جرت العادة الا نسمع اسم نيبال في نشرات الاخبار العالمية، الا حينما ينجح متسلق جبال آخر في تحقيق رقم قياسي جديد في الوصول الى قمة ايفرست اعلى قمم جبال الهمالايا والعالم. والاستثناء الاهم على هذه القاعدة هو ماسمعناه في 1 يونيو الماضي حينما وردت اخبار عملية الاغتيال الواسعة التي راح ضحيتها ملك البلاد وزوجته وسبعة آخرين من افراد الاسرة المالكة ، على يد احد افرادها لخلافات عائلية. واستغلت الجماعات الماوية المناوئة للملكية هذا الحادث حيث اختطفت وقتلت عشرات من عناصر الشرطة النيبالية في الانحاء البعيدة من البلاد مما ادى لاضراب عام يوم 12 يوليو. مثل هذه الاحداث قد تكون ذات اثر بالغ السوء على الاقتصاد النيبالي الهش الذي ومنذ نجح ادموند هيلاري وشيربا نورجاي عام 1953 بتسلق الهمالايا حتى قمة ايفرست، ظل يحصل على العملة الاجنبية الضرورية جدا لتعزيزه من السياحة في الهمالايا التي ساهمت ايضا بايجاد فرص العمل لآلاف من ابناء البلاد التي تعتبر من افقر دول العالم. وممايزيد الامر سوءا الآن في هذا الوقت البالغ الحساسية هو تخدير الكثيرين من خبراء ايفرست من ان حادثة بابعاد كارثية تلوح في الافق بشكل حتمي على تلك الجبال نتيجة ان حملات التسلق التجارية التي تأخذ المئات من هواة التسلق غير ذوي الخبرة الى تلك الجبال تتم بدون اي ضوابط قانونية للأمن والسلامة. وفي مطلع اكتوبر وهو الموسم السنوي لانطلاق حملات تسلق ايفرست سنشهد المئات من المتسلقين وهم ينطلقون نحوها من السفوح النيبالية والتيبيتية والكثير من هؤلاء سيكونون من زبائن الحملات التي يقودها مرشدون بعد ان يدفع كل منهم مبالغ تصل حتى 65 الف دولار للحصول على الفرصة الوحيدة في العمر لتجربة صعود القمة التي اودت حتى الآن بحياة 171 شخصا. وفي مشاهد حية تضفي الغرابة على الهيمالايا سنجد قريبا المرشدين الخبيرين وهم يتقدمون الحبل الذي يقودون به مدراء كبار ومصرفيين ومحامين من الاثرياء نحو الجو قليل الاوكسجين فوق القمة على ارتفاع 8848 مترا. يقول دودج سكوت وهو مرشد خبير يعمل في الهيمالايا واصفا زبائن شركته السياحية انهم مثل الكلاب التي تقودها بالحبال وراءك، فبعد ان يصل احدهم الى قمة الهرم الوظيفي يأخذون بالتفكير في مابعد ذلك ويقول احدهم لنفسه سأصعد ايفرست. لكنهم لايفكرون ابدا بالعواقب المحتملة لمثل هذه المغامرة. مثل هذه الاحلام قادت رجال اعمال امريكيين مصحوبة بأخطاء مرشديهم الى ماعرف عام 1996 بكارثة ايفرست حينما مات خمسة متسلقين في يوم واحد اضافة الى تعرض سادس الى تشوهات فظيعة في اطرافه الاربعة نتيجة الصقيع وانتهى الامر بقطعها كلها لانقاذ حياته. وفي ليلة اليوم نفسه وهو 11 مايو قتل ثلاثة متسلقين آخرين كانوا يصعدون دون مرشد. وكانت تلك اسوأ 24 ساعة في تاريخ هواة تسلق ايفرست، ومع ذلك فان الكثيرين يعتقدون ان هذا لن يكون اسوأ مافي الأمر لان المزيد منها آت لا محالة. وقصة هؤلاء القتلى الثمانية والمشوه التاسع قرأها المهتمون بهذه الهواية لاحقا حينما وصفها أحد الناجين وهو جون كراكوير في كتابه «في الهواء الخفيف» لكن بدلا من ان يساهم هذا الكتاب في تثبيط همة من كان يفكر بهذه المغامرة، يبدو انه شجعهم اكثر عليها فمنذ اصداره عام 1997 بيع منه 4 ملايين نسخة في الولايات المتحدة وحدها. يقول بيتر جيلمان مؤلف كتاب «إيفرست: ثمانون عاما من النصر والالم» عن ذلك: يظن احدنا ان قصة موت اناس عاديين غير خبيرين على اعلى جبال العالم ستروع الناس، لكن الحقيقة انها ذات مفعول عكسي هناك جو من الاثارة يلف هذه البيئة المتطرفة في قسوتها ان هؤلاء يختارون ان يلعبوا بالموت. ويكف للدلالة على صحة رأي جيلمان حقيقة ان 84 شخصا وبعد 12 شهرا من كارثة ايفرست نجحوا في الوصول الى قمة ذلك الجبل خلال موسم الربيع التالي و 32 منهم وصلوها في يوم واحد فقط. ان الشهية المغامرة لبلوغ تلك القمة اصبحت نهما يجمع الكثيرين في العالم الامر الذي جعل الشركات السياحية المختصة برحلات الهيمالايا في تزايد مستمر. يقول جيلمان: سيكون غريبا ان نظن بان هيلاري حينما تسلق ايفرست عام 1953 اعتقد بأن آخرين سيفعلون الشيء نفسه، لقد اعتقد بالتأكيد ان احدا غيره لن يهتم بالامر، انني اتفهم شعبية حملات التسلق بقيادة مرشد خبير، لو كنت اصغر سنا لربما اردت فعل ذلك ايضا. وقد عملت حكومة نيبال على تحقيق اكبر العوائد من هذا الوله العالمي بالقمة الفريدة. اذ تفرض الحكومة النيبالية رسما يبلغ حوالي عشرة الاف دولار على كل متسلق يريد الصعود. ومما زاد الطين بلة ان الحكومة الصينية التي رأت العوائد الطيبة لهذا النوع من الصناعة السياحية قد رفعت الحظر عن صعود ايفرست من داخل حدودها ودخلت في منافسة سعرية مع نيبال.