غرباء في وطنهم مشتتون في بلادهم، محرومون من زيارة أهاليهم وذويهم، أنهم (غربيون) أجبرتهم الظروف على الاقامة في الضفة، هذا الجزء من الوطن الذي تحاصره قوات الاحتلال. فبرغم ما تبقى لنا في فلسطين هو الضفة وغزة إلا أن الاحتلال يأبى أن يسمح للفلسطينيين بالانتقال بين هذين الجزئين من الوطن. كتب لي أحدهم خلال الأيام القليلة الماضية أنه التقى وبمحض الصدفة عدداً من هؤلاء الذين رغم حبنا لهم، وحبهم الشديد لنا يشعرون بغربة داخل أجزاء الوطن الواحد. غربة في الوطن فهذا أبو فوزي الذي كان يعمل لفترة طويلة داخل الوطن المحتل، واضطر أمام الاغلاق إلى السكن في الداخل فيما سكنت عائلته في جنين، ثم انتقلت لمخيم جنين، يقول أبو فوزي الذي وجد نفسه عاملاً للنظافة في جنين ليوفر لعائلته ما يسد رمقهم. منذ سنتين طلبت من زوجتي أن تحضر هنا، حيث كان أسهل علي أن أصل إلى عملي في الداخل. ومع مرور الوقت أصبحت دون عمل. عندما توجهت للعمل في أي مكان يواجهني، وأضاف أنا الآن أسكن في مخيم جنين، حيث انه من الصعب العودة لغزة، فهناك لا يوجد عمل وأنا رب أسرة تحتاج الكثير من المصاريف. ورغم ان الراتب لا يكاد يكفي إلا انه يوفر الحياة لعائلتي. أما عن ظروفه النفسية، قال لا أتخيل انني لم أزور عائلتي منذ سنين، وهذا الوضع الصعب فرضه علينا الاحتلال. وأشار إلى ان اخوانه اضطروا في الأشهر الأخيرة لمغادرة العمل في الداخل، وهم الآن يقيمون عنده في سكنه. وقال تخيل وضع اخواني الذين لا يجدون عملا، ليس بإمكانهم العودة إلى غزة نظراً للاغلاق من جهة ولسوء الأوضاع من جهة أخرى. غياب الاستقرار أما أبو محمد وهو تاجر رفض الافصاح عن اسمه الحقيقي لاعتبارات اجتماعية فقال أنا أعمل بالتجارة منذ سنوات طويلة ومعظم تجارتي كانت في مناطق الضفة. ووجدت انه من الأفضل أن أقيم هنا بسبب عدم امكانية التحرك والانتقال من الضفة لغزة والعكس. وأضاف انه ورغم ان زوجته وعددا من أولاده معه، أصيب بحالة من اليأس والملل، حيث لا يمكن للواحد أن يكون بعيداً عن كل أسرته وجماعته، فنحن مسلمون لنا أرحام، وأنا أحاول أن أسافر إلى الأردن ومنها إلى مصر، حتى أتمكن من الوصول إلى غزة، كما انني لن أتمكن من البقاء هناك لفترة طويلة نظراً لوجود عائلتي هنا. وأضاف أصبحت الحياة مزعجة ومملة وغير منطقية. أما مفيد فقد وصف الاستقرار بالوضع الحالي بالمستحيل، وقال لقد تزوجت من محافظة جنين، وكنت أعمل في الداخل، لتسهيل السكن هنا، وبعد أن أصبح الخروج من غزة صعباً، وأضاف بعد أكثر من عامين وجدت نفسي دون أي عمل. صاحب البيت يهددني بطردي منه بعد أن تراكمت علي أجرته. وقال عندي خمسة أولاد منهم ثلاثة في المدرسة، وزوجتي تحمل هوية الضفة وأولادي كذلك، وأنا أحمل هوية غزة.. لا أدري أبقى في جنين بعيداً عن عائلتي، أم أعود إلى غزة وأترك أولادي وزوجتي؟ وكل يوم يكون أصعب من الذي سبقه، وسأل هل بامكان صاحب البيت أن يرمينا أنا وأولادي خارجه، وإلى أين سأذهب؟ وحول أعداد العمال من القطاع الذين يقيمون في جنين وغيرها من المدن قال احدهم هم بالمئات، منهم من يعمل ويغامر في الذهاب إلى الداخل بشكل مستمر غير مكترث بما يحصل من جنود الاحتلال، ومنهم من استقر هنا واستسلم للواقع. عجز نقابات العمال الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين في جنين يقف عاجزاً مثل غيره من المؤسسات الفلسطينية عن حل مثل هذه الاشكالات التي خلفها الاحتلال. وقال عضو اللجنة التنفيذية للاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين باير كميل، هذه مشكلة حقيقية تزعج المجتمع الفلسطيني. فكيف يمكن لواحد أن يعيش بعيداً عن والدته غير قادر أن يطمئن عليها وعلى أحوالها. وأضاف كميل نستصرخ العالم العربي والمؤسسات والنقابات الدولية أن تقف إلى جانب عمالنا في معركتهم التي يخوضونها من أجل توفير فرص عمل لها. وقال دولة الاحتلال تعارض كل المواثيق والأعراف التي تحتم على الدولة المحتلة أن توفر فرص عمل لرعايا الدولة المحتلة. ظروف طارئة وقال أمين سر حركة فتح ومدير عام المؤسسات قدورة موسى هناك عشرات بل مئات الحالات التي تعاني من هذه الظروف التي أفرزها الاحتلال في محاولاته الرامية لشق وحدة صفنا الوطني، ومنع التواصل الجغرافي والسكاني بين الأهالي، وهذا جزء من الصراع مع الاحتلال. وأضاف عند الحديث عن التحرر فإننا نعني التحرر الكامل ولن نقبل بتقطيع أوصال الوطن، وتمزيقه بعد اليوم. وأكد موسى ان الانتفاضة التي انطلقت وضعت لها أهدافا رئيسية وعلى رأسها وأهمها التحرير واقامة الدولة المستقلة. وبخصوص المعاناة التي تحدث عنها مفيد حول عجزه عن دفع أجرة بيته، وتهديد صاحب البيت له بالطرد، ناشد موسى أصحاب العقارات الرأفة بالفقراء والمحتاجين، خاصة اننا نمر بظروف طارئة، وأكد ان على الجميع تحمل أعباء هذه المرحلة، ولا يجوز أن نرى أحدا يموت جوعاً ونحن ننظر إليه.