدات الواحات البحرية في مصر، اكثر حركة الان. فقد شهدت البويطي بناء فنادق جديدة فيها، منذ اكتشاف اكثر من 200 مومياء تعود للمرحلة الرومانية ـ الاغريقية غير بعيد عنها. ومع ذلك فإنها لاتزال تخفي تحت ترابها اسراراً أقدم من هذه المومياءات. فقد اكتشف علماء الآثار الذين ينقبون في البلدة ومقابر الواحات البحرية قبور حاكم الواحات الأشهر «زيدخونص او فعنخ» وقبر والده وقبر زوجته، وذلك داخل متاهة من حجرات الدفن تحت مجموعة من البيوت التي يسكنها اهالي البلدة. يذكر ان علماء الآثار كانوا يبحثون عن «زيدخونص او فعنخ» منذ عثر الاثاري المصري احمد فخري عام 1983 على قبور ثلاثة من اقرباء هذا الحاكم وكان «زيدخونص او فعنخ» قد حكم الواحات البحرية في عهد الاسرة الفرعونية السادسة والعشرين «664 ـ 525 قبل الميلاد» وهو العهد الذي كانت هذه الواحات المعزولة في الصحراء الغربية ذات أهمية استراتيجية للدولة الفرعونية، حيث كانت احد خطوط المواجهة المتقدمة أمام الغزاة الآتين من الصحاري الغربية. وازدادت اهمية الواحات البحرية لوقوعها على مفترق طرق التجارة والقوافل غرباً. وكان حكامها اصحاب ثروات ضخمة وعلى علاقة وطيدة بالملوك الفراعنة. وهذا الثراء والنفوذ دفع بحاكمها «زيدخونص او فعنخ» لبناء معبد داخل مدفن مجاور وحجر دفن وضمة تشابه ما كان يفعله الحكام الفراعنة انفسهم وهي خطوة جريئة جدا للتأكيد على دوره المهم في الدولة من حاكم اقليمي يخضع للسلطة المركزية. ومنذ عامين، نجح المنقبون في تحديد مكان مجمع حجر دفن تحت حي الشيخ صبحي في البلدة ودخوله. لكن لم يتمكنوا حينها من معرفة طبيعة المدفون داخله. وكل ما وصلوه هو باب مغلق منقوش عليه اسم «زيدخونص او فعنخ»، لكن كان عليهم الانتظار لموسم التنقيب المقبل حتى يتم السماح لهم بدخول المدفن ورفع الانقاض ونقل اكياس كثيرة من مسحوق خام الهيماتيت الاصفر الذي لم يعرف مصدره. كان العمل مرهقاً، لكنه بدا واعداً جداً. فقد عثروا على تابوت حجري ضخم مصنوع من الحجر الكلسي يحمل وجهاً كبير الحجم منقوشاً عليه ربما يكون من نتاج احد نحاتي مدينة منف البعيدة ليحدد هوية من بداخله الا وهو زيدخونص او فعنخ حاكم «واحتسمنخ» وهو اسم لم يكن معناه معروفاً سابقاً اما الان فهو يعني «الواحة الراسخة» وهو ما يوحي بنظام حكم طويل وآمن. وبعد أيام عثر أيضا على تابوت حجري آخر. وفي جانبه كان هناك ثقب احدثه ناهبو القبور في الحقبة الرومانية. وحين رفع الغطاء الحجري للتابوت لم يكن قد تبقى فيه سوى مادة عضوية سوداء. وفيما كان المنقبون والعمال يمشطون الحجرات قطعة قطعة وينخلون ترابها حبة حبة عثروا على بقايا من مقتنيات الحاكم التي خلفها الناهبون وراءهم. وتتكون من قطع ذهبية منحوتة بدلالات رمزية مثل رأس الكوبرا ورموز الروح وغيرها من تماثيل ذهبية غابت عن عيونهم. وفي حجرة مجاورة كان والد زيد خونص او فعنخ وحاكم الواحة السابق بادي ايزيت يستلقي بين عشرات من تماثيل من يمثلون خدما للملك في الحياة الآخرة اذا ما طلبت الالهة منه تقديم عمالة لها. وكانت هذه التماثيل المنحوتة على شكل مومياءات تحمل كلها اسمه، كانت حجرة بادي ايزيت اكثر اتقاناً وترفاً من حجرة ابنه. ومع ذلك كانت هناك مفاجأة اخرى تنتظر المنقبين الى الشمال من حجرة مدفن «زيدخونص اوفعنخ». فتحت كومة من الحجارة المنقوشة اكتشفوا تابوتاً حجرياً لامرأة تدعى نياس. وبالتدقيق في النقوش الكتابية على 224 من التماثيل الحجرية التي كانت حول تابوتها تبين انها زوجة الحاكم. ومن حسن الحظ ان لصوص القبور لم يولوها الكثير من الاهتمام. وكل ما تعرضت له من ضرر هو سرقة ياقة ذهبية مزخرفة من مومياءتها وتعرضها لكسر في عمودها الفقري فيما بقي كل ما حولها على حاله وكأن احدا لم يخرب قبرها. وكان قبر الزوجة مرصعاً بالحجارة الكريمة حوالي 85 خرزة ذهبية. كما كان المسئولون عن تحنيطها قد استبدلوا لسانها بصفيحة ذهبية. في احدى اصابع كفها الايسر وضعت خاتماً ذهبياً لأصابع القدمين. ويبدو ان هذه المقتنيات التي لا توجد عادة الا عند الفراعنة قد أهديت للحاكم من احد ملوك مصر لابداء الرضى عن خدماته له.