ارتبط اسم جسر قصر النيل على مدى سنوات طويلة بقصص الحب ومشاعر الرومانسية الرقيقة وخاصة مع فترة الستينيات. كما ارتبط اسم الجسر أيضا بالأسود الأربعة التي تزين مداخله من ناحيتي الجزيرة وميدان التحرير، ومن فوق هذا الجسر العريق تستطيع أن ترى بانوراما، رائعة لفنادق القاهرة ومبانيها الشامخة وخاصة في ليالي الصيف الجميلة المتلألئة، والى جانب أهمية الجسر كشريان يربط بين ميدان التحرير والجزيرة وموقع متميز للنزهة فإن الأهم من ذلك أن جسر قصر النيل من الناحية التاريخية يعتبر أقدم الكباري التي أنشئت على النيل ووصل عمره الآن الى 129 سنة، وكان إنشاء هذا الجسر خطوة هامة جدا فتحت الباب بعد ذلك لتشييد مئات الجسور والكباري على النيل أنشئ منها في عهد الخديوي اسماعيل فقط 421 جسرا. فكرة إنشاء الجسر كانت فكرة إنشاء جسر على النيل قد اكتملت في ذهن الخديوي اسماعيل الذي كان شغوفا بحب البناء والتعمير فقرر أثناء بناء سراي الجزيرة إقامة جسر يربط بين القاهرة والجزيرة بعد أن رأى أنه لم يعد من اللائق العبور من شاطئ جزيرة الاسماعيلية الى شاطئ الجزيرة على ظهر مراكب مربوطة بالحبال وبات محتما تشييد جسر يتناسب مع فخامة الأحياء التي سيربط بينها، وبالفعل أصدر الخديوي اسماعيل في 27 محرم 1286هـ ـ 1869م أمرا عاليا الى نظارة الأشغال باقامة الجسر بمبلغ قدره مليونان وسبعمئة وخمسون ألف فرنك فرنسي بما يوازي 113 ألفاً و850 جنيها مصرية وأوكلت مهمة إنشاء الجسر الى كومبانية أو شركة فيفي ليل الفرنسية وكان مسيو جانجيه وكيلا عنها في توقيع العقد مع نظارة الأشغال المصرية. وقد استغرق العمل في بناء الجسر حوالي عامين ونشرت جريدة الوقائع المصرية عام 1871م خبر الاستعدادات لتركيب الجسر تقول (اجتماع لتركيب الجسر المعدني الموصل من قصر النيل الى الجزيرة المتعهد به (قومبانية) فيفي ليل كل من حضرة سعادة ناظر الأشغال العمومية وبعض حضرات المهندسين والذوات المعتبرين والمدعوين من مسيو جانجيه مأمور أشغال ذلك الجسر فركب أمامهم واستحسنوا عليه، وذلك أن الجزء الأول ظهر من الجسر البالغ طوله 500 قدم كان موضوعا على سطح تراب بطول سور شاطئ قصر النيل مرتفعا عن الأرض قليلا بعجلات صغيرة معدنية بآلة يقال لها الونش فأخذ في السير هوينا على عجلاته بلا مشقة جهة المكان اللازم تركيبه ومهندس ذلك العمل قد استعمل الطرق الهندسية اللازمة في إحكام الجسر ومتانته. ثم كتبت الوقائع خبرا آخر عن افتتاح الجسر عام 1872 ذكرت فيه أن طول الجسر بلغ 406 أمتار وعرضه عشرة أمتار ونصف منها 3 أمتار للأفريزين وله فتحتان ملاحيتان ويدار الجزء المتحرك منه باليد. الاسود الأربعة وقبل افتتاح الجسر رسميا كانت قد وصلت الى مصر التماثيل البرونزية الأربعة التي كلف بعملها الخواجة جاكمار الايطالي بتوصية من الخديوي اسماعيل وبتكلفة بلغت 8435 جنيه مصري شاملة ثمن التصنيع والشحن وقد اعتبر وجود مثل هذه التماثيل على مداخل الجسر من الأشياء الغريبة وقد رأى أحد المؤرخين مبررا لذلك لا نعرف مدى صحته، فقد ذكر أن الخديوي اسماعيل كان يكنى بأبي السباع وقد رأى القائمون على وزارة الاشغال في ذلك الوقت اقامة التماثيل الأربعة أو السباع الأربعة زيادة في إرضاء الخديوي اسماعيل. والطريف أنه عند إنشاء جسر قصر النيل وافتتاحه عام 1872 تقرر تحصيل رسوم للمرور عليه وتم تقسيم هذه الرسوم حسب الكيان الذي يمر عليه، فالرجال والنساء كان مقررا على كل رجل أو امرأة عند عبور الجسر دفع 10 بارات أي ربع قرش وكانت البارة في ذلك الوقت عملة مستخدمة وكان القرش عبارة عن أربعين بارة، وكان يعافي من دفع الرسوم الأطفال أقل من ست سنوات وصنف الغزال!! ونعتقد أن كل منهما أعفي من الرسوم بسبب خفة الوزن، وأما الجمال فكان يدفع عن الجمل المحمل بسلعة قرشين والجمل الفارغ قرش واحد والجمل الصغير الفارغ 30 بارة، وأما الجاموس والحمير والبقر فكان يدفع عنها قرش واحدة و15 بارة، أما العربات الكارو فكان يدفع عن المحمل منها قرشان والفارغ قرش واحد، وكان يدفع عن الاغنام والماعز وباقي الحيوانات عشر بارات عن كل واحدة. ترجع سبب تسمية الجسر بهذا الاسم نظرا لوجود قصر كبير على النيل من جهة ميدان التحرير حاليا يسمى قصر النيل أنشأه محمد علي باشا لابنته زينب ولما تولى سعيد باشا الحكم هدمه وأقام مكانه ثكنات للجيش المصري مقر نظارة الحربية وعندما احتل الانجليز مصر احتلوا هذه الثكنات وأقاموا فيها، وعندما تم الجلاء هدمت هذه الثكنات وبنيت مكانها جامعة الدول العربية وفندق هليتون وأدخل جزء من المساحة ضمن منطقة ميدان التحرير ورغم ازالة القصر نفسه إلا أن الجسر خلد اسمه. وبعد مرور 59 عاما على إنشاء جسر قصر النيل والذي كان يعرف بقنطرة قصر النيل أو قناطر قصر النيل كما ذكره علي مبارك في الخطط التوفيقية أوقف المرور عليه لخلل أصابه ولعدم قدرته على استيعاب حركة المرور عليه خاصة مع ظهور السيارات وزيادة استخدامها على الجسر، وفي عام 1931 في عهد الملك فؤاد تم وضع حجر الأساس لاقامة جسر بديل في نفس المكان واستغرق انشاءه حوالي عامين وافتتح رسميا في مارس 1933 على هيئته الموجودة حتى الآن وقد أطلق الملك فؤاد على الجسر اسم جسر الخديوي اسماعيل ولكن التسمية لم تجر على ألسنة الناس الذي اعتادوا على الاسم القديم وحتى بعد قيام ثورة يوليو واطلاق اسم جسر التحرير عليه لم يجر الاسم الجديد أيضا على ألسنة الناس، والجسر الذي أنشأه الملك فؤاد كان أكثر استيعابا لحركة المرور وهو الجسر الموجود حتى الآن وتم وضع السباع الأربعة على مداخله وقد تكلف الجسر في المرة الثانية 291 ألفا و955 جنيها مصريا وكان عرضه 20 مترا خمسة أمتار منها للافريزين وطوله 382 مترا، واذا كان جسر قصر النيل هو أول الكباري على النيل المصري على الاطلاق فقد كان لزاما على الخديوي اسماعيل استكمال المرحلة الثانية منه لتحقيق الفائدة من المرحلة الأولى، فقد اكتشف أن جسر قصر النيل على الفرع الشرقي للنيل يوصل بين القاهرة والجزيرة فقط، وكان لابد من إنشاء جسر آخر على الفرع الغربي للنيل لكي يصل المارة الى الجيزة فأنشأ الجسر الأعمى عام 1877م وهو أطلق عليه فيما بعد جسر الانجليز ثم جسر بديعة لوجود كازينو بديعة بعده مباشرة (مكان فندق الشيراتون حاليا) ثم أطلق عليه بعد ثورة يوليو اسم جسر الجلاء وقيل في سبب التسمية الغريبة بالجسر الأعمى أنه حتى الربع الأخير من القرن التاسع عشر لم يكن الفرع الغربي من النيل موجود بشكل دائم كما أن جزيرة الزمالك لم تصبح جزيرة بالمعنى الصحيح إلا في الربع الأخير من القرن التاسع عشر أيضا ولذلك فقد كان الفرع الغربي للنيل يمتلئ أثناء الفيضان ثم تنحسر عنه المياه ويجف فيصبح كالعين التي فقدت الابصار ولهذا أطلق عليه اسم البحر الأعمى، ونذكر أنه في أعقاب إنشاء جسر قصر النيل ثم الجسر الأعمى أو جسر بديعة ازداد الضغط عليهما فتم إنشاء عدة كباري أخرى على النيل لاستيعاب هذه الزيادة المتلاحقة فإنشئ جسر امبابة عام 1891 لكي يمر عليه خط سكك حديد الصعيد ثم جسر الملك الصالح عام 1908 ويقابله على الفرع الغربي جسر عباس وكلاهما أنشئ في نفس العام ونسب الثاني الى الخديوي عباس حلمي الثاني الذي أنشأ في عهده وسمي بعد ذلك بجسر الجيزة عقب قيام ثورة يوليو، ثم جسر أبو العلا وجسر الزمالك 1912 وقد أزيل جسر الزمالك منذ حوالي 17 عاما وأزيل جسر أبوالعلا منذ عامين. جسر المتناقضات وقد اجتمعت فوق جسر قصر النيل العريق متناقضات كثيرة على مر الزمان، فقد شهد الجسر حادث مروع عام 1946 عندما لقي أحمد باشا حسنين رئيس ديوان الملك فاروق مصرعه في سيارته بعدما اصطدمت بها سيارة لوري من سيارات الجيش الانجليزي ووصف هذا الحادث بأنه مدبر من قبل القصر الملكي بسبب ما أشيع عن زواج أحمد حسنين بالملكة نازلي، كما شهد الجسر مرور معظم أعضاء مجلس قيادة الثورة يوميا في الخمسينيات والستينييات عندما كان مجلس قيادة الثورة على بعد خطوات منه كما كان يشهد كل عام احتفالات الثورة بعيدها المجيد، ونذكر أيضا أديب مصر العالمي نجيب محفوظ الذي اتخذ من كازينو قصر النيل (أسفل الجسر من ناحية الجزيرة) مكانا مفضلا له سنوات طويلة للكتابة والابداع ومجالسة شلة الحرافيش، ولعل هذا الجسر العريق هو الجسر الوحيد الذي لا يخلو من المحبين وعشاق الرومانسية طوال العام حتى في فصل الشتاء رغم صغر حجم الرصيف وربما يكون السبب في ذلك اقترابه من حديقة الحرية ومبنى الأوبرا والمتنزه الجديد لكورنيش النيل وميدان التحرير، وكذلك البانوراما الرائعة الساحرة للقاهرة من فوق الجسر والتي يراها العابر عليه باتساع الأفق كلها أسباب تجعل من جسر قصر النيل متنزها فريدا وواحة لأي إنسان يعشق الجمال، وفوق كل ذلك ربما تكون الرومانسية التي شهدها المكان على مدى سنوات طويلة قد أصبحت جزءا منه تتوارثها الأجيال.